العنوان حج البيت.. رحلة إيمانية لتصحيح المسار وتطهير النفوس .
الكاتب محمد مصطفى نصيف
تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1535
نشر في الصفحة 56
السبت 18-يناير-2003
التلبية نزوع بالنفس من عالم الظلم والطغيان إلى عالم العدل والإحسان.. وذبح الهدي إراقة لدم الرذيلة.. ورمي الجمرات رمز لمقت الشر وطرد لوساوس الشيطان.
تطل على الأمة الإسلامية حالياً أيام صفاء.. تحمل نسمات رقيقة.. ترف حول قلوب المسلمين مضاءة بظلل إيمانية تغمر قلوب من استجابوا لنداء الله تأدية لمناسك الحج المفروضة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ﴾ (آل عمران: ۹۷)، في اجتماع إيماني فريد يجلببهم رداء ناصع واحد.. تلهج ألسنتهم بنداء واحد.. يقفون على مكان واحد.... يلبون رباً واحداً أحداً.
فالحج... تصحيح المسار إلى الله المتفضل على هذه الأمة الإسلامية أن جعل لها نوافذ لتطهير النفوس، وتزكيتها حتى تنال رضاه سبحانه.. ومن أوسع هذه النوافذ الحج المبرور.
والحج.. رحلة إيمانية قوامها الاستطاعة جسدية ومالية وزادها التقوى بأن يبدأ الحاج طاهراً ظاهراً وباطناً. ثم يستمر على ذلك.
والحج... اجتماع روحي تلتقي به الأرواح قبل الأجساد عند غاية واحدة... والعمل لهدف واحد وهو رضا الله لتحقيق حكمته في خلقه.
والحج.. أحاسيس ومشاعر تفرزها الروح مع صلة وثيقة مرتبطة بالمكان، حيث المناسك التي حدد معالمها هادي البشرية.
الحج.. عبادة جماعية ميزت ديننا ونبينا حيث لم يشرع لمجرد طواف المسلم منفرداً ببدنه حول بيت الله ومشاهدة المقدسات فقط بل ليكون السبيل لجمع المتفرق، ولم المشتت، وتلاقي الآراء ليعود المجتمعون وقد حملوا مسؤولياتهم المشتركة وأخذ كل منهم نصيبه منها.. يعمل مع إخوانه المسلمين على تحقيقها والقيام بواجبها ليتكون بعدها من جميعهم أمة واحدة أعلى الله شأنها ورفع ذكرها، باختيار الله لهذا الاجتماع الإيماني، ولتلك الرحلة الربانية الكريمة وأماكن الذكريات ومهابط الرحمة الإيمانية الإلهية لرسم طريق وحدة أمتنا وتوحدها بعبودية واحدة ترتفع عن الزمان والمكان والأشخاص متصلاً حاضرها ومستقبلها بماضيها المضيء.
ويصبح شعارهم الدائم، وكلمتهم الصاعدة هذا النشيد الإلهي الذي يعبرون به عن فقرهم أمام الله وشعورهم بعظمته ونعمته وملكه وسلطانه:
«لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك».
يصحب هذا الشعار الحاج في جميع مراحله، والتلبية في حقيقتها هي النزوع بالنفس من عالم الظلم والطغيان إلى عالم العدل والإحسان، يسجل بها المؤمن على نفسه في جميع أوقاته معاني الخضوع والاستجابة لنداء مولاه، والاعتراف بوحدانيته... وأحديته في الملك والسلطان.... والفضل والإنعام.... والتدبير والتصرف، ويقر أنه الواقف ببابه... الملبي لأوامره... المسارع لإجابته.. المقسم على عهده.
﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
وبهذا يرجع من شذ عن غفلة إلى دين الله.. لا يعبد سواه، ولا يلبي غيره.. تنطلق بها الحناجر وأصوات الملايين المؤمنة، فتصل ما بينهم وبين السماء، وهذه التلبية شعار الإيمان، جعلت عنوانًا خاصاً بالحج لتفرده بمزايا لا توجد في غيره.
والحج... محاولة فك أغلال غليظة... قيدت الروح والجسد وحرمتهما من الانطلاق.. وإذا كانت مناسك الحج وأفعاله فيما يعرفه العامة من الناس: هي إحرام وتجرد من المخيط، وطواف وسعي، ووقوف بعرفة، ومبيت بمنى والمزدلفة وذبح هدي... إلا أنها في حقيقتها تصور معاني كامنة، وأبعاداً وخلفيات روحية، إنها خروج هذا العقل- إحدى المعجزات الإلهية في الإنسان- عن حدود المادة، وأن يعي أكثر مما يرى ويلمس... إنه بحاجة أن يسكب ضياء الإيمان على هذه الروح فيوقظها على عالم آخر لا يصل إليه العقل.
فالإحرام والتجرد من المخيط: ليس خلع المخيط ولبس الثياب البيض فقط بل لبس البياض من هذه الثياب ليمازج معها بياض القلوب والألباب، مع التجرد من شهوات النفس والهوى وحبسها عما سوى الله، وكذلك التجرد من الطبقية للتوحد والمساواة.
والكعبة المشرفة: ليست ذلك البناء الذي يمكن بناؤه، وأستارها السود ليست نسيجاً مطرزاً بخيوط الذهب ينتجها مصنع كسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة وتزينها أيدي عمال التزيين المختصين، لكنها لوحة فنية رائعة حفرت معانيها في الذاكرة، ووشمت على القلب... فمنها ترتقي الروح إلى بارئها لتسبح في آيات عظمته وجلاله.. مستجيبة لأوامره منتهية عن نواهيه فما يكاد يصل ضيف الرحمن إلى الكعبة المشرفة حتى يرسم بجسده حدوداً بين مرحلتين، فقد جلب أوزاره معه ليتركها بجوار الباب مع حذائه وليطوي صفحة الأمس، مستشعراً أن مخلص حياته هو تلك الخطوات وكيف يجب أن تكون.. في ضوء منهج عقدي ارتضاه الله ورسوله.
والطواف حول الكعبة المشرفة: ليس بترديد كلمات خلف المطوف بصوت جهوري كأسطوانة قديمة ضاع فيها الحس والشعور... على تلميذ يتلو صفحة حفظها من كتاب القراءة الرشيدة، كما أنها لا تعني هذه الحركة الجسمانية التي يزاحم بها الحاج أخاه، لكنها تعني التفاف القلوب ودورانها حول قدسية الله بكلمات وأدعية علمنا إياها معلم الإنسانية تبثها من أعماق روحك، تظهر فيها خضوعك.... راجياً فيها حاجتك من خالقك الذي لا يستطيع قضاءها سواه سبحانه وألا تجعل بينك وبينه حاجزاً وفاصلاً.. فهو وحده القريب السميع المجيب.
والسعي بين الصفا والمروة: لا يعني قطع هذه المسافة ماشياً أو مجرد الهرولة بين الميلين الأخضرين وإنما التردد بين علمي الرحمة استمطاراً لها والتماساً للمغفرة والرضوان.
والوقوف بعرفة: لا يعني مجرد الإقامة عشية أو نهاراً وسط هذا الوادي اللافحة شمسه... إنما يعني بذل المهج في الضراعة بقلوب مملوءة بالخشية.. وأياد مرفوعة بالرجاء... وألسنة مشغولة بالدعاء... وآمال صادقة في أرحم الراحمين.
ورمي الجمرات: ليس إلا رمزاً صادقاً يعبر عن مقت الشر، واحتقار نزعات الأنفس الأمارة بالسوء، وطرد وساوس الشيطان الرجيم، وهو رمز مادي يصور به المؤمن صدق عزيمته في طرد الهوى المفسد للأفراد والجماعات.. بعدما أصبحنا في عصر يرجم فيه الأشقياء طهارة الأتقياء.
وذبح الهدي: هو الخاتمة في درج الترقي إلى مكانة الطهر والصفاء لأنه في حقيقته إراقة لدم الرذيلة بيد اشتد ساعدها في بناء الفضيلة وبقلب امتلأ إيماناً بالتضحية على مشهد من جند الله الأبرار الأطهار.
فهل استقر في قلوبنا بعض هذه الدروس والعبر في هذا المؤتمر الإسلامي السنوي... الذي تجتمع فيه القلوب قبل الأجساد؟!.
«اللهم ها هم ضيوفك بين يديك وفدوا إليك شعثاً غبراً.. قد وقفوا وقوف الراجين... ونفروا نفور المؤملين.. وباتوا مبيت الخاشعين.. وضحوا تضحية الشاكرين ورموا رمي المعاهدين وتحللوا تحلل المبتهجين، وطافوا طواف المودعين.. فتقبل منهم ربنا.. فأنت وحدك الغفور البر الرحيم.
لبيك اللهم لبيك
هاني بن عبد الله آل ملحم[*]
خرج المصطفى ﷺ في طليعة يوم طاب هواؤه ورق ماؤه وغرد طيره وأشرق ضياؤه، تصافحه نسمات الصباح وخيوط النور الأولى في رحلة إيمانية عظيمة مركبها الولاء وشعارها الإباء وسناؤها الرجاء ووقودها العطاء، وعمادها طاعة رب الأرض والسماء، خرج ﷺ في موكب الموحدين ونداء الملبين مع المخبتين المخلصين لله رب العالمين، وخرج إلى الناس مبلغاً ومودعاً.. كلمات الشفقة العميقة صدح بها في وصيته الأخيرة.. أين..؟!
هناك.. عند بيت الله المعظم.. ملتقى المؤمنين، وقبلة المسلمين، ما زالت تهفو إليه نفوس الموحدين وتشتاق إليه أفئدة الصادقين.. محفوظ المكان، شامخ الأركان يطاول الزمان.
في ذلك الموقف الذي تنطلق إليه قوافل الملبين يقطعون الفيافي والقفار ويمخرون عباب البحار، لا تسمع إلا هتافاً واحداً لله الواحد القهار (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ذلك الموقف الذي يضم الملايين يحنون إليه كما تحن الحمائم إلى أوكارها.
في ذلك الموقف الذي يقف العباد فيه لله وقد تجمعت أجناسهم، وخشعت قلوبهم، ولبت بالذكر ألسنتهم، وتجردت ثيابهم من كل زينة إلا ثوباً يواري عوراتهم.
في ذلك الموقف العظيم الذي لو تجمعت الدنيا مهما بلغت أهدافها لن تبلغ سمو هذا الاجتماع المترابط المتآخي الذي توحدت فيه الأهداف والآمال وتنوعت فيه القربات والأعمال.
في تلك البقعة التي تصفو فيها النفوس من آفاتها لاستشعارها القرب من ربها، طائفة حول البيت بأجسادها وأفئدتها ملتزمة بالآداب مراعية السنة والصواب ليقول عليه الصلاة والسلام:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي» (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد).
«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» (رواه الشيخان).
«كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل على العربي على أعجمي إلا بالتقوى» (رواه أحمد). «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (متفق عليه).
كلمات بليغات وأحرف نيرات وتوجيهات واضحات رسمت جميع العلاقات البشرية إنسانية واجتماعية وسياسية، مركزة على ظروف التجمع وطبيعة المكان ووظيفته.. لماذا؟ من أجل حرصه على رفعة البشرية ووحدة الصف والكلمة لتبلغ مدارج العز والكرامة، ولهذا فإن للحج آثاراً عظيمة ومنافع كبيرة على المسلم من أهمها:
1- استشعار العبودية والانقياد لرب العباد سبحانه بنداء الإخلاص والتوحيد تصديقاً لقول الله عز وجل:
﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِ﴾ (الحج: ۳۱) وقوله تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام ﴿إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (الأنعام: 79) وجميل هو قول الإمام أحمد رحمه الله:
ومما زادني شرفاً وتيها
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبيا
2- التربية على الأخلاق.. من خلال التأدب في ميادين التعامل مع الناس فلا يجادل ولا يرفث ولا يفسق ولقد سئل رسول الله ﷺ عن الحج المبرور فقال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» (رواه أحمد والطبراني).
3- درس في الموت.. إذ يرتدي الحجيج ما يشبه ثياب الموت ليستشعروا في موقفهم يوم المحشر الذي تدنو فيه الشمس من الرؤوس، لا طعام ولا شراب ولا ظل ولا جلوس.. كل هذا من أجل أن يعزم المسلم بعد رحلته الإيمانية على التغيير في حياته وليكون زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة ليرجع كيوم ولدته أمه.
[*] عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فيصل- الأحساء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل