; حرب لبنان .. الثوابت والمتغيرات | مجلة المجتمع

العنوان حرب لبنان .. الثوابت والمتغيرات

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983

مشاهدات 63

نشر في العدد 637

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 13-سبتمبر-1983

  • التشابه قائم بين حزب الكتائب الصليبي والحركة الصهيونية اليهودية.

  • الحرب القائمة في لبنان حرب تقسيم وليست حرب حسابات محلية فقط.

  • الصراع في لبنان متعدد الأطراف، بالغ الخطورة، وسلام العالم بزوال إسرائيل.

حزب الكتائب الصليبي في لبنان وضع في اعتباره منذ نشأته الأولى أن يحول لبنان من بلد عربي إسلامي إلى بلد صليبي مرتبط بالغرب، ومنفصل عن محيطه العربي الإسلامي. وهو في هذا الهدف يشبه الحركة الصهيونية إلى حد كبير، باعتبارها حركة يهودية عملت على تهويد فلسطين وعزلها عن جسمها العربي ومحيطها الإسلامي.

‏ومنذ نجاح اليهود المبدئي في إقامة دولة إسرائيل على أنقاض فلسطين، وتمكن اليهود من هزيمة العرب المرة تلو المرة، بدأ الكتائبيون التعاون مع اليهود في التخطيط للهدف المشترك الذي تسعى إليه الدول الكبرى أيضًا، وهو وضع العرب المسلمين في حالة من الضعف والفرقة بحيث يسهل حكمهم والسيطرة عليهم، وبحيث لا يشعر العربي المسلم بأنه مظلوم، وإن شعر بذلك أصابوه في عقيدته ولقنوه عبارات فارغة «لبنان الحر، الديمقراطي، العلماني، التقدمي» ثم امتطوا ظهره وقالوا له: قاتل معنا من أجل هذه الأهداف.. قاتل الفلسطيني لأنه غريب، وقاتل الحركة الوطنية لأنهم شيوعيون. وهؤلاء هم جنود إسرائيل أصدقاؤنا الذين جاءوا لإنقاذ لبنان من الغرباء!

‏ولقد استعان الكتائبيون بالنظام السوري بادئ الأمر ضد الفلسطينيين، الذين كانوا قد شبوا عن الطوق عام ١٩٧٥،‏ ١٩٧٦م‏ وضد الحركة الوطنية اللبنانية وهي في مجملها من المسلمين بمذاهبهم المختلفة. وبالفعل استطاع الكتائبيون أن يلتقطوا أنفاسهم، بعد أن كادت هذه الأنفاس أن تتوقف، كما أن مسلمي لبنان الذين وجدوا في ‏الفلسطينيين خير نصير لهم أيقظوهم من سبات المهانة والسيطرة الكتائبية.

‏ومع التحجيم العسكري للفلسطينيين واللبنانيين المسلمين كان لا بد من العمل في اتجاهين متوازيين:

- الاتجاه الأول إفساد الفلسطينيين بإغراقهم في الفساد الخلقي المستشري في لبنان.

- الاتجاه الثاني إقناع اللبنانيين المسلمين أن الصراع هو صراع لبناني فلسطيني، وفلسطيني إسرائيلي، وسوري فلسطيني، وأن اللبنانيين جميعًا وخاصة المسلمين منهم سيرتاحون لو خرج الفلسطينيون من لبنان.

وتقدمت قوات إسرائيل واستقبلها الكتائبيون بالأحضان والورود. وكان ما كان من خروج الفلسطينيين من بيروت بعد معركة طويلة ومريرة سجلها التاريخ لصالح الفلسطيني المقاتل.

ورغم أن معظم أسلحة الدروز وتدريباتهم كانت على يد الفلسطينيين إلا انهم لم يشاركوا في التصدي للجيش الإسرائيلي، وفي مقابل ذلك فقد أبقى اليهود على أسلحتهم ولم يتعرضوا لهم، بينما كانت المذابح من نصيب المسلمين السنة وبخاصة الفلسطينيين.

ثم اكتشف المسلمون اللبنانيون أن الفلسطينيين ليسوا وحدهم المستهدفين بالإبادة والإذلال والتشريد، وإنما كان ضرب الفلسطينيين تمهيدًا للهيمنة الكتائبية الصليبية مرة أخرى على لبنان، واعتبار المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وهو ما لم يألفوه طوال تواجد الفلسطينيين بينهم فعادت الصحوة إليهم واستعدوا للمواجهة.

واليهود الذين لهم أهدافهم الخاصة في السيطرة على لبنان كله أو بعضه لم يجردوا المقاتلين الدروز من سلاحهم كما قلنا؛ لأنهم يعلمون أن الكتائبيين ليسوا أقل من اليهود طمعًا في السيطرة على كل لبنان، فكان لا بد من إشعار الكتائبيين بأنهم في حاجة إلى اليهود باستمرار، وأنهم بدونهم لا يستطيعون الوقوف أمام المسلمين.

وهكذا، فبعد أن كان الكتائبيون في لبنان يستعجلون خروج اليهود بموجب «الاتفاقية» أصبحوا يطالبونهم بالبقاء وتأجيل الانسحاب إلى حين ترتيب أوضاع الجيش، بحيث يتمكن بالتعاون مع الكتائبيين والقوات «متعددة الجنسيات» من السيطرة على المناطق التي ينسحب منها الإسرائيليون والتي تخضع لسيطرة الدروز بشكل رئيسي.

ولكن وليد جنبلاط رئيس ما يسمى بالحزب التقدمي الاشتراكي- وهو في غالبيته من الدروز- رفض السماح للجيش اللبناني بدخول المناطق الدرزية في الجبل والشوف، ما لم يسبق ذلك اتفاق سياسي من شأنه أن يحقق التوازن والعدالة، ويقضي على سيطرة حزب الكتائب على كافة مرافق الدولة، ولكن مؤسس حزب الكتائب بيير الجميل أخذته العزة بالإثم وتصور أنه الأقوى فقال: «فلتكن الحرب.. ولينتصر الأقوى»، ولعله تصور بعد أن استقوى على الفلسطينيين بالسوريين واستقوى على المسلمين باليهود أنه أصبح هو الأقوى، ونسي أن التحالفات ربما تتغير وأن اليهود الذين استعان بهم لهم حساباتهم الخاصة، وأن رجال الحكم في سورية أيضًا لهم حساباتهم الخاصة. وأن هذه الحسابات ربما تتغير بتغير المصالح. ثم إن هناك عوامل أخرى دفعت آل الجميل إلى الغرور، وهي التدريبات الأمريكية المكثفة للجيش اللبناني الذي يسيطر عليه الكتائبيون والأسلحة الثقيلة والمتطورة التي وصلت إلى هذا الجيش.

ورغم ذلك فقد قابل وليد جنبلاط التحدي بالتحدي، ورد على بيير الجميل بنفس العبارة فقال: «لتكن‏ الحرب ولينتصر الأقوى»، ولقد تبين بعد ذلك أن ثقة آل الجميل ليست في محلها وأن ثقة جنبلاط في محلها. 

وفي الميدان تكشفت الحقائق. وكان أول القطر هجوم كاسح قام به مقاتلو «أمل» في جنوب بيروت، الذين استطاعوا بالتعاون مع «المرابطين» من تطهير بيروت الغربية تطهيرًا تامًّا من الجيش اللبناني في ساعات قليلة. وإذا كان الجيش قد استطاع بعد ذلك بالتعاون مع القوات متعددة الجنسيات السيطرة مرة أخرى على غرب بيروت التي يسكنها المسلمون السنة، إلا إنه لم يستطع أن يسيطر على جنوب بيروت حيث يقيم الشيعة.

‏ولقد أوقف الكتائبيون وقوات الجيش هجومهم على قوات «أمل» استعدادًا للهجوم على الجبل والشوف، بعد أن انسحب الإسرائيليون إلى نهر الأولى في الجنوب، دون أن يمكنوا السلطة اللبنانية من بسط سيطرتها على الجبل، وإن كانوا في وقت سابق قد سلموا بعض المواقع في الشوف إلى الكتائبيين.

‏ولقد أعلن المسؤولون في لبنان أنهم سيدخلون الجبل مهما كانت الظروف، وعلا صوت رئيس الجمهورية اللبناني حتى طال بتهديده دمشق. ولكن الجيش اللبناني ومعه القوات الكتائبية اكتشف بعد أول مواجهة مع قوات جنبلاط أنهم أعجز من أن يدخلوا الجبل بهذه السهولة.‏

فطالب الكتائبيون بمساعدة الإسرائيليين الذين ‏أعلنوا عن وجود «خط أحمر» لا ينبغي للسوريين والفلسطينيين أن يتجاوزوه. وأعلن جنبلاط من جهته أنه لا وجود للسوريين ولا للفلسطينيين في صفوف مقاتليه، بينما أكد الكتائبيون ذلك لتحريك إسرائيل وأمريكا.

ولكن إسرائيل غضت النظر عن مساعدة الكتائبيين في صراعهم مع القوى الوطنية والإسلامية هذه المرة؛ عقابًا للكتائبيين الذين طلبوا من إسرائيل أن تخرج من لبنان، وحتى تتهيأ الظروف لإقامة إسرائيلية دائمة في جنوب لبنان وإقامة دولة درزية في الجبل وكتائبية حول جونية، ولتأخذ سوريا الشمال لو شاءت مقابل الجولان في إطار تقسيم لبنان وإعادة ترتيب الخارطة الجغرافية في المنطقة.

وأما أمريكا التي لم تنسَ تجربة فيتنام فإنها ليست على استعداد للاندفاع أكثر من اللازم في حرب، قد تؤدي إلى مزيد من القتلى والجرحى في صفوف قواتها ‎«العزيزة».

‏وأما فرنسا فيكفيها حصتها في تشاد، ولتكن لبنان من نصيب أمريكا. أما جنبلاط فقد أعلن أنه على استعداد لفيتنام جديدة، وأن قوات الاستعمار عليها أن ترحل عن لبنان، وأما سورية «النظام» فلها حساباتها الخاصة التي تختلف عن كل هذه الحسابات مجتمعة، والتي ربما لا يعرفها إلا الراسخون في العلم.

وأما الفلسطينيون فيكفيهم ما هم فيه من تمزق وحصار وتآمر، ومع ذلك فقلوبهم- وربما أكثر من قلوبهم- مع الحركة الوطنية اللبنانية ضد الكتائبيين الحاقدين على الفلسطينيين والعرب والمسلمين جميعًا. وهم لا ينسون وقوف الشعب اللبناني المسلم معهم، رغم تخاذل أو خذلان كثير من القيادات المحسوبة على المسلمين.

وأما الاتحاد السوفييتي فهو يترقب- وربما ‏كان أكثر من مراقب- ولكن ليس من المتوقع أن يقع في مواجهة صريحة مع الأمريكان.

 خلاصة القول: إن ما يجري في لبنان صراع ‏متعدد الأطراف بالغ الخطورة، وعلى الذين يحاولون أن يجدوا حلا لمشاكل لبنان التي افترضوا يومًا ما أنها بسبب الفلسطينيين أن يعلموا أن بؤرة الفساد في الشرق الأوسط هي إسرائيل، وأن تدمير كيانها السرطاني الخبيث فيه الشفاء من كل أمراضنا والصفاء لكل نفوسنا. فعلينا معشر العرب والمسلمين أن نعي ذلك، وعلى كل الذين يحبوننا أن يساعدونا على الخلاص من إسرائيل هذه حتى ينعم العالم كله بالسلام.

‏فالصفقة وأعمال المقايضة أشرفت على الاكتمال بين إسرائيل والمعنيين فيما يجري داخل لبنان!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

128

الثلاثاء 19-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 10

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

وماذا بعد العدوان على لبنان؟