العنوان حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» (٢-٥).. قراءة في نشأة الحزب.. ومبادئه العامة
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 54
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 28
السبت 13-سبتمبر-2008
- حقوق الإنسان في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر
- نشأ الحزب في رحم حركة المطالبة بحقوق الوطن في الاستقلال وتقرير المصير.. وارتبط منذ بداياته بقضية حقوق الإنسان على المستوى الجماعي الوطني.
- يرى الحزب أن الأصالة التي يعنيها هي أن تكون جميع مشاريعه في الإصلاح مستنبطة من المرجعية الإسلامية ومنسجمة مع قيمها الثقافية والحضارية.
حزب العدالة والتنمية: تشير السيرة السياسية لحزب العدالة والتنمية، إلى أن جذوره تضرب في التاريخ الحديث للمغرب منذ فترة الكفاح من أجل الاستقلال في منتصف القرن الماضي، فقد ارتبطت نشأته الأولى بحركة التحرر الوطني في الخمسينيات وحمل اسم حزب الحركة الشعبية، وشارك في تأسيسه المجاهد والسياسي المخضرم الدكتور عبد الكريم الخطيب مع عدد من رفاق النضال ضد الاستعمار، وكان بذلك رابع حزب سياسي يؤسس في المغرب بعد حزب الاستقلال ١٩٤٤م، والحزب الديمقراطي للاستقلال ١٩٤٩م، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية .. وفي سنة ١٩٩٨م أصبح اسمه العدالة والتنمية.
وقد جاء هذا التغيير الأخير في إطار ظاهرة الانصهار الحزبي، وهي إحدى ثلاث ظواهر يشهدها فضاء السياسة المغربية بنسب ومعدلات مختلفة منذ بدايات عهد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي، أما الظاهرة الثانية فهي الانشقاق الحزبي وهي أسبق من الانصهار.. وأكثر حدوثًا منها، والظاهرة الثالثة هي التوافق الحزبي، وهي الأحدث، والأقل حدوثًا من سابقتيها.
ويُصنف حزب العدالة والتنمية ضمن الأحزاب الإسلامية المعتدلة في خريطة الأحزاب المغربية، وضمن الأحزاب السياسية الإسلامية عمومًا، والحزب يعرف نفسه بأنه: حزب سياسي وطني يسعى انطلاقًا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي ومزدهر ومتكافل، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابيًّا في مسيرة الحضارة الإنسانية، ويعمل على تأطير المواطنين والمشاركة في تدبير الشأن العام، وترسيخ قيم الاستقامة والحرية والمسؤولية والعدالة والتكافل، وذلك من خلال منهج سياسي مرتكز على الالتزام والشفافية والتدرج، وإشراك المواطنين والتعاون مع مختلف الفاعلين ساعيًا إلى تمثل ذلك من خلال ممارسته اليومية وبرامجه النضالية. وواضعًا المصالح الوطنية العليا فوق كل اعتبار.
مؤسس الحزب
كان الدكتور عبد الكريم الخطيب مؤسس الحزب من أوائل الذين دعوا في سنة ١٩٥٣م إلى المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإسباني لبلاده، وقد شكلت مسيرة الكفاح الطويلة التي خاضها الدكتور الخطيب الملامح العامة لتوجهاته السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتكشف مسيرته عن درس بالغ الأهمية في مسار حقوق الإنسان ليس فقط في المغرب وإنما في عدد من البلدان العربية الأخرى، وهو أن بعض الحقوق الجماعية وعلى رأسها حقوق الوطن في الاستقلال، والحرية، وحقه في تقرير مصيره بنفسه، يجب أن تأتي أولًا وقبل أي شيء آخر.
وقد بدأ الدكتور الخطيب مسيرته بالدعوة إلى المقاومة المسلحة للمحتل الأجنبي، وانفتح باكرًا على عدد من قيادات الحركات الإسلامية التي انخرطت في حركات التحرر الوطني، أو ما يمكن أن نسميه أيضًا: النضال من أجل الحقوق الجماعية، حيث تعرف على قيادات بارزة من جماعة الإخوان المسلمين مثل د. توفيق الشاوي، ود. محمود أبو السعود، ود. سعيد رمضان ١٩٥٦م، كما ربطته علاقة متينة بالشاعر الإسلامي بهاء الدين الأميري. واستطاع أن يبني علاقات وثيقة مع عدد آخر من أشهر المناضلين من أجل الحرية والاستقلال في البلدان العربية والإسلامية وفي غيرها، منهم: نيلسون مانديلا، وياسر عرفات، وحسن الترابي، وعدد من قيادات التحرر الوطني الجزائري، منهم محمد خيضر، ومحمد بوضياف، ومن قبلهم مصالي الحاج.
بعد أن نال المغرب استقلاله واصل الخطيب نضاله السياسي، فشارك في تأسيس حزب الحركة الشعبية في سنة ١٩٥٩م، وحدد له توجهات ثلاثة ثوابت هي الاشتراكية الإسلامية، ووحدة شمال إفريقيا، والملكية الدستورية، وتشير المواقف التي ثابر عليها على مدى أكثر من نصف قرن إلى أن رؤيته السياسية تستند إلى مبادئ الحرية والاستقلال والتضحية والسعي لتحقيقهما للوطن من جهة، والديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان والمشاركة مع بقية القوى السياسية من أجل تحقيقها للمواطنين من جهة أخرى، ويحتل د. الخطيب اليوم (عمره ٨٧ سنة) منصب الرئيس المؤسس لحزب العدالة والتنمية.
شخصيات وقيادات: إلى جانب القيادة التاريخية التي يمثلها .. الخطيب، والأستاذ بنعبد الله الوكوتي, هناك عدد آخر من الشخصيات القيادية التي تسهم بدور كبير في بلورة رؤى الحزب وفي إنتاج خطابه السياسي، منهم د. محمد يتيم، ود. سعد الدين العثماني، الأمين العام للحزب من أبريل ٢٠٠٤م حتى يوليو ٢٠٠٨م، وغيرهما من أبناء الحركة الإسلامية المغربية الحديثة الذين أضحوا يشكلون طبقة سياسية جديدة ترتكز على عنصر الشباب من ذوي التعليم العالي في تخصصات علمية وإنسانية متنوعة.. فالدكتور سعد الدين العثماني، مثلًا هو من مواليد ازنكان (جنوب المغرب) سنة ١٩٥٦م، وحصل على عدد من الشهادات العلمية في تخصصات متعددة منها : دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في نوفمبر ۱۹۹۹م، ودبلوم التخصص في الطب النفسي سنة ١٩٩٤م من المركز الجامعي للطب النفسي بالدار البيضاء، وشهادة الدراسات العليا في الفقه وأصوله سنة ۱۹۸۷م من دار الحديث الحسنية بالرباط، ودرجة الدكتوراه في الطب العام في سنة ١٩٨٦م، من كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، والإجازة في الشريعة الإسلامية سنة ١٩٨٣م من كلية الشريعة بـ آيت ملول.
وشغل عدة مناصب سياسية ونيابية منها نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية +بمجلس النواب ( 2001 - 2002) ونائب برلماني دورة (1997- 2002) ثم دورة (۲۰۰۲-٢٠٠٧م). ثم الدورة الحالية (207-2012)، وهو عضو -بمجلس الشورى المغربي منذ ۲۰۰۲م, وله عدد من المؤلفات والبحوث التي تتسم بالجدية والتجديد في أن واحد من منظور إسلامي أصيل.
الحزب.. وحقوق الإنسان
من جملة الحقائق التي يوضحها لنا تحليل ظروف النشأة التاريخية لحزب العدالة والتنمية أن هذا الحزب قد نشأ في رحم حركة المطالبة بحقوق الوطن في الاستقلال وتقرير المصير، ومن ثم فإنه ارتبط منذ بداياته بقضية حقوق الإنسان على المستوى الجماعي الوطني، كما أن التحولات الكثيرة التي مر بها توضح لنا أيضًا أن قضايا حقوق الإنسان على المستويات الجماعية والفردية شكلت مبدأُ مرجعيًّا ضمن المبادئ التي ينطلق منها في رسم رؤيته السياسية، وفي تحديد السياسات العامة التي يتبناها، يؤكد ذلك أن رؤيته الحالية قد تبلورت في سياق انخراطه ضمن عملية التحول الديمقراطي التي يشهدها المغرب منذ التسعينيات من القرن الماضي.
فالحزب يعلن في وثائقه السياسية أنه يؤمن بأن إنجاز مشروع النهضة هو مهمة الأمة بكل قواها الاجتماعية وتياراتها الفكرية والسياسية على قاعدة احترام الهوية الثقافية والحضارية، وعبر قراءة جادة للتراث وتوفير القاعدة الاجتماعية والإطار السياسي، ويحرص على إبراز العمق الحضاري للفعل السياسي بالتواصل مع تيارات النهضة والإصلاح في الأمة الإسلامية، وباعتماد الحوار داخل المنظومة الثقافية الوطنية، وبالتفاعل البناء مع الحضارات الأخرى.
أصالة وعدالة وتنمية
ويرى الحزب أن الأصالة التي يعنيها هي أن تكون جميع مشاريعه في الإصلاح مستنبطة من المرجعية الإسلامية ومنسجمة مع قيمها الثقافية والحضارية غير متعارضة مع أحكامها ومقاصدها.. مع استيعاب واحترام جميع الخصوصيات الثقافية واللغوية والعرقية داخل فضاء الأخوة الإسلامية.
أما العدالة، فيقصد بها العدالة الشاملة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات والهيئات والمناطق والجهات بهدف بناء مجتمع تتكافأ فيه الفرص أمام جميع المواطنين في الاستفادة من خيرات البلاد وثرواتها وخدمات الدولة، وتتوزع فيه الثروات توزيعًا عادلًا، وتحفظ فيه حقوق الفرد والمجتمع على حد سواء، وبشكل متوازن.
أما التنمية، فتتعدى - من منظور الحزب - المفهوم المادي التقليدي إلى مفهوم أبعد مدى وأعمق دلالة، ذلك أن الإنسان هو أساس كل إصلاح منشود، ومن ثم وجبت تنميته في كل أبعاده الروحية والفكرية والسلوكية حتى يكون منطلقًا لتحقيق التنمية الشاملة في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وبذلك تكون التنمية ذات محتوى إنساني بالمدلول العملي الواقعي الذي ينصرف إلى الإصلاح الآمن والاستقرار، وتضمن الرخاء والنماء الذاتي للإنسان؛ حتى يصير طاقة خلاقة تبني المجتمع، وتدافع عن مصالحه، وتحرس قيمه، وتذود عن مقوماته، وتعمل من أجل الأمن والاستقرار، وتضمن الرخاء والنماء والازدهار.