العنوان حتى لا يكون «درع الجزيرة» قابلًا للاختراق
الكاتب حمد الجاسر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 85
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مناورات «درع الجزيرة» تجسيد لمبدأ «أمن الخليج مسؤولية أبنائه».
يجب أن تعيد دول الخليج النظر في سياسة التسليح فيها وتتجنب الاعتماد على مصادر محدودة
أمن الخليج لا يتحقق بالاعتماد على الأجنبي أو عقد التحالفات معه
مناورات درع الخليج.. «إذا أردت السلام فاستعد للحرب»
على دول الخليج جميعًا اعتماد نظام الخدمة العسكرية لرفد قواتها المسلحة بالرجال
«إذا أردت السلام فاستعد للحرب»، لعل هذه الحكمة الشهيرة كانت الدافع لدول مجلس التعاون لإجراء مناوراتها العسكرية الأولى من نوعها، والمسماة بـ «درع الجزيرة» والتي تقام هذه الأيام في دولة الإمارات العربية.
وحسب ما ورد في التصريحات الرسمية فإن وحدات عسكرية برية متفاوتة الأحجام والتسليح، من سائر دول مجلس التعاون سوف تنخرط في هذه العمليات التدريبية، والتي تجرى بالذخيرة الحية، ويراد منها -كما قيل- اختبار الأداء القتالي لجيوش مجلس التعاون، وصقل هذه القوات وإكسابها الخبرة القتالية التي تفتقر إليها.
والحقيقة أن مثل هذه الخطوة كنا ننتظر أن تتم منذ زمن بعيد، فالشعار الذي رفعته دول مجلس التعاون- والذي ينص على أن أمن الخليج هو مسؤولية دوله- إن هذا الشعار لن يأخذ مكانه إلا عندما تمتلك هذه الدول وسائل الأمن الذاتي، وبشكل خاص وسائل الأمن العسكري.
على أن الأمن العسكري قضية تدخل فيها عناصر عديدة، تعمل متعاضدة على تحقيق هذا المفهوم على أرض الواقع، فالسلاح هو أحد عناصر الأمن العسكري الأساسية، وإذا نظرنا إلى سياسة دول الخليج في الحصول على السلاح، نلاحظ بأن معظمها يعتمد على السلاح الغربي -الأمريكي خاصة- اعتمادًا كليًا في إمداد قواتها المسلحة بالعتاد، وعلى سبيل المثال فإن السلاح الجوي لدولة خليجية رئيسية يكاد يكون بالكامل أمريكيًا، والسلاح المدرع لدولة أخرى مهمة يعتمد على السلاح البريطاني بنسبة ١٠٠% ، ودول مجلس التعاون الأخرى تضم حالات مشابهة من الاعتماد الكلي على دولة ما من الدول الغربية، في تموين القوات المسلحة بالمعدات اللازمة لها.
إن خطورة هذا الأمر تبرز في الحالة التي تكون فيها مصالح تلك الدول متضاربة مع مصلحة أمن الخليج، لأن الجيش المعتمد على سلاح دول ما، تظل قدرته على استخدام هذا السلاح مرتبطة بإمدادت الذخيرة وقطع الغيار اللازمة من تلك الدول الصانعة للسلاح، فإذا سخط البيت الأبيض على أهل الخليج لاتخاذهم موقفًا سياسيًا لا يخدم المصلحة الأمريكية، فإن سماء تلك الدولة الخليجية المعتمدة على الطائرات الأمريكية «فائقة التطور» سوف تكون مفتوحة أمام الأعداء، وللقارئ أن يتخيل المعضلة التي ستقع فيها دول الخليج حين تقرر- في وقت المحنة- استخدام قواتها العسكرية التي بذلت في إعدادها المال والجهد، فتفاجأ بأن الأكداس الضخمة من معداتها العسكرية تجثم على الأرض دون حراك، لأن الدول التي صنعت هذا السلاح قد قررت فجأة ألا يكون في الخليج أمن!!
إن رد دول الخليج على هذا الخطر يجب أن يتم في اتجاهين، فيجب أولًا أن تتبع دول الخليج سياسة تنويع مصادر الأسلحة- حتى تتفادى أو تخفف من خطر الحظر العسكري للذخيرة وقطع الغيار، والشيء الآخر الأكثر أهمية أن تبدأ هذه الدول بإنشاء صناعة عسكرية محلية تقوم بتأمين العتاد العسكري الأساسي لجيوش دول المنطقة، وقد تبدو صناعة السلاح محليًا أمرًا صعب التنفيذ، ولكن الحاجة الملحة إلى هذه الصناعة وتوافر الإمكانات المالية لذلك يشجع على المضي في هذا السبيل، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.. كما يقولون.
إن القوة البشرية المقاتلة هي أيضًا عنصر مهم في الأمن العسكري، ودول مجلس التعاون تحس فعلًا بأهمية هذا العنصر، عندما تعاني قواتها المسلحة من النقص الشديد في العنصر البشري، المؤهل لاستخدام السلاح الحديث، ولكن الخطط الطموحة لبعض الدول الخليجية في بناء قواتها المسلحة بشكل سريع، كرست هذا الضعف في العنصر البشري، ثم اضطرت للاعتماد على الأجانب.
وإذا نظرنا إلى الخبراء العسكريين الأجانب العاملين في الخليج، وجدنا أن جنسياتهم لا تتعدى الثلاثي الغربي «أمريكا- بريطانيا- فرنسا» وهي الدول التي تقوم حاليًا بتشكيل قوات التدخل السريع التي يزمع استخدامها في منطقة الخليج، ولغاية لا يعلمها إلا الله، والذي يثير المخاوف بصورة أكبر أن بعض أولئك «الخبراء» يتعدى دورهم الشؤون التدريبية أو مهام صيانة السلاح إلى الأعمال الاستشارية، على مستوى التنظيم والقيادة ووضع الخطط العسكرية.
وتتعاظم المخاوف أكثر حين تقوم بعض الدول بتوكيل دول أجنبية للقيام بمهام عسكرية رئيسية خاصة بتلك الدول، كوظيفة الدفاع الجوي والإنذار المبكر لحماية المنشآت النفطية، وتصل المخاوف أشدها حين تقوم بعض الدول باستضافة قوات الدول الأجنبية، لتباشر تلك الدول تدريب قواتها للتدخل السريع بدعوى رفع المقدرة القتالية لتلك الدولة.
إن مواجهة دول الخليج لمشكلة العنصر البشري لا يجب أن تتم بالاعتماد على العنصر الأجنبي، وذلك للخطورة الشديدة لهذا الاعتماد.. إن على هذه الدول بذل المزيد من الجهود من أجل تخريج الكفاءات العسكرية من أبنائها، وإذا ما احتاجت إلى كفاءات غير متوفرة محليًا فإن بوسعها الاعتماد على الدول العربية والإسلامية التي لها تاريخ أعرق في العمل العسكري، والتي تضم -ولاشك- كفاءات كبيرة غير مستغلة، إضافة إلى ذلك يجب أن تبادر دول الخليج إلى اعتماد نظام الخدمة العسكرية، لأن ذلك سيدعم قواتها المسلحة برافد كبير من القوة البشرية المقاتلة.
إن لجوء دول الخليج إلى تغطية الضعف في قدراتها الدفاعية عن طريق الارتماء في أحضان الأجنبي، وعقد التحالفات معه وتسهيل بناء قواعده في منطقتنا، سيكون هو الكارثة بحق، لأن هذا الأجنبي يمثل الخطر الأكثر احتمالًا على أمن الخليج، ولا تزال تصريحات هذا الأجنبي تصدر بين وآخر معلنة -وبكل وقاحة- أن منطقتنا وبلادنا هي منطقة نفوذ له، وأن له الأحقية في حشد الجيوش من أجل استخدامها على أرضنا لحماية مصالحه الاستراتيجية.
ولكننا نأمل ألا يكون للخليج مثل هذا المصير، ونعتقد بأن دول مجلس التعاون لها من الحكمة ما يحفظها من الوقوع في مؤامرات الأجانب، وأنها ستسعى- بإذن الله- إلى تطبيق شعارها الذي رفعته بأن أمن الخليج مسؤولية أبنائه، وما رجالنا وأبناؤنا الذي يمارسون تدريباتهم القتالية الآن على أرض الإمارات العربية إلا دليلًا على ذلك..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل