; حرب الرمال القادمة.. سر الحماس ومبررات الإحجام | مجلة المجتمع

العنوان حرب الرمال القادمة.. سر الحماس ومبررات الإحجام

الكاتب سيد أحمد ولد باب

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 2031

نشر في الصفحة 32

السبت 15-ديسمبر-2012

الجزائر وموريتانيا تتحفظان على الحرب في إقليم «أزواد» بسبب القلق من تنامي الصراع وانتقال عدوى العمليات العسكرية إليهما

الولايات المتحدة وفرنسا تتسابقان من أجل بناء قواعد عسكرية في أفريقيا

الذين يخططون للحرب الآن سيفتحون المجال واسعًا أمام تحويل المنطقة إلى أفغانستان جديدة

بدأت الأطراف الدولية والأفريقية التحضير لحملتها العسكرية بإقليم «أزواد»، مستفيدة من الانشغال الإسلامي بجروح الأمة النازفة في أكثر من مكان، ومستغلة «فوبيا» الخوف من الجماعات الإسلامية بالقارة ورغم الدعوة للحوار من أغلب فرقاء الأزمة السياسية بإقليم «أزواد» والمساعي الحميدة للمجلس الأعلى الإسلامي بمالي من أجل إنهاء الأزمة، فإن دعاة الحرب باتوا في ازدياد، وعشاق الدماء النازفة في الإقليم في اتساع منذ قرار مجلس الأمن الدولي الداعم للتدخل العسكري قبل شهرين

التحمس للحرب: الدول الأفريقية تلكأت في التدخل العسكري، وعبرت عن مخاوفها من انفجار وشيك بالقارة إذا حكمت الأطراف الدولية والإقليمية منطق القوة في مواجهة الوضع المتشابك في الإقليم، كما حذّر بعض عقلاء المنطقة من خطورة الوضع إذا اندلعت حرب الرمال المتحركة.

وتقول «أنصار الدن» كبرى الحركات الإسلامية بـ «أزواد»: إنها مستعدة للحوار، وإن الخلاف القائم مع الدولة المالية يمكن حله بالتشاور وتحكيم العقل، وإن الحرب لن تخفف من وطأة الفقر أو انتشار السلاح، ولن تهدي الماليين في النهاية للسيطرة على الإقليم، بل ستسلب منهم حرية الفعل والحركة بفعل الهيمنة الاستعمارية والمصالح الفرنسية في أفريقيا، والرغبة الأمريكية في بناء قواعد عسكرية بدول الساحل المراقبة القاعدة، وبعض الحركات الجهادية الأخرى.

ولعل المتتبع المواقف الدول الأفريقية والغربية المتحمسة للحرب في مالي يمكنه أن يرصد بجلاء مبررات الحرب، تمامًا كما يمكنه أن يكتشف أسباب إحجام الآخرين عن المشاركة فيها، ولعله من المناسب أن نذكر بالأسباب التي جعلت فرنسا تتصدر قائمة المطالبين بالحرب، وتدفع باتجاه نشر قوات أفريقية في الشمال المالي، ولعل أبرز تلك الأسباب:

1- وجود عدد لا بأس به من الرهائن الفرنسيين لدى ما يسمى بـ «القاعدة بالمغرب الإسلامي» أحد مكونات المشهد المسلح شمال مالي، ومختطف آخر لدى »التوحيد والجهاد» بغرب أفريقيا، كبرى الحركات الجهادية المسيطرة على »غاو» (عاصمة الإقليم السياسية).

2- شعور فرنسا بأن مصالحها الإستراتيجية باتت متضررة بعد تعطل حركة السياح الفرنسيين، وفرض أمر واقع على الدبلوماسيين خصوصًا في النيجر ومالي وموريتانيا وكوديفوار خوفًا من السقوط بأيدي جماعات متشددة، أو التعرض لعمليات استهداف كما حصل مع السفارة الفرنسية »بنواكشوط« سنة 2009م.

3- الرغبة الفرنسية في بناء قواعد عسكرية جديدة في القارة السمراء، وقطع الطريق على الولايات المتحدة الأمريكية الساعية إلى نقل »آفريكوم« إلى الجزائر أو النيجر؛ وهو ما يهدد الحديقة الخلفية لفرنسا المستعمر السابق لأغلب دول القارة. 

4- إرضاء بعض الحلفاء التقليديين من الحكام والحركات اليسارية، وخصوصًا »الحركة الوطنية لتحرير أزواد« التي كانت فرنسا تراهن عليها كقوة على الأرض يمكنها الاحتفاظ بالإقليم، وبسط السيطرة على الشمال المضطرب، ومقاتلة »القاعدة« وأخواتها إذا لزم الأمر. 

5- استنزاف السلاح الليبي الذي حصلت عليه الجماعات الجهادية بكميات هائلة بعد سقوط »القذافي«، وبات اليوم يشكل ترسانة حقيقية بأيدي المقاتلين الإسلاميين.

6- المخاوف من انتقال العدوى إلى دول مجاورة (النيجر)، حيث تنشط الأقلية »الطارقية« المسلحة منذ سنوات شمال البلاد مطالبة بالإنصاف أو الانفصال؛ وهو ما يدفع بالنيجر إلى المطالبة بتسريع العمليات القتالية ونشر قوات من الاتحاد الأفريقي أو دول غرب أفريقيا من أجل الاستقواء بها في مواجهة أي حراك متوقع للطوارق المطالبين بالعدالة شمال البلاد.

أطراف متحفظة

أما الأطراف المتحفظة وأهمها الجزائر وموريتانيا، فهي قلقة من تنامي الصراع وانتقال عدوى العمليات العسكرية إليها.

وترى هذه الأطراف أن الحرب القادمة يمكن تجنبها من خلال الحوار مع المجموعات الأزوادية، ومحاولة عزل "القاعدة" عن النسيج الاجتماعي المحلي.

كما تراهن هذه الدول على أن الحصار الاقتصادي والعمل الاستخباراتي ضروريان لأي عملية عسكرية محدودة يمكن أن تستهدف رموز القاعدة، وقواتها الرئيسة بالإقليم بدل الدخول في حرب برية غير مضمونة النتائج، وقد تتسبب في كوارث للسكان المحليين من خلال عمليات انتقام قد تطال الآمنين.

كما عبّرت الجزائر بشكل واضح عن رفضها لأي عمل عسكري قد يكون بداية لاستقرار قوات فرنسية في الشمال المالي؛ مما يشكل تهديدًا جديًّا السيادة دول الساحل وبداية للتدخل في شؤونها الداخلية. 

وتقول موريتانيا: إن العمليات العسكرية ستكون لها انعكاسات سريعة على حياة الناس، وإنها غير قادرة على استيعاب أكثر من 100 ألف لاجئ موجودين الآن على أراضيها منذ بداية العمليات العسكرية.

كما أن »القاعدة« وأخواتها بالمنطقة قد يلجؤون إلى عمليات انتقامية، وستكون المصالح الغربية والموريتانية الأكثر قربًا للاستهداف؛ مما ستكون له تداعيات غير محسومة النتائج على الوضع الأمني داخل الأراضي الموريتانية، ناهيك عن قوة المعارضة السياسية والشعبية للحرب المرتقبة في الإقليم المجاور.

حرب ضروس: ورغم أن مجمل الأطراف الرافضة والمترددة من أكثر الجهات التي اكتوت بنار الإرهاب طيلة العقود الماضية، إلا أن ذكريات الاستعمار البغيض، وتجارب الأفارقة في دول مشابهة، دفعت عقلاء المنطقة إلى التحذير من استعمار فرنسي قادم، مقدماته حرب الأفارقة ضد البيض بمالي، ومبرراته هواجس الخوف التي اجتاحت بعض عروش المنطقة، ونهايته بيد أسياد الحرب الحقيقيين ممن يدفعون الآن السلاح والمال لهدم إقليم مسالم بحجة أن بعض حكامه من المتشددين الإسلاميين.

التقارير المسربة من اجتماعات القادة العسكريين تشي بأن الحرب ستكون كاسحة ومدمرة لسكان المدن الثلاث الرئيسة، والتي يخطط قادة الحرب إلى اجتياحها بعد تسوية  أغلب المقار الرسمية فيها من قبل الطيران الفرنسي والأمريكي الرابض حاليًا بالسنغال والنيجر ونيجيريا من أجل المشاركة في حرب البسوس الجديدة.

غير أن الذين يخططون للحرب نسوا -أو تناسوا - أنهم سيتحملون المسؤولية التاريخية أمام الله تعالى والعالم عن المجازر التي سيتعرض لها المدنيون بـ "أزواد"، إذا سيطرت قوات الماليين على المدن الرئيسة ناسين - أو متناسين - الحقد الذي يدفع كتيبة عسكرية إلى إعدام 17 شخصًا من أفراد جماعة »الدعوة والتبليغ» قبل أسابيع لمجرد بياض البشرة، ووجود ذقن أصحابه من أبعد الناس عن العنف والتكفير.

إن الذين يخططون للحرب الآن سيفتحون المجال واسعًا أمام تحويل المنطقة إلى أفغانستان جديدة، تستهوي كل مقاتل قرر مواجهة الفرنسيين أو الأمريكيين، كما أنهم شرعوا الأبواب أمام الماليين من أجل إعادة مجازر أفريقيا حقبة التسعينيات على أشدها، والعمل بروح المنتقم تحت غطاء الطائرات الفرنسية وحماية المجنزرات الأفريقية القادمة من دول »الكاو كاو« أو العروش المهتزة بمنطقتنا العربية المتخمة بالهموم والمشكلات الداخلية.

الرابط المختصر :