العنوان حرب الخليج في منعطف خطير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-فبراير-1986
مشاهدات 129
نشر في العدد 755
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 18-فبراير-1986
مضى على اشتعال الحرب العراقية - الإيرانية ست سنوات حفلت بكل أشكال وأنواع الدمار والقتل، سببت خسارة مادية بلغت أرقامًا فلكية، عدا عن الخسارة غير المنظورة والمعنوية، الأمر الذي جعل الآمال تكبر، مع جهود الوساطة العربية والإسلامية والدولية الكثيفة، بوضع نهاية سلمية للنزاع بين الطرفين.
لكن الطرف الإيراني الذي ظل يرفض الاستجابة لكل الدعوات والوساطات، التي تكفلت بوضع حل شامل وعادل للنزاع الدموي، وبدد مثل هذه الآمال، مساء يوم الأحد من الأسبوع الماضي، حيث شن هجومًا كبيرًا على العراق على قاطعي عمليات الفيلقين الثالث والسابع شمال شرق البصرة وفي شط العرب.
معارك طويلة
وتقول التقديرات إن إيران قد حشدت لهذا الهجوم حوالي «85» ألف مقاتل معظمهم من المتطوعين، ويتلخص سير العمليات العسكرية منذ بدايتها وحتى كتابة هذا المقال بأن الكفة مالت للعراق بشكل واضح في قطاع عمليات الفيلق الثالث حيث تكبدت إیران خسائر مادية وبشرية فادحة، وتراجعت القهقرى حيث تم تحرير جزيرة أم الرصاص ومعظم جزر مجنون، التي كانت إيران قد استولت عليها في مارس 1984.
أما في قطاع عمليات الفيلق السابع في شط العرب والفاو فالمعارك لا تزال دائرة هناك، ويخطط العراقيون لمحاصرة القوات الإيرانية وشقها إلى جزءين لتسهيل عملية المحاصرة والقضاء عليها، والمعارك تدور في منطقة أبو الخصيب حيث تكثر بساتين النخيل، وفي ميناء الفاو وخور عبد الله، ومن المتوقع أن تطول المعارك في هذا القطاع نظرًا لجغرافيتها الطبيعية حيث تحول بساتين النخيل دون فاعلية سلاحي الطيران والمدفعية، كما أن إيران تركز على هذه المنطقة بشكل خاص بهدف الاستيلاء على ميناء أم قصر وطريق العراق - الكويت البري كما أجمعت على ذلك عدة مصادر عراقية وأجنبية، وذهبت بعض التحليلات إلى أن إیران ربما تهدف إلى الاستيلاء على مدينة البصرة لتحرم العراق من إنتاج وتصدير النفط من هذه المنطقة، كما تهدف لحرمان العراق من مزايا طريق الخليج البحري وطريق العراق - الكويت البري، في محاولة لعزل العراق عن واحدة من أهم المناطق الحيوية.
وتقول مصادر عسكرية عراقية ومصادر أميركية طبقاً لصور الأقمار الصناعية إن إيران تحشد قوات كبيرة شمالي مدينة البصرة، وتخطط لعبور نهر دجلة في محاولة لقطع خط الإمدادات من الشمال عن منطقة البصرة وشط العرب.
وقد اتبع الإيرانيون هذه المرة تكتيكًا عسكريًا جديدًا، يعتمد على الهجوم المكثف في أكثر من جبهة وبعمليات متواصلة تتخللها مناورات کشفت المصادر العسكرية العراقية عن مدلولها والإحاطة بها وبمقصودها، وهو محاولة جر معظم القوات العراقية في مكان واحد، هو منطقة الفاو وشط العرب للالتفاف عليها بفعل قوات جديدة ومحاصرتها.
خسائر فادحة
وقد قدر بيان عسكري عراقي الخسائر البشرية في الجانب الإيراني، حتى يوم الخميس الماضي، بحوالي 25 ألفًا بين قتيل وجريح، أما المعدات فقد أعلن العراق إسقاط طائرة فانتوم وسفينة حربية وتسعة زوارق ومعدات وعدد وأسلحة متنوعة كثيرة.
ويبدو من واقع البيانات الإيرانية والتقارير الصحفية الأخيرة أن الخسائر العراقية قليلة مقارنة بالخسائر الإيرانية، وتقول إيران بأنها أسقطت عدة طائرات عراقية، واستولت على ثلاثة قواعد عسكرية في منطقة شط العرب، وتقدر الخسائر البشرية العراقية بحوالي 6 آلاف بين قتيل وجريح، لكن الوفود الصحفية الكويتية التي زارت خطوط القتال تعتقد بأن التقديرات الإيرانية مبالغ فيها بشكل كبير.
والأيام القادمة ستكشف عن حجم المعركة والخسائر التي يبدو حتى للصبي الغافل أنها ستكون مدمرة وفادحة ومجنونة.
وفي جو الاشمئزاز والقرف الذي تثيره صور الحرب من أشلاء الضحايا وأكداس المعدات ونيران القذائف.. والدمار في كل مكان يجدر بكل العقلاء وخاصة في إيران أن يتذكروا جملة حقائق قبل أن يفوت الآوان وتصبح الحياة جهنمًا أحمر والجمر يشوي وجوه الأجيال طوال عقود قادمة.
حقائق
لقد ثبت أن استمرار الحرب المجنونة كان له انعكاسات خطيرة على اقتصاديات الطرفين وعلى الأخص الطرف الإيراني، ففي عام 83 اعترف المسؤولون الإيرانيون أن الحرب كلفتهم حتى ذلك الوقت 136 مليار دولار أي أنها تعادل قيمة الصادرات الإيرانية لمدة 15 عامًا.
وتشير أقل التقديرات إلى أن خسائر إيران البشرية بلغت حتى الآن حوالي 250 ألف قتيل.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار الخسائر غير المباشرة والتي تتمثل في توقف عملية التنمية وقطاعات الإنتاج، وأخيرًا الخسارة الناجمة عن تدهور أسعار النفط التي كان للحرب الأثر الحاسم فيها، تتضح أن خسائر الحرب فادحة جدًا، والذي يفكر في ذلك ويصر مع ذلك على الاستمرار لا بد أن يكون مجنونًا أو موتورًا، وهو على أي حال لا يصلح أن يكون قائدًا لأمة أو شعب من الشعوب.
وثمة حقيقة أخرى ملازمة للحقيقة السابقة، وهي أن المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الحرب هم أعداء الأمة العربية والإسلامية، ولذلك وجدنا وكما جاء في دراسة أعدها معهد بحوث السلام الدولي أن «25» دولة كانت تزود العراق وإيران بالاسلحة بعضها كان يزود الدولتين في آن واحد.
وكتتويج وتكريس لهذه الحقيقة تقول أنباء إن الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة يجريان مشاورات سياسية للتفاهم مجددًا على أن هناك مصلحة مشتركة أميركية سوفياتية لإبقاء النزاع العراقي - الإيراني محصورًا ضمن حدود البلدين، وضرورة منع اتساع نطاقه إلى دول أخرى تجنبًا لتحول هذا النزاع إلى أزمة دولية كبرى، وتقول مصادر إن لقاء السفير السوفياتي في طهران مع رئيس الوزراء الإيراني مير حسين موسوي، يوم الخميس الماضي، كان لهذا الغرض.
وعلى أي حال فإن تصريحات المسؤولين السوفيات بعد صمت طويل منذ اشتعال المعارك، وكذلك تصريحات المسؤولين الأميركان التي كان آخرها تصريح الناطق الرسمي نشادر يدمان حول أهمية الخليج الاستراتيجية للمصالح الأميركية وخطورة توسيع الحرب تأتي لتؤكد هذه الحقيقة.
وعلى المسؤولين الإيرانيين أن يعقلوا بأن الموازين الدولية التي من مصلحتها إذكاء نار الفتنة واستمرار الحرب، إلا أنها مع ذلك لا تسمح لطرف أن ينتصر على الطرف الآخر.
على أن الأخطر من ذلك هو توظيف العقيدة الإسلامية وحب الاستشهاد على الشعب الإيراني لصالح تأجيج حرب تصب في النهاية في خانة الخطر على الإسلام والمسلمين.. فأي إسلام هذا الذي يدعو لأن يقتل المسلم أخاه المسلم؟! وأي مصلحة للإسلام والمسلمين عندما يترتب على هذه الحرب المجنونة حقد أعمى وثارات ليس لها نهاية بين الشعب الإيراني والشعوب العربية المسلمة في العراق ودول الخليج وغيرها؟!
قرار فردي
ونحن إذ نخص الشعب الإيراني المسلم بهذا الخطاب إنما نفعل ذلك لحرصنا على مستقبل هذا الشعب، ولأن العراق من جهة أخرى أعلن منذ زمن بعيد رغبته في تسوية النزاع بالطرق السلمية، وتعاون مع جميع مبادرات التسوية العربية والإسلامية والدولية.
إن عمر التجربة الإيرانية وفي ظلال استمرار الحرب المجنونة يفرض على كل إيراني أن يتساءل عمن يقرر مصيره دون استشارته أو دون حرصه على مستقبله.
ومثل هذه الحرب يجب أن توقف بأي سبيل وأي ثمن، أما التعلل بمطلب إدانة من كان بادئًا في الحرب بعد كل هذه السنوات وهذا الدمار، فليس أكثر من لحن في القول يقصد منه الإعلان بصورة غير مباشرة عن العناد والرغبة في المزيد من سفك الدماء وإهدار الطاقات والثروات في سبيل الشيطان.
مواقف
والذين يقفون إلى جانب الحكام الإيرانيين من الحكام العرب عليهم أن يعوا أنهم يلعبون بالنار ومن يلعب بالنار لا يأمن الحريق، فالنار المشتعلة تتطلب الاتحاد لا الإذكاء كما يقول المنطق، لكن يبدو أن هؤلاء لا يعرفون منطق البشر! فهل صحيح ما أذاعه راديو طهران من أن القذافي هنأ المسؤولين الإيرانيين على ما أسماه بالانتصارات الأخيرة، وأن الأسد تضامن معهم؟!
وثمة حقيقة يجب على الجميع أن يدركها وهي أن مجلس الأمن الدولي أو هيئة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية غير قادرة على حمل الطرفين لحل النزاع بالطرق السلمية إن كانت لديها رغبة في ذلك أصلًا.
لذلك فإن على جميع الدول العربية والإسلامية خاصة التي لها علاقات جيدة مع الطرفين واجب إقناع إيران بشكل خاص لوقف الحرب مرة واحدة وإلى الأبد، ليتفرغ الشعبان إلى مواصلة مسيرة البناء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الشعبين الجارين المسلمين.
لقد كان جميلًا أن تجتمع اللجنة السباعية العربية في بغداد وأن تقرر التحرك على المستوى الدولي، لكن اجتماع مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء، قد لا يؤدي لنتيجة حاسمة.
فهل تستجيب الدول العربية لنداء العراق بوضع ميثاق جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع المشترك قيد التنفيذ؟ وهل تتوسع الحرب فتشمل دولًا أخرى؟ أم هل تضع الحرب أوزارها؟ أم تستمر الحرب المجنونة لتأكل الأخضر واليابس؟ كل هذه الأسئلة تستطيع الدولتان خاصة إيران وضع حد لها إذا ما تعاملت بالمنطق الإسلامي الذي تدعيه أو المنطق البشري على أقل تقدير فهل تفعل؟!
إننا لمنتظرون.