; قراءة في مشروع علي عزت بيجوفيتش الفكري ..حديث الريف والمدينة | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في مشروع علي عزت بيجوفيتش الفكري ..حديث الريف والمدينة

الكاتب عبدالباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 54

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 46

السبت 18-ديسمبر-2010

لم يكن علي عزت بيجوفيتش عالم ،إجتماع، ولكن كان بإمكانه أن يتبوأ مقعد الأستاذية في مختلف مدارسهم، والطروحات وليست الإنطباعات الشخصية هي ما أملت هذه الحقيقة، وعندما يتحدث «بيجوفيتش» عن الريف والمدينة، والعمل والعمال، لا يتبنى وجهة نظر معينة ويدافع عنها، وإنما يطرح مختلف الآراء ثم يناقشها ليصل إلى النتيجة التي لا يجد المتابع بدًا من الإعتراف بها.

عندما يتحدث، بيجوفيتش عن العمل والعمال لا يتبنى وجهة نظر معينة.. وإنما يطرح مختلف الآراء ثم يناقشها ليصل إلى النتيجة التي لا يجد المتابع بدا من الاعتراف بها.

يؤكد أن الطبقة العمالية تعتبر نموذجًا للجماعة المستغلة التي يمكن مداهنتها والإشادة بها ولكن يندر إستشارتها أو إتباع رأيها.

هذه هي- إذن مدرسة علي عزت بيجوفيتش، التي تناضل من أجل الحرية في المعرفة، والحرية في أبعادها المتعددة والمعرفة المؤسسة على الحقائق الموضوعية، لا الإنطباعات والأفكار المسبقة والأيديولوجية.

الريف والمدينة

تحدث علي عزت بيجوفيتش عن الروح والمادة، عن الرأسمالية والاشتراكية، عن الحضارة والثقافة عن الصناعة والفن وعن كل الثنائيات والتماثلات والتناقضات وتحدث عن الريف والمدينة، فيقول: «يتحدث الشعراء عن جحيم المدن الكبرى، بينما الماركسيون يتحدثون عن الحياة الغبية للريف ویرى علي عزت أن الشعور بكراهية المدينة هو رد فعل إنساني خالص» فكل إنسان هو شاعر بمعنى من المعاني، هو كذلك اليوم كما كان من قبل، ويأتي الاحتجاج ضد المدينة وضد الحياة الحضرية من الدين والثقافة والفن، وذكر أمثلة من ذلك: «كانت روما عند المسيحيين الأوائل هي مملكة الشيطان التي يفترض أن تتبعها نهاية العالم، يوم القيامة».

 وعندما يتحدث علي عزت بيجوفيتش عن تدني نسبة التدين في المدن الكبرى، فإنه لا يقر قانونًا وإنما يتحدث عن واقع في الغرب أريد له أن يكون كذلك، لا سيما بعد تحالف الكنيسة مع الإقطاع وتعارضها مع أفكار عصر الأنوار الا في أوروبا، وتورطها في اضطهاد العلماء- جاليليو» نموذجًا- وعندما سقط العالم القديم بكنيسته وملوك الحق الإلهي فيه وإقطاعييه حصل ما حصل، وكان يمكن للمدينة أن تكون خلاف ذلك، ومن ذلك ندرك تسمية النبي لأول مدينة إسلامية باسم «المدينة المنورة» يقول علي عزت: «تقل نسبة التدين تبعا لحجم المدينة، ويرجع هذا إلى تركيز العوامل الحضارية التي تساعد على عزلة الإنسان، فكلما اتسعت المدينة قلت الطبيعة والسماء فوقها، فهناك دخان أكثر وجدران من الأسمنت المسلح وتكنولوجيا وجريمة.

ويضيف: «بالنسبة لحجم المدينة هناك علاقة عكسية بالتدين وعلاقة طردية بالجريمة» ويذكر إحصاءات عن نسبة المترددين على أماكن العبادة في الغرب فهاتان الظاهرتان لهما أسباب مشتركة من حيث إنهما مرتبطتان بما يسمى الجمال الواقع في مجال الخبرة.

العوامل الطبيعية

يكشف علي عزت أن إنسان الريف يختلف من مكان إلى آخر، فالعوامل الطبيعية لها تأثير على الإنسان لا سيما المشاعر والأحاسيس، فسكان الصحاري والجبال والغابات، والمناطق المتجمدة والحقول والمروج الخضراء.. لديهم خصائص مميزة عن بعضهم بعضًا، رغم أنهم من الريف، إنسان القرية لديه فرصة أكبر لكي يشاهد السماء المزينة بالنجوم والحقول الخضراء والزهور والأنهار والنباتات والحيوانات، فهو يعيش متصلًا بالطبيعة وعناصرها المتنوعة.

 ويواصل قائلًا: يقدم له الفلكلور الفني وطقوس الزواج والأغاني الشعبية والرقصات.. نوعا من الثقافة والخبرة الجمالية ليست معروفة لإنسان المدينة، أما الإنسان الحضري، فإنه يعيش في إطار مدينة كبيرة تغص بالمعارف السلبية لوسائل الإعلام الجماهيرية، ومحاطة بأشياء قبيحة من المنتجات الصناعية.

ويتساءل: أليس الإحساس بإيقاع الطبيعة الذي تملكه الشعوب البدائية قد ذبل تقريبا عند الإنسان الحديث؟ ومن أكبر الأخطاء في عصرنا شيوع فكرة أن ساكن الحضر لديه فرص أكثر الممارسة الخبرة الفنية والجمالية كأنما الحفلات الموسيقية والمتاحف والمعارض التي يتردد عليها نسبة ضئيلة جدًا من سكان المدينة يمكن أن تكون تعويضًا عن النشوة الجمالية التي قد تكون لا شعورية ولكنها قوية عند إنسان القرية، الذي يستمتع بمشاهدة المنظر الرائع لشروق الشمس وليقظة الحياة بعد إنتهاء فصل الشتاء.

ويتابع: إن غالبية سكان المدن يمارسون أقوى مشاعر الإثارة في مباراة حامية لكرة القدم أو الملاكمة، وإجمالًا نقول: إن إنسان القرية حي وأصيل، أما العامل الصناعي الحضري فهو «آلي وميت».

ويؤكد علي عزت: «هنا فقط في إطار المناخ الروحي المختلف والخبرات المختلفة وليس في إطار الظروف المعيشية المختلفة والمستويات التعليمية المختلفة، ينبغي لنا أن نسأل عن تفسير لتدين إنسان القرية، وقلة التدين عند العامل الصناعي الحضري» إن الدين ينتمي إلى الحياة والفن والثقافة، كما ينتمي إلى التنظيم والعلم والحضارة ولكن غالبًا ما يتم وضع العلم مقابل الدين في الغرب، فيتم تصنيفه في خانة الفن والثقافة بينما يزعمون للإلحاد مثلًا أنه في ركب التنظيم والعلم والحضارة، بمعنى الجانب المادي من الحياة فقط« ولا يعني التماثل أو الشرطية مع ذلك، أو لذلك المنجز». 

الحضارة الخالصة

يشير علي عزت بيجوفيتش إلى أن الطبقة العاملة نشأت مع ظهور المصانع، أو الطبقة البرجوازية في حين أن الإقطاع استحوذ على الريف، وبالتالي زادت معاناة سكان المدن الأن الطبقة العاملة هي نتاج المدينة، فقد عانت على الأغلب من التأثير السلبي لما يسمى بالحضارة الخالصة، أي الحضارة التي تخلو من الثقافة، وكغيره ممن تحدثوا في هذا الحقل بأساليب مختلفة ووصلوا إلى نتيجة واحدة هي: إن المصنع ينهك الشخصية ويستبد بها.

وينقل عن أحد علماء الاجتماع قوله: «إن العمال، وقد خضعوا لنظام صارم ينقلون عاداتهم التي اكتسبوها في عملية الإنتاج إلى تنظيماتهم العمالية» فهم يتخلون عن قوتهم إلى البيروقراطية التي نشأت تلقائيًا والتي تلعب دورًا محافظًا سواء في الدول الرأسمالية أو الدول الاشتراكية.

وأردف قائلًا: «لقد كشف هربت ماركيوز أن العمال في دولة رأسمالية متقدمة» حيث يكون تأثير التكنولوجيا والمصانع على أشده لم يعودوا قوة ثورية وأن الطبقة العمالية تعتبر نموذجا للجماعة المستغلة يُتلاعب بها ويمكن مداهنتها والإشادة بها، ولكن يندر استشارتها أو إتباع رأيها، وحتى يحافظ على حيادية تحليله، يؤكد علي عزت أن أكبر طبقتين عماليتين في العالم، تلك التي في الولايات المتحدة والتي كانت في الاتحاد السوفيتي سابقًا، ليس لهما تأثير حقيقي على البناء السياسي في دولتيهما، ولا على القرارات التي تتخذ فيهما، ويستنتج بيجوفيتش من ذلك ويعتبرها نتائج ثانوية رغم أهميتها إحدى النتائج الثانوية لهذا الوضع إلى جانب الانسلاخ من الدين هو فقر الفكر أو العقل النظري في حركة الطبقة العاملة، وهي حقيقة اعترف بها الكتاب الشيوعيون أمثال: «حوزرز»، و«جارودي»، «قبل إعلان إسلامه»، و«باسو» و« ماللي».

كما ينقل عن الكاتب الماركسي الشهير «لوكاكس» قوله: «بعد ماركس لن يساهم أحد عدا لينين أي مساهمة نظرية في مشكلات التطور الرأسمالي، فلما انعطف نظره إلى الفترة الستالينية في الاتحاد السوفيتي قرر «لوكاكس أن كل فكر حر قد أحمد، واعتبرت بعض الآراء الشخصية قوانين نظرية ونشأ جيل بأكمله في هذا المناخ الذي تدهور فيه الحس النظري.

ويمضي قائلًا: « في الحقيقة لا نجد بعد ماركس الذي لم ينشأ في طبقة عمالية وإنما في الطبقة المتوسطة أي فكرة أصيلة ذات قيمة صدرت عن طبقة عمالية».

النظام الرأسمالي

ولم يغفل علي عزت وهو يتحدث عن العمل والعمال الإشارة إلى مشكلات النظام الرأسمالي، ورغم تفضيله لهذا النظام إلا أنه وجه له انتقادات قاسية، لا يتسع لها المقام ويقول: «الإضرابات التي تهز الاقتصاد الرأسمالي عادة ما تحمل طابعًا اقتصاديًا، وتنتهي في صيغة تسوية ترفع بمقتضاها أجور العمال، وحيث إن عملية النمو الاقتصادي لم يتبعها تدهور في أوضاع الطبقة العاملة كما تنبأ «ماركس، فقد وجدت طريقة لترتيب سلام طبقي بدلًا من الحرب الطبقية بين المجموعات المتناقضة في المصلحة في المجتمع.

ويخلص إلى القول: «إن الشكل التقليدي للطبقة العاملة أي طبقة البروليتاريا، المقهورة في المصانع، والتي طبقًا لـ ماركس ستوجد حتى تلغي نفسها، كان شكلًا مؤقتًا، فالآلات تأخذ دور العمل اليدوي وأصبح النشاط الإنساني منصبًا أكثر فأكثر على السيطرة على النظم الآلية الكبرى وإدارتها.

 إن تطور العلم والتكنولوجيا وتطور وسائل الإنتاج وفق بيجوفيتش لم يؤد إلى قوة الطبقة العاملة ولكن إلى تدهورها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل