; حتى المقدس لم يسلم من عبثها.. الإمبراطورية المنفلتة | مجلة المجتمع

العنوان حتى المقدس لم يسلم من عبثها.. الإمبراطورية المنفلتة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1656

نشر في الصفحة 21

السبت 18-يونيو-2005

تدنيس المصحف في معتقل جوانتانامو ليس عملًا معزولًا عن سياق السياسة الأمريكية الحالية، بل هو جزء من الحرب التي تستهدف الشخصية الحضارية للأمة وهي برغم النفي المعلن حرب ضد كل ما هو عربي مسلم وإذا شئنا فهي ضد كل ما هو غير يهودي مسيحي، وفق مقولة عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة في كتابه الذي أصدره في مايو ٢٠٠٤م بعنوان الإهانة في عهد الميجا إمبريالية...

والمتتبع لممارسات السياسة الأمريكية بالمنطقة كترجمة ميدانية وما يصدر من تقارير من المراكز البحثية المتنفذة لدى الإدارة الأمريكية حول المشرق العربي والإسلامي يصل إلى قناعة أن الاستراتيجية الأمريكية في مضمونها المستبطن تستهدف أنظمة القيم، وما يدور في فلكها من نظام أفكار يخص الشخصية الحضارية للمنطقة.

السياسة الأمريكية في سابق عهدها، كانت في ميدان المواجهة مع المنطقة تفرق بين الإسلام وما بين ما تسميه الإسلام السياسي في استراتيجية تبتغي من ورائها عزل الإسلام الحيوي ورموزه عن الإسلام التقليدي ورجالاته، لكنها في اللحظة الراهنة تستهدف الإسلام ذاته تحت ستار ما تسميه مكافحة الإرهاب بل إن الحملة الأمريكية في ذروتها تجرأت ومست النص الديني بشكل مباشر، وتمثل ذلك في وصف القرآن الكريم بأنه «منافستو» الإرهاب من قبل رموز مهمة في الوسطين السياسي والأكاديمي، وحتى ممن هم في نطاق دائرة القرار وحدثت تعديات مباشرة على شخصية - الرسول الكريم ﷺ، بل وصل مداها حد إعلان بعض الجهات الأمريكية عن تأليفها لقرآن جديد، وفق التفسير الأمريكي للإسلام سمته- «الفرقان الجديد».

ما يدرك بدهيًا أن الحملة الأمريكية ليست جديدة على المنطقة إذ إنها في بؤرة الاهتمام الأمريكي منذ عقود عديدة، لكن الانقلاب الاستراتيجي في مضمونها هو -اللافت والمحفز في ذات الوقت لمخاوف عميقة تتسع لتشمل كل من ينظر للإسلام على أنه هويته بمعنى أن الخطاب الأمريكي الجديد استفز حتى طيف الإسلام التقليدي وفضاءاته التي كانت محيدة.

مشهد منفلت

المشهد الإمبراطوري الأمريكي المنفلت، بحسب المصطلح الذي صكه بول كنيدي، وصل حدًا غير مسبوق في السياق التاريخي، إذ لم يشهد التاريخ أية محاولة إمبراطورية لإعادة إنتاج الهوية بالقسر بحسب النموذج الأمريكي الراهن، مع أن الفارق شاسع بين البنية الذهنية القديمة المبسطة قياسًا بالذهنية المعاصرة المعقدة، وبالتالي هذا يشير للطفولة السياسية وإن شئت الحضارية لمن يمارس هذا الدور مهما بلغت قوته المجردة.

وفي سياق الجدل الاستراتيجي حول السؤال النمطي الذي ساد بعد أحداث ۱۱سبتمبر «لماذا يكرهوننا؟» يقول صاحب كتاب ترهات إمبريالية والمسؤول الرفيع في وكالة المخابرات المركزية الذي منع من إدراج اسمه على كتابه: إنه وبسبب الترهات والعجرفة الأمريكية عوضًا عن طرح السؤال «لماذا»، قام المهاجمون بما قاموا وعن أي مناخ يصدرون، سيطر سؤال «كيف» تنتقم؟. وهذا مؤشر على الانغلاق المحكم، التي ستدفع ممارساته الانتقامية إلى زيادة حدة الاستقطاب والعداء بدلًا من تفكيك ظاهرة العنف في الإطار الإمبراطوري المتعجرف نفسه يرفض العقل السياسي الأمريكي الاعتراف، بأن يكون سبب العداء لأمريكا هو خطأ السياسة الأمريكية، وبدلًا من ذلك تركز كافة الأطروحات الأمريكية التي تتضمنها توصيات المراكز البحثية المتصهينة المتنفذة على إعادة إنتاج ذهنية المنطقة لفهم السياسة الأمريكية كما هي، وكأن الخطأ هو قصور في العقل العربي والمسلم وليس خطأ السياسة الأمريكية.

فائض القوة

مرد هذه العجرفة الإمبراطورية من قبل واشنطن، ربما يكون سببه فائض القوة العسكرية، وفقًا للعقيدة الداروينية السياسية التي تغلف العقل الاستراتيجي الأمريكي، وبلغة الأرقام فإن أمريكا تمتلك ٧٣٢ منشأة عسكرية في أكثر من ۱۳۰ دولة، وتعادل ميزانيتها العسكرية ١٢ إلى ١٥ من الدول التي تليها في المرتبة، ويبلغ مجمل إنفاقها العسكري حوالي ٥٠% من الإنفاق العسكري لكافة دول العالم الـ(۱۸۹)، مع ذلك أطروحة القوة لا يمكنها تفسير الظاهرة الأمريكية الراهنة وربما نجد منظورًا آخر يقترب منها أكثر من خلال الغوص الفلسفي في العقل الأمريكي. وفي محاولة بهذا الاتجاه يشير ميشال بوغنون موردان في كتابه، أمريكا التوتاليتارية، الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟ مفسرًا ظاهرة التعجرف الإمبراطوري الأمريكي بإرجاعها للعقيدة الكالفينية المسيطرة على الذهنية الأمريكية والتي مفادها «لئن كان الله قد سمح بأن يجتمع في أرض أمريكا شعب من رجال ونساء مميزين، فذلك لأنه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم».

 الترجمة السياسية لهذه العقيدة أن مصلحة العالم هو ما تراه أمريكا وبالتالي هنالك تساوق بين المصلحة الأمريكية والعالمية وفرانكلين يشير إلى ذلك بوضوح إذ يقول إن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، المؤسسات والعادات والمبادئ الأمريكية جاهزة للتطبيق في كل مكان.

خطأ المسار

بريجنسكي بعقليته الاستراتيجية الاستشرافية يدرك خطأ هذا المسار الأمريكي المؤدي كما يقول إلى ذهنية وحالة الحصار، ويشير بذكاء إلى تقدم التواصل العالمي عبر التقنية المعاصرة التي بأدواتها يمكن استهداف قلب الإمبراطورية وبالتالي ستضطر إلى العيش في مناخ مشحون بانعدام الأمن كحالة مزمنة، وبريجنسكي محق في ذلك وأقرب إشارة تؤكد هذا الاستخلاص عندما هرب إمبراطور واشنطن من ذبابة إلكترونية جسدتها طائرة اقتربت من حمى البيت الأبيض، بل إن أسطح المباني في الولايات المتحدة ولأول مرة تعج الآن بمئات الرجال من حملة الصواريخ التي تحمل على الكتف في تحسب لهجوم جوي على مرافق حكومية على نسق أحداث ١١ سبتمبر. 

أمريكا بسلوكها الإمبراطوري الفج وخاصة في المشرق العربي والإسلامي، المتمثل بالتعدي على المقدس والمحاولات الاعتباطية، لإعادة إنتاج الهوية والسماح لاستخباراتها بالتعدي على أعراض المسلمات في أقبية أبو غريب، إنما تقوم بشحن للبطارية الدينية للجسم الإسلامي وتدفعه للمواجهة، وفي لحظة ما لن تجدي كافة الوصفات الوهمية التي تنتجها صيدلية السياسة الأمريكية. 

الرابط المختصر :