العنوان حادث المركز التجاري الدولي مقدمة مشؤومة لما هو أدهي وأمر!
الكاتب أحمد ابو الجبين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 74
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-مارس-1993
·
إن الطبيعة العالمية
للمفاهيم التي يتبناها الإسلاميون تضعهم في حالة مواجهة مباشرة مع الغرب.
·
إن القضاء على الإسلاميين سوف يتم بمساعدة الآلة الدعائية التي
تستعمل في الغرب بكفاءة مماثلة للطرق التي كان يتبعها جوبلز في العهد النازي.
إن المحاولة الجارية لتقويض عملية التعبير
الاجتماعي والسياسي الإسلامي ليست بالصيغة البسيطة والمتمثلة في الهجوم الغربي على
الإسلام، وإنما تطور الأمر ليصل مرحلة معقدة من مراحل التقويض الأيديولوجي وصراع
القوى.
إن ما حدث مؤخرًا من اعتقال محمد سلامة
بتهمة تفجير المركز التجاري الدولي في نيويورك قد خدم في تغذية وتضخيم المخاوف
الغربية من المسلمين ومن بعض العناصر المعينة في المجتمع الإسلامي، فأخذوا يهنئون
بعضهم على تحذيراتهم الدقيقة من الخطر المزعوم لموجات التشدد الإسلامي التي تهدد
حتى أمريكا.
ولا شك في أن هناك عناصر في العالمين
العربي والإسلامي تنظر إلى مثل هذا الحادث بطريقة لا مسؤولة، لذلك تجد بعضًا من
المراقبين الغربيين يستمتعون بفكرة أن أولئك الأفراد يمثلون «العقلية الإسلامية».
إن الأمريكي العادي أو صانع القرار الأوروبي، أو الصحفي أو رجل الشارع العادي لا
يتوقف كثيرًا لمعرفة مدى ثراء وتنوع العالم الإسلامي، وبدلًا عن ذلك يتم إطلاق
التصريحات والآراء المعممة، بأن الحقبة الحالية ظلت وستشهد حربًا من نوع جديد على
الإسلام.
فالمعارضون الغربيون للصحوة الإسلامية قد
عرفوا الكثير من خلال تجاربهم السابقة مع الاشتراكية والشيوعية والقومية العربية،
فقد علموا أنه لكي يتمكنوا من سحق حركة شعبية فإنه ليس كافيًا استخدام القوة، وإن
التكتيك السليم كما يراه المعارضون الغربيون النشطون ذو ثلاثة أبعاد: السلاح
الإعلامي، والهجوم الفكري، والتحرك السياسي.
الانحياز
في الإعلام الغربي
إن العقلية العلمانية المتحررة لمعظم
أجهزة الإعلام الغربية قد وضعتها تاريخيًا في حالة مواجهة مباشرة ضد التوجهات
الإسلامية المحافظة، وتبعًا لذلك قامت الصحافة الغربية بشن حرب أيديولوجية ضد
الصحوة الإسلامية بنسب متفاوتة، ورغم أن هناك بعض الآراء الإيجابية فإنها تعتبر
قليلة.
وفي حالة «سلامة» مثلًا، كان العنوان
الرئيسي لصحيفة «واشنطن تايمز»: «اعتقال مسلم بتهمة تفجير قنبلة نيويورك». ولو أن
الجاني كان «يهوديًا» أو «مسيحيًا» لحدثت ضجة واحتجاجات كثيرة.
ورغم نفي جماعات إسلامية كثيرة وبصورة
متكررة وجود أية علاقة لها بالحادث، إضافة إلى إدانة الإخوان المسلمين في الأردن
للإرهاب، فإن الإعلام الغربي ظل يؤكد باستمرار وجود مخططات إرهابية تستهدف
الولايات المتحدة.
وبمقارنة الحادث بحوادث أخرى ليس لها
علاقة بالحادث الأخير فإن الإجحاف وعدم التزام العدل يبدو واضحًا، وقبل سنوات
عديدة في ريشون ليزيون مثلا، عندما قام جندي "إسرائيلي" مفصول من العمل
بقتل سبعة من الفلسطينيين برشاش (M-16)، نقلت أجهزة الإعلام الغربية بدون تردد الادعاءات "الإسرائيلية"
بأنه مختل العقل وأن تصرفه كان فرديًا، وفي فترة أحدث (أي الآن) نشهد ذلك الجمود
في المواجهة بين عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي ديفيد كوراش الذي يدعي بأنه
المسيح، ولم يتم وصف هذه الحادثة بأنها مشكلة أصولية مسيحية، وبدلًا من ذلك تصف
أجهزة الإعلام ديفيد كوراش بأنه زعيم مهووس لطائفة استطاع أن يخدع أنصاره.
إضافة إلى ذلك فإن المحللين السياسيين في
أجهزة الإعلام يقومون دائمًا باستغلال وضعياتهم كصحفيين مرموقين ليتحدثوا بصورة
هيستيرية عن الخطر الإسلامي.
الهجوم
الفكري وتضخيم الخطر
لقد كتب تشارلز كروثامر عن خطر جبهة
إرهابية متحدة تقودها إيران «وكما كان الحال بالنسبة للشيوعية السوفيتية، فإن هذا
الخطر الديني الجديد يجب احتواؤه، وهذا يعني تقديم المساعدة– سواء ماديًا أو
سياسيًا– لأولئك الذين يحاربون من أجل احتواء إيران وأتباعها (ويقصد بأتباعها:
الجماعات الإسلامية في السودان ومصر ولبنان وقطاع غزة في هذا المقال).
ولا يقتصر هذا الانحياز الصارخ على الصحف
اليومية، إذ إننا نجد مقالات عن «الخطر الإسلامي الدولي» تُدبج بصورة مكثفة في
المجلات الأسبوعية. ونجد روبرت ستالوف نائب مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى
(WINEP)، وهو من العقول المؤيدة "لإسرائيل"
ومن ذوي النفوذ الكبير على الإدارة الأمريكية، يشيد بمجلة «الإيكونوميست»
لاعترافها أخيرًا بالخطر المزعوم للإسلام الراديكالي، وكانت المجلة المذكورة قد
وضعت على غلافها صورة لمسجد وبندقية كلاشينكوف، وكتبت عن «السيف الإسلامي» أن
الإسلام في معظم الحالات يوصف أنه خطر عظيم محدث بالسلام والأمن في الشرق الأوسط.
ويقوم عدد من المفكرين المعادين
للإسلاميين باستغلال هذه الصحف والمجلات لنشر أفكارهم ونظرياتهم المضللة بشأن
الخطر الإسلامي، ليس على العالم الإسلامي، بل على الغرب أيضًا. لقد صار المثقفون
أكثر تحديدًا في ادعاءاتهم بأن الإسلاميين:
(أ) يعارضون الديمقراطية
(ب) معادون للغرب،
ومستعدون للاعتداء عليه
(ج) لا يحترمون حقوق
الإنسان
ويكتب بيرنارد لويس في «أتلانتيك» الشهرية:
وبالنسبة للأصوليين الإسلاميين فإن الديمقراطية ليست مقبولة لديهم، وعلى عكس
الأنظمة الفردية الشيوعية، فإنهم نادرًا ما يستعملون أو يسيئون استغلال الكلمة،
وهم لا يخفون معارضتهم للإجراءات الديمقراطية، ورغبتهم في فرض الحكم الإسلامي
عندما يصلون إلى السلطة، إن نظرتهم تجاه الانتخابات الديمقراطية تتلخص في «صوت
واحد لكل رجل ولمرة واحدة فقط».
وظلت الصحف اليهودية مثل Midstream وCommentary
في الواجهة تقوم بتضخيم الخطر الإسلامي. وكتب مارتن كرامر المحاضر بمعهد واشنطن
لدراسات الشرق الأدنى (WINEP)
في مجلة «Commentary»
يقول: «وبالنسبة للأصوليين.. وبنظرة متوازنة، فإن الإسلام بكل تأكيد سوف يبيع نفطه،
بشرط أن يسمح له باستغلال عائداته لشراء معدات الحرب التي تسمح للعالم الإسلامي
بالتصدي لأي نوع من أنواع التدخل الغربي، إن مثل هذه النظرة من شأنها أن تخلق
نظامًا عالميًا جديدًا قائمًا ليس على الهيمنة الأمريكية ولكن على أساس توازن
مقبول بين القوى... والإرهاب».
إن مثل هذه الأفكار التي تبعث على الخوف ليست
موجهة لليهود فقط، بل إلى الشعب الأمريكي عامة وإلى التركيبة السياسية الأمريكية!
تقرير
بودانسكي وفوريست واستعمال اللغة
إن الهجوم الضاري والمحموم على «الأسلمة»
في تصاعد مستمر، وفي سبتمبر ١٩٩٢ قدمت مجموعة الطوارئ الخاصة بشأن مكافحة الإرهاب،
وهي مجموعة ذات نفوذ قوي داخل لجنة الأبحاث للبرلمانيين من الحزب الجمهوري،
تقريرًا للكونغرس أعده يوسف بودانسكي وفوج س. فوريست بشأن البوسنة وادعيا فيه أن
البوسنة أصبحت «رأس الرمح الإيراني في أوروبا» في نشر الأصولية.
وفي أول فبراير ١٩٩٣، قامت نفس المجموعة
ونفس المؤلِفين بنشر تقرير بعنوان: «الإسلام العالمي الجديد». وادعى التقرير أن
هناك قوة دولية تعمل من أجل تقويض الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي، وأن هذه
الآلة الإسلامية سوف توجه ضد الغرب، ورغم أنه لم يُعطَ أي اهتمام لمصادر تلك
المعلومات، فإن الكاتبين قد قدما معلومات مفصلة عن اجتماعات وتحركات في عدة مناطق،
وأكثر ما يثير الانتباه في مثل ذلك التقرير هو: تلك الادعاءات التي لا تسندها
الأدلة والبراهين. فقد وردت أسماء أفراد ومجموعات مما يعطي التقرير نوعًا من
الشرعية والقبول، ولكن التعميم المنحل والادعاءات الباطلة تتردد باستمرار في شكل
نقل معلومات على لسان متحدثين دون تقديم أي إثبات للجهة التي وفرت تلك المعلومات.
خلاصات
التقرير
إن الخلاصات دائمًا ما تكون مكرسة لإحداث
شرخ بين الغربيين، خاصة صناع القرار والإسلاميين. ويقول التقرير المذكور: «إن
الطبيعة العالمية للمفاهيم التي يتبناها الإسلاميون تضعهم في حالة مواجهة مباشرة
مع الغرب، وهكذا فإنه في صيف عام ١٩٩٢، قررت طهران والخرطوم إيلاء اهتمام خاص
لعالمية الإسلام؛ وذلك بتمويل جماعات الجهاد في أوروبا الغربية والولايات
المتحدة».
ويمضي التقرير في إطلاق المعلومات
الجزافية: «وهكذا فإنه في شتاء عام ١٩٩١-١٩٩٢ قامت أول مجموعة من الإرهابيين
الخبراء التابعين «لفيلق المد الإسلامي» في أوروبا بالوصول إلى مواقعها في أوروبا
الغربية وشمال أمريكا. وبالإضافة إلى التدريبات العالية في الأعمال التخريبية
والإرهابية، فإنهم قد أعدوا إعدادًا خاصًا للقيام بسلسلة من العمليات والعيش في «ظروف
المجتمع الغربي المتحضر. وفي هذا الصدد فإن مظهرهم وطريقة معيشتهم قد تم تكييفها
على الصورة الغربية تمامًا، وذلك من أجل تفادي إثارة انتباه أجهزة الأمن المحلية».
إن مثل هذه المعلومات قد أُعدت من أجل تقويض أي وجود لأي صوت يحاول أن يقف في وجه
أية إدانة لكل ما يقال ضد الإسلاميين.
لغة
التقرير
أقل أهمية من ذلك تلك اللغة التي استُعملت
في ذلك التقرير. إن هذا التقرير الذي يتكون من ٩٣ صفحة قد استعمل كلمة «إرهابي»
٢٨٨ مرة كما أن كلمات «راديكالي» (Radical) و«متطرف» (Extremist) و«عسكري» (Militant) قد استعملت بنفس القدر. إن التأثير السايكولوجي لمثل ذلك
الاختيار في أذهان صناع القرار الغربيين، يجب عدم التقليل من أهميته وشأنه.
أضف إلى ذلك أن التشابه اللغوي الكثير قد
يقود القارئ إلى أن يصل إلى نتيجة مؤداها أن "الإسرائيليين" كانوا في
الأقل طرفًا في إعداد ذلك التقرير.. إن أكثر الشواهد على ذلك استعمال كلمتي «يهودا
والسامرا» في الإشارة إلى الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، وباستثناء ذلك، فإن
التأثير اللغوي القاسي لذلك التقرير، إضافة إلى الإشارة المستمرة إلى مؤامرة
إسلامية عالمية «سرية وتخريبية» قد تدفع السياسيين الغربيين إلى الموافقة على شن
حرب ضد الإسلام.
النتائج
المتوقعة
إن من المؤكد أن التقارير السلبية المضادة
لكبار الصحفيين والإدانات القاسية التي أسهب فيها الأكاديميون، والتقارير المضللة
التي تُكمَّل بواسطة مصادر مشكوك في صحتها، سوف تؤدي إلى إحداث خسائر كبيرة
بالنسبة للعرب والمسلمين، خاصة في الغرب. وليس من الصعب اكتشاف العناصر التي تقف
في حقيقة الأمر وراء انفجار قنبلة المركز التجاري الدولي.. إن العناصر "الإسرائيلية"
قد تكون ضالعة في هذا الحادث بصورة غير مباشرة، ومع ذلك فإن الحقيقة الثابتة هي أن
العديد من العرب المسلمين قد تم توريطهم.. إن هذا الحادث يكفي لأن يهز الرأي العام
الغربي المعبأ أصلًا بالكراهية ضد الإسلام.
وهناك الآن مشاريع قرارات أمام الكونغرس
ستجعل مهمة مجموعات مثل اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز مهمة صعبة.
وهناك بجانب تلك المذكرات المقدمة للكونغرس بشأن تبرعات للجمعيات الخيرية
الإسلامية التي ربما يكون لديها علاقات بعناصر إسلامية ربما تعتبر عملًا إرهابيًا
من قبل الحكومة الأمريكية.
إن القانون الفيدرالي يعرف مساعدة الإرهاب
بأنها «تقديم دعم مادي» من قبل أي شخص. وقد يكون ذلك الدعم في شكل خطاب شكر بسيط
أو إشادة أو تبرع بمبلغ دولار واحد. إن النتائج المترتبة على الحادث قد تكون أبلغ
ضررًا ولا يمكن التوسع في شرحها في هذه الأوراق.
إن المهارة والقسوة التي تُدار بواسطتها
الحرب الأيديولوجية ضد الإسلاميين تثير الدهشة، وأولئك الذين يقودون هذه الحملة
يؤمنون بأن الحكومات الأجنبية سوف تنجح فقط في القضاء على الإسلاميين بكل الطرق
الضرورية والممكنة، بما فيها التعذيب واستعمال العنف.
إن القضاء على الإسلاميين سوف يتم بمساعدة
الآلة الدعائية التي تستعمل في الغرب بكفاءة مماثلة للطرق التي كان يتبعها جوبلز
في العهد النازي «وهي التي حشدت تأييد الشعب الألماني بصورة ملفتة وراء فكرة تفوق
العنصر الآري». وأكثر بشاعة من ذلك عهد مكارثي في الولايات المتحدة في الخمسينيات،
عندما كان يتم تصنيف الناس ومتابعتهم ومحاكمتهم بدون تهم.
إن الإسلام يمكنه بكل تأكيد أن يصمد لمثل
هذه الهجمات، ولكن إذا لم يستعمل المسلمون نفس الوسائل الإعلامية والتكتيكات
والضغوط «اللوبي» فإن الأمور ستسوء إلى درجة لا يستطيعون معها تحسين موقفهم.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل