; حراك تيماء.. دلالات صعوده ومآلات صموده | مجلة المجتمع

العنوان حراك تيماء.. دلالات صعوده ومآلات صموده

الكاتب د. سامي محمد العدواني

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 81

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 8

الجمعة 18-مايو-2012

ما يتطلع إليه الحراك أبسط بكثير مما يتطلع إليه إخوانهم العرب

مطالبهم في مجملها منطقية وعادلة وقابلة للوصول إلى علاجات جذرية وفق برامج زمنية تنزع فتيل الاحتقان

الكويت ملاذ الحائرين ومحضن النابغين وإرث الأخيار الطيبين استظلها من هجير الحرمان أفواج لا تعد ولا تحصى فاستوعبتهم بخيرها وحنانها

استنزاف مجتمعنا الصغير بقضية تجعله في وجه العاصفة الدولية وفي وخز دائم لضميرنا تكاليف باهظة لا قبل لنا بها

منذ أكثر من عام مضى، ومن ساعة بدء انطلاقة شرارة الحراك الحقوقي في منطقة «تيماء»، شمالي الكويت العاصمة، تحديدًا في فبراير 2011م، طرحت على مجموعة من الناشطين والمهتمين في الشأن العام تقديرًا للموقف السياسي حينها كان «مفاده حراك تيماء.. حقيقي وسيستمر»..

وكان مجمل من حاورني رأى أنها إفراز للواقع السياسي المتأزم حينها على خلفية الصراع بين الموالاة والمعارضة في حكومة الشيخ ناصر المحمد رئيس الوزراء السابق وتضخم ملف التحويلات البنكية والإيداعات المليونية التي اتهم فيها ربع أعضاء البرلمان وما أعقب ذلك من تداعيات ساهمت في إحداث حراك سياسي وشعبي تمخض عن تقديم الحكومة استقالتها، وفي الدعوة لانتخابات برلمانية أفرزت مجلسًا جديدًا بحكومة يرأسها الشيخ «جابر المبارك» يتمتع بأغلبية برلمانية مريحة على شبه وفاق معها.

لعل السؤال الذي يتبادر لذهن القارئ عن الاعتبارات التي فرضت هذا التقدير والذي أكدته الأحداث تباعًا حتى آخر اعتصام تم في «تيماء» في الأول من مايو 2012م.

كان منطلقي في جدية الحراك خارجًا عن سباق الصراع المحتدم بين أقطاب المولاة والمعارضة، يقرأ في التفاصيل الأعمق لهذا الحراك وفرضيات استمراره، وقد وجدت مع مزيد من البحث والتأمل الآتي:

1- عدالة القضية:

 أحد الباحثين الأكاديميين ناقشته في قضايا تتصدر عناوين الصحف المحلية فكان من تعليقاته اللافتة: «ليس لدينا في الكويت ما يستحق أن نطلق عليه قضية مثل «حراك تيماء».. أغلب ما نعتقده قضايا عبارة عن هامشيات التناطح فيها على تحسينات الحياة وكمالياتها، أما «حراك تيماء» يمثل قضية محورية متعلقة بمصائر بشر ولها قاعدة جماهيرية متنوعة..»، وحكى لي ما يراه مبررًا لتشكل لب القضايا المحورية في الكويت، ولها تأثير استراتيجي واجتماعي يرى في التعامل الساذج والسطحي معها تهميشًا يلقي بظلاله على كافة تفاصيل المجتمع.

وعندما نتحدث عن المحورية في عدالة القضية، فإننا نعني بها أخلاقيتها وإنسانيتها وشرعيتها الدستورية والقانونية وعمق مأساتها الاجتماعية، وتبعاتها الحالية والمستقبلية.

في الساحة الوطنية الكويتية إجماع على الحاجة لـ «أنسنة» القضية بإضفاء إنساني عليها بعد أن ظلت طوال العقدين الماضيين تراوح في أروقة الأجهزة الأمنية التي لم تخل من الاستهتار والعبثية بحسب ما يرى المراقبون نتيجة التفسير المغلوط لمفهوم القيود الأمنية، والمعاملة الحاطة من الكرامة الإنسانية، والإنجاز المنعدم سوى في حصر الأعداد وتصنيفها وفقًا للنظرة الموتورة والمتوجسة، والتي تبحث عن الإبرة في كومة قش تثبت بها انعدام حق المواطنة.

وفي الساحة الوطنية إجماع على وجود مستحقين محرومين من حقهم في المواطنة يتفاوت التقدير في أعدادهم، لكن التوافق قائم على وجود مواطنين غالت عليهم السلطة في حرمانهم، ولم تنصفهم إجراءات الحكومات المتعاقبة في إثبات حقهم وتسكين أوضاعهم، وباتت كل لجنة تلد أختها وإن شئت فقل كل لجنة «تلعن» أختها!

2- الوعي والنضج الحقوقي:

خلال العقد الأخير فتحت الجامعات الخاصة، وأمكن دخول عدد من فئات الشباب المحروم من التعليم العالي المنتمين لشريحة الكويتيين «البدون»، وتخففت قيود المنع عن جوازات السفر؛ حيث باتت تمنح لبعض الفئات التي تحتاجه للعلاج أو الدراسة أو تعديل الوضع القانوني، بمعنى استخراج جواز سفر من بلد ما يعيد تسوية الوضع القانوني للمنتمي لهذه الشريحة، في غضون هذا العقد دخلت أفواج من هذه الشريحة إلى التعليم الجامعي بمساهمات تطوعية أو تمويلات شخصية لكنها أفرزت جيلًا بات يعي أكثر من سابقيه لمطالبه الضائعة وراعته هول المأساة وحجم الإعاقات التي تعترض طموحه وبات يتطلع أكثر وأكثر ويراقب شيئا فشيئا، فتولدت كيانات شبابية ناضجة تأهلت وتأصلت مع مرور الوقت لتبدأ حراكها الناعم وحوارها الهادئ؛ بزيارات الشخصيات وحضور المنتديات ولقاءات الديوانيات حتى تبلورت مطالبها ورفعت سقفها، وبدأت تتصاعد وتيرتها على مراحل حتى حانت لحظة المواجهة المعلنة، بعد أن سعت السلطات في مرات عديدة لمنعهم من حضور جلسات البرلمان التي تناقش قضيتهم والاحتشاد في ساحة الإرادة التي أعلنت الأجهزة الأمنية تخصيصها للتعبير الحر الآمن عن المطالب والآراء.

هذا النضج تبدى من خطاب لافت بات يتقن مفرداته عدد من الوجوه التي تنامى حضورها الإعلامي من شباب هذه الشريحة، وتمكنت من الرد على خطابات الأجهزة الأمنية التي تحول دون مضيهم في حراكهم بمنطق الحجة وسلطان البرهان؛ فبات الشارع يسمع صوتًا جديدًا بعد أن كان التلقي يصل من اتجاه واحد، ومع تراكم هذا الحضور في القنوات الفضائية وعبر المنابر الصحفية والإعلام الجديد، تسنى رفع درجة الوعي لدى شريحة واسعة من المواطنين وإخوانهم المتضررين.

3- روح الإعلام الجديد:

أحد أبرز ملامح الجدية في «حراك تيماء» واستمراره، وجود أداة التواصل الأولى بين النشطاء والمجاميع العاملة للقضية، «السوشيال ميديا» شكّل حالة نضالية بسقف التعبير المرتفع، وبات أداة للتنسيق وترشيد الأفكار وتهذيب المواقف وغدا منبرًا تستقى منه الرواية الأخرى الخالية من تهويل الإعلام التقليدي وتهوينه؛ فكان كل اعتصام يعقد أو قرار يتخذ يحدث تفاعلًا صاخيًا ويتحول أحيانًا إلى بكائيات تزيد الحراك وتؤججه، وتربو في مقابله قناعة هذا الجيل بهشاشة القبضة الأمنية وقلة حيلة السلطات أمام منطق مطالبهم خاصة إذا تم التعامل بالعنف والقوة المفرطة.

4- يقظة المجتمع المدني:

لا يمكن لراصد أو متابع لـ«حراك تيماء» إلا أن يتوقف مليًّا عند جهود المجتمع المدني وقواه الحية حين تصدرها أكاديميون ونشطاء حقوق الإنسان ورموز فكرية وشعبية، تلك الجهود التي شكّلت شاهد إثبات بين طرفي الصراع (السلطة والمتضررين)، حيث عمدت إلى الاقتراب تحريًا للحقيقة المغيبة عن سبق إصرار وقصد للتعمية عن تقصير السلطات التنفيذية وعجزها في إنصافهم، كما يعتقد كثير من المراقبين.

هذه اليقظة أوجدت غطاء لـ«حراك تيماء» والناشطين فيه، ومنحتهم القرائن الكافية لتغول السلطات في التعاطي مع القضية وفق سياسة العصى والعصى لا العصى والجزرة وتشكلت مجاميع انبثقت من رحم هذا الحراك عززت من زخمه واستمراره، وليس أدل من تأسيس لجنة متخصصة في الجمعية الكويتية الحقوق الإنسان، وأخرى في جمعية المحامين، وثالثة باسم مجموعة 29 تابعة للجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، ورابعة في بعض التجمعات السياسية بقيادة التيار التقدمي وكتلة العمل الشعبي، بالإضافة للواجهات التقليدية المتمثلة في تجمع الكويتيين «البدون»، ولجنة الكويتيين «البدون»، ومنتدى الفرسان، وآخرين يعبرون عن «حراك تيماء».

5- اللحظة التاريخية:

هناك بعد حاضر لـ«حراك تيماء» له نصيبه الوافر في إذكاء جذوته وتواصله أراها في اللحظة التاريخية التي يعيشها العرب في ربيعهم، فقد بدأت حالات التغيير والتجديد بمطالب اجتماعية وحقوقية لا تقل عما يطالب به نشطاء «حراك تيماء» وإن كانت نهايات الربيع العربي تمثلت في سقوط أنظمة الحكم في بعضها، لكنه أحدث، إصلاحات جادة كما في المغرب والأردن وعمان وقطر، وغيرها من الدول، وما يتطلع إليه «حراك تيماء» أبسط بكثير مما يتطلع إليه إخوانهم العرب؛ فقد قدموا باسمهم وعبر واجهات مختلفة مطالبهم، وحددوا سقفهم، وكانت في مجملها منطقية وعادلة وقابلة للوصول إلى علاجات جذرية.

6- الضاغط الدولي:

عامل ضاغط دخل في «حراك تيماء» تمثل في الرصد الحقوقي العالمي للشأن المحلى وطريقة تعامل السلطة، حيث مثل وجوده عمل تعزيز للحراك بما يرصده ويدونه ويبثه لاحقًا من تقارير ترسم صورة ذهنية صادمة للمجتمع الدولي وفقًا لمعاييره تجاه دولة تمثل المقعد العربي في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف؛ مما كرس حالة التناقض والإحراج عند مناقشة حالة حقوق الإنسان في الكويت إيان كل مراجعة دورية؛ مما شكل عبئًا على الإدارة التنفيذية التي تتعامل مع الملف، وساهم في البحث الجاد عن مخارج وتسويات باتت تتضارب أجنداتها، وتظهر كخطاب مرتبك في وسائل الإعلام.

ختامًا، أقول: إن التاريخ الحافل والواقع الماثل يؤكد أن الحق حتمًا سيعود لصاحبه طال الزمان أم قصر، وإن استنزاف مجتمعنا الصغير بقضية تجعله في وجه العاصفة الدولية وفي وخز دائم لضميرنا الذي يؤرقنا عند كل انعطافة، وبات سبة يلمزنا بها كل ناقد أو حاقد هي تكاليف باهظة لا قبل لنا بها، ونحن أغنى الناس عنها؛ فالكويت تاريخيًا هي ملاذ الحائرين ومحضن النابغين وإرث الأخيار الطيبين، استظلها من هجير الحرمان أفواج لا تعد ولا تحصى فاستوعبتهم بخيرها وحنانها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

108

الثلاثاء 28-يوليو-1970

إلى العمال - العدد 20

نشر في العدد 18

97

الثلاثاء 14-يوليو-1970

من بيان ‎25‏ يونيو ‎1970

نشر في العدد 34

112

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لعقلك وقلبك (34)