; حرب عالمية على الاستثمارات العربية | مجلة المجتمع

العنوان حرب عالمية على الاستثمارات العربية

الكاتب عبدالرحمن التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

الاستثمارات العربية في البلاد الغربية أصبحت مهددة فجأة في أكثر من بلد. وصات قضية من القضايا المطروحة في الساحة الاقتصادية. الهجوم ليس عشوائيًا والتوقيت مختار بدقة. فما الذي يدعو دولة تدعي ممارسة التجارة الحرة مثل بريطانيا إلى تحجيم الاستثمارات الكويتية فيها، وفي نفس الوقت تثار قضية الاستثمارات الكويتية في إسبانيا، ثم في فرنسا، ثم في أمريكا فهل هي حالات فردية أم حرب اقتصادية منظمة؟

ومن يقف وراء هذه الحرب الاقتصادية ضد العرب، ومن يقلقه حسن إدارة العرب لاستثماراتهم الناجحة وخطواتهم القوية في الاستفادة من ظروف الاقتصاد الدولي  لتنويع مصادر دخلهم وتحسين أحوالهم، ولماذا؟ إن  هذا الهجوم المتعمد على الاقتصاد العربي هو حصار اقتصادي من نوع جديد، يستهدف إفقار المنطقة ومنها من تحقيق فائض اقتصادي يدعم وجودها ويبقيها تحت رحمة سوق النفط المتخم وأسعاره المتدهورة!!

التقرير الاقتصادي التالي يناقش هذه القضية:

قضية النفط البريطانية

كانت المفاجأة الأولى أن تطلب الحكومة البريطانية من مكتب الاستثمار الكويتي تخفيض حصته في «البريتش بتروليوم» من حوالي 25% إلى أقل من 10% دون سابق إنذار وفي مخالفة صريحة لقواعد التعامل التجاري العالمي الحر ومبادئ الاقتصاد الرأسمالي الذي تمارسه بريطانيا. وفي سابقة دولية خطيرة من نوعها في عالم التجارة والاقتصاد الدوليين في ما يسمى بدول العالم الذي زعموه حرًا «THE FREE WORLD».

وكانت الكويت قد اشترت غالبية هذه الأسهم عشية انهيار سوق الأسهم الأمريكي ومعه بقية البورصات العالمية في يوم «الإثنين الأسود» في شهر أكتوبر 1987 وقد ساعدت الخطوة الكويتية في إقبالها على شراء الأسهم التي عرضت في ذلك الوقت الشيء على إنفاذ أسعار أسهم شركة النفط البريطانية. وقد رحبت حكومة تاتشر وقتها بالإجراء الكويتي الذي أنقذها من الإحراج بسبب سوء توقيتها في عرض الأسهم للبيع العام. لكن هذا الموقف الترحيبي انقلب إلى موقف شبه عدائي وأقل ما يمكن أن يوصف به بأنه حاد وغير ودود بعد عام واحد من شراء الكويت لهذه الأسهم. وكأن بريطانيا تريد حرمان الكويت من الاستفادة من هذه الأسهم وعوائدها على المدى البعيد. إضافة إلى خسارة الكويت المؤكدة نتيجة بيعها الاضطراري لهذه الأسهم خلال فترة محددة مما يحرمها فرصة تحديد سعر يناسب ظروفها، كما يمنعها من تحقيق ربح أكيد من هذه الأسهم لو تم البيع بصورة طبيعية اختيارية أو على الأقل غير علنية.

ويبدوا أن الحكومة البريطانية تنسى أو تتناسى أن جزءًا كبيرًا من جهود الإنقاذ لاقتصادها في فترة الركود في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، كان أكثرها يدين بالفضل للاستثمارات الخليجية هناك قبل أن تتحرك الولايات المتحدة متأخرة لضم المملكة متحدة إلى ولاياتها الباقية.

قضية استثمارات إسبانيا 

القضية الثانية هي القضية الإسبانية: ففي أوائل الثمانينات كانت إسبانيا تعاني أوضاعًا اقتصادية سيئة، وكان أحد الحلول المطروحة أمام  حكومة إسبانيا هو تشجيع الاستثمار الأجنبي. وفي عام 1986 بدأ الكويتيون في دخول السوق الإسبانية بتدبر وحسن تصرف. وفي خلال عامين كانت الاستثمارات الكويتية تشمل سلسلة فنادق ومجموعة عقارات ومجموعة زراعية- غذائية وشركة ورق، ومجموعة كيميائية ومجموعة بنوك، حتى غدا حكم الاستثمارات الكويتية في أوائل هذا العام 1988 ما يقرب من 62% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في إسبانيا.

عندئذ تذكر الإسبان «الأمن الاقتصادي» و«الاعتزاز الوطني» ووقفوا كالسد المنيع في وجه الاستثمارات الكويتية مما ألجأها للتوقف مؤقتًا. 

فقد تم تصوير الاستثمار الكويتي على أنه حرب ضد إسبانيا مع أن انتعاش الاقتصاد الوطني لإسبانيا يدين بالفضل للخطوات الكويتية الجريئة في استثماراتها هناك. بل إن استقرار «البيزيتا» العملة الإسبانية ونماء اقتصادها المضطرد بنسب تفوق مثيلاتها في أوروبا والذي أهلها لدخول السوق الأوروبية المشتركة يعود إلى حجم الاستثمارات الخليجية والكويتية بالأخص والتي مكنت إسبانيا من بلوغ قوتها الاقتصادية الحالية.

وتصرف الحكومة الإسبانية وبالأخص في قضية البنك الإسباني الذي تملك الكويت حصة كبيرة فيه، قد دل بصراحة على أن الحكومة الإسبانية لا ترغب في أن يجني الكويتيون ثمار استثماراتهم الناجحة هناك، بل تتركهم يزرعون ثم يبذلون الجهد لتقطف الثمار هي وحدها وهي سياسة في منتهى التجني ومخالفة لكل أعراف ما يسمى بالتجارة الدولية.

مشكلة في المقهى الفرنسي

قضية ثالثة ثارت في فرنسا ضد الاستثمار العربي في الغرب ممثلًا في الاستثمار الكويتي، وهي قضية مقهى صغير يملكه يهودي في حي الشانزليزيه. اسم هذا المقهى هو «فوكيتس» وقد حاول المستثمرون الكويتيون شراءه لاستغلاله سياحيًا ولكن سرعان ما تحولت القضية إلى قضية ثقافية وطنية فرنسية تمس تاريخ فرنسا وآثارها، واعتبرت المساس بالفوكيتس لا يجوز وكأنه بمكانة قوس النصر الشهير. وهو في الحقيقة مجرد مقهى يؤمه السياح غير أن الأبواق الإعلامية التي حاربت في فرنسا «روجيه جارودي» من قبل لأنه أسلم وفضح اليهودية، وصفقت لوصول يهودي إلى مرتبة رئيس وزراء فرنسا هو «لوران فابيوس» ودعمت إجهاض نساء فرنسا لأن وزيرة الصحة «سيمون فيل» اليهودية أقرت ذلك، هو نفس الإعلام الذي حارب الاستثمار الخليجي الكويتي في فرنسا.

وتحولت القضية إلى قضية وطنية جعلت الإعلام الفرنسي يشبه الحرب ضد الاستثمار الخليجي بأنه «واترلو كويتية» وهي الموقعة الشهيرة التي هزم فيها نابليون أمام الإنجليز وفقد بسببها فرصته في العودة لحكم فرنسا في عام 1815 وشبهت المسألة بأنها «اختراق» كويتي لفرنسا!

هجوم آخر في أمريكا 

كما شنت جريدة «واشنطن بوست» هجومًا آخر في أواخر شهر أكتوبر 88 على العرب ومحاولاتهم الاستثمارية في أمريكا واعتبرت أن شراء بنك من قبل رجل عربي، وهي القضية التي استشهدت بها الصحيفة، محاولة عربية للسيطرة على اقتصاد أمريكا! وتعتبر هذه الحملة الأمريكية بمثابة امتداد طبيعي للحملة ضد العرب في أوروبا والتي تتميز بحمي شديدة وشراسة غير طبيعة في جو اقتصادي مريح ويتميز بنمو مضطرد واستقرار يدعو للتفاؤل، أي أنه ليس هناك مبررات اقتصادية حقيقية للهلع الأوروبي أو الأمريكي من استثمار أجنبي آخر في عالم اقتصادي مستقر.

كما أن الاستثمار العربي الخليجي حرص دومًا أن يفصل استثماراته عن المضامين السياسية ويجعلها في منأى عن دوامات السياسة وتياراتها من جانبه منفردًا.

السر وراء الحملات

غير أن الذين ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: 54)، كما يصفهم القرآن الكريم، يحاولون من خلال أبواقهم الإعلامية وتسترهم وراء الجنسيات الأوروبية والأمريكية التي تسبغ على نفوسهم المريضة المعقدة عقائديًا وتاريخيًا هويات مزورة تخفي حقيقتهم يحاول هؤلاء أن  يحدوا من المنافسة المسلمة الخليجية في مجال الاستثمارات العالمية على الفرص المتاحة فيه.

إن تحويل قضايا الاستثمار الاقتصادي إلى قضايا سياسية ذات مغزى يتعلق بالسيطرة والغزو والحروب في دول تؤمن بما يسمى بالاقتصاد الحر وتفتح أبوابها لكافة المستثمرين هو دجل  صريح لا يحتاج إلى مبررات أو تأويل. فالذي تتم محاربته الآن ليس فرنسا أو بريطانيا أو إسبانيا بل هم المسلمون العرب ممثلون في الكويت، وكأن أحد شروط الوحدة الأوروبية هو تنظيف البيت الأوروبي من الأموال العربية لتحل محلها رؤوس الأموال اليهودية القادمة من أمريكا أو أوروبا.

وإلا لماذا لم يعتبر وزير التجارة البريطاني مسألة تملك شركات الشوكولاتة السويسرية لشركة شوكولاتة «راونتري» البريطانية مسألة أمن قومي أو عزة وطنية أو مسألة تهدد السوق الأوروبية المشتركة وسويسرا ليست عضوًا فيها!

لماذا لم يتحرك الإعلام البريطاني بنفس القوة ضد هذا الاستثمار كما فعل في مسألة شركة النفط البريطانية؟ أين هي هذه العزة الوطنية التي لا تبرز إلا في مواجهة الاستثمارات العربية فقط؟

إن هذا السلوك المتحيز للحكومات الغربية يفضح عنصرية من نوع جديد في عالم الاقتصاد الدولي كما إن  التحركات الإعلامية المشبوهة المتزامنة في أكثر من بلد أوروبي يكشف الجهات التي تقف وراء هذه الحملات. إنها الماسونية العالمية التي يحرك خيوطها اليهود وينفقون فيها أموالهم ليحاربوا الله والإسلام.

إنه حصار اقتصادي

ليس سرًا أن الدول الخليجية تعتمد على الاستثمارات الخارجية لدعم اقتصادها الذي يرتكز إلى خام وحيد هو النفط والذي يشهد سوقه وتشهد أسعاره تقلبات حادة وانخفاضات تؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني لهذه الدول.

فسعر برميل النفط لا يتجاوز الآن عشرة دولارات وليس هناك مؤشرات على تحسن سعره حتى بداية التسعينات، وهو حتى العامين القادمين لن يتعدى 15 دولارًا للبراميل الواحد حسب أحسن التوقعات، مما يعني أعوامًا عجافًا للدول التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل خلال عدة أعوام مقبلة.

في هذه الأعوام العجاف لا يبقى للدول الخليجية مصدر آخر لدعم اقتصادها سوى الاستثمار الخارجي في عالم الاقتصاد الدولي الذي يسمح بالممارسات التجارية حسب قواعده ونظرياته المعروفة... وحين تتعرض هذه المصالح للهجوم فإن هذا يعني ببساطة شديدة حصارًا اقتصاديًا على هذه الدول.

ومهما حاولت دول المجموعة الأوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية عبر قنواتها الاقتصادية أو الديبلوماسية أن تسمي هذا الأمر بغير اسمه فلن تنجح أبدًا في تغيير حقيقته وواقعه.

الخروج من الحصار

إن بعضًا من الردود المقترحة على هذه الحرب يعتمد على مخاطبة المواطن الغربي نفسه، لذا فإننا نقترح الآتي:

1- القيام بحملات إعلانية مدفوعة الأجر عبر وسائل الإعلام والمخاطبة الجماهيرية الغربية لإلقاء الضوء على الجوانب الإيجابية والآثار النافعة في الماضي والمستقبل لهذه الاستثمارات في تلك الدول، وتوعية المواطن ورجل الأعمال ورجل الحكومة بأن خسارة الاستثمار الخارجي يعني خسارة فرص التوظيف والتقدم الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، مع عرض للإنجازات الاستثمارية في بلد هذا المواطن والدفاع عنها بصورة بسيطة ومباشرة وقريبة من قلب وعقل وبيئة هذا الأوروبي «ابتداء التجربة في إسبانيا».

2- استكشاف مجالات للاستثمار في البلاد الإسلامية البكر، وتوظيف جزء من رؤوس الأموال فيها لدعم اقتصادها ووجودها والاستفادة من النماء المضطرد لاستثماراتها والتي ستكون تكاليفها المبدئية قليلة جدًا بالمقارنة مع عوائدها المستقبلية «مثال مقترح: جزر المالديف».

3- فتح مجال جديد للاستثمار في البلاد الإسلامية التي توجد فيها استثمارات غربية لاستغلال خاماتها الدفينة وطاقاتها البشرية الرخيصة نسبيًا والمعطلة بسبب البطالة وقلة التعليم لتكون رصيدًا مستقبليًا مضمونًا ومأمونًا أكثر من دول العالم الغربي «مثال مقترح: ماليزيا وإندونيسيا».

4- استكشاف وفتح مجالات جديدة للاستثمار في الدول الخليجية نفسها  لتنويع مصادر دخلها الذاتية والتي لا تتضمن مخاطر الاستثمار الخارجي كتقلبات الاقتصاد والسياسة الدوليين، والبعد الجغرافي، وصعوبة التحكم أو توجيه إدارة المشاريع الاستثمارية، والتأميم أو المصادرة وفرق العملات وغيرها.

ونسأل الله أن يحفظ أبناءنا وأموالنا من التربص اليهودي الماسوني والعبث الغربي وأن ينفعنا وأجيالنا المقبلة بها، إنه نعم العون وهو مجيب الدعاء.

الرابط المختصر :