; خطبة الوداع..دستور الحياة (٢) .. حرمة مال الغير | مجلة المجتمع

العنوان خطبة الوداع..دستور الحياة (٢) .. حرمة مال الغير

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010

مشاهدات 108

نشر في العدد 1924

نشر في الصفحة 56

السبت 23-أكتوبر-2010

وضع النبي ﷺ القواعد العامة للعيش الكريم، ورسم الخطوط العريضة للحياة السعيدة، على مدى ثلاث وعشرين سنة من الدعوة والجهاد الطويل وها هو يجني ثمرة جهده وصبره ويقف بين أصحابه ناصحًا ومودعًا، يؤكد كل ما دعاهم إليه في تلك السنين الطوال، ويفرغ لهم حصيلة كفاحه وجهاده في كلمات جامعات وسطور موجزات، وذلك عندما انسابت الحروف من بين شفتيه الطاهرتين وهو يلقي وصيته التي ودع بها الدنيا والناس جميعا ويخطب خطبته في حشود الحجيج يوم الحج الأكبر، فخرجت الوصية الجامعة في أبهى حللها رسالة عالمية كدعوته لكل الناس.

وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة العظيمة مشاعر النفس الإنسانية، ولم يهملها ولم يغفل عن حبها للخير ورغبتها في المال، وللمال قيمته المعتبرة؛ إذ هو سبب للحياة ومصدر للتقدم ومؤشر للقوة الاقتصادية على مر الأزمان.

وكما وصى عليه الصلاة والسلام بحفظ النفس وعدم الاعتداء عليها بغير حق؛ حتّ على حفظ المال وعدم أخذه بغير حق، وكما بيّن أن للنفس الإنسانية

حرمة وحقا في الحياة بين أيضا أن للمال في يد صاحبه ومالكه حرمة وحقا في الزيادة والنماء. 

واستمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يوصيني ويوصيك فيقول: «إن الله قد حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم»، «ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم ولا يحل مال مسلم إلا ما أعطى عن طيب نفس»، «ولا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا بطيب نفس منه»، لذا فقد وضع القاعدة العامة إلى يوم الدين فقال: «قضى الله أن لا ربا» ومن قبل نزل بها القرآن الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرَبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (البقرة: ۲۷۸)

وسيلة وليس غاية..

وقد جعل الله تعالى المال وسيلة في أيدي عباده فيه قوام حياتهم ومنه يقضون حاجاتهم، لذا فقد جعلهم فيه مستخلفين، ودعاهم لإنفاقه وبذله في موضعه الصحيح عند الحاجة، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا مما جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فيه ﴾ (الحديد: ۷).

وجعل للغير فيه حقاً فقال: ﴿ والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  للسائل والمحرُوم (٢٥) ﴾ (المعارج:25)، وأمر بإيتاء زكاته وإخراج صدقته ليطهر وينمو، فقال لنبيه ﴿خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقة تُطَهَّرُهُمْ وَتُزَكيهم بهَا ﴾ [ التوبة: 103]وقال أمرا : ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [ النور: 33]وحث على حفظه والدفاع عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو

شهيد» «مسلم».

وكره الله لنا أن نضيع أموالنا من غير فائدة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله كره لكم ثلاثًا : قيل وقال، وإضاعة المال وكثرة السؤال» «البخاري».

 ووصفه بالصلاح مادام في أيد صالحة تعرف حقه فقال ﷺ : «نعم المال الصالح للرجل الصالح» «صححه الألباني» ، ووعد بالمزيد والبركة فقال: «ما

نقص مال عبد من صدقة» «الترمذي».

حفظ المال ضرورة ومقصد من مقاصد الشريعة؛ لذا فقد حرم الله تعالى الإسراف والتبذير فى إنفاق المال وحفظ حرمته ونهى عن أكله بغير حق فقال : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل ﴾ (النساء:۲۹). كما شرع الحجر على السفيه في ماله، وأمر بحفظ مال اليتيم حتى يبلغ ويرشد، وشرع حد السرقة ردعًا وتخويفًا وعقابًا، وحرم الربا فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرَبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران ١٣٠:)، ودعا الناس إلى القرض الحسن ابتغاء وجه الله وإنظار المعسر حتى يتيسر، وشرع زكاة الذهب والمال والزروع والتجارة والركاز وغيرها من أنواع الزكاة، وحرم الاحتكار والغش في المعاملات المالية والتدليس ودعا إلى مكارم الأخلاق المتعلقة بالمال فقال تعالى: ﴿ وإن كان ذو عُسْرَة فَنَظرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة ﴾ (البقرة: ۲۸۰)، وقال النبي : «من أنظر معسرًا، أو وضع عنه أظله الله في ظله» «رواه مسلم».

 وفي المقابل، دعا إلى كتابة الدين حتى لا يُجحَد فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ (البقرة : ۲۸۲) وقال: ﴿ وَلَا تُسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أجله ﴾ (البقرة : ۲۸۲)، وأمر بأداء الدين وتوفيته في وقته فقال: ﴿ فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدَ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَقَ اللَّهَ رَبَّهُ﴾(البقرة : ۲۸۳).

وفي حفظ المال يقول د. هيثم محمود يرحمه الله في كتابه «مـيـثـاق المسلم

الأوروبي»:

«وحفظ المال ضرورة من ضرورات الحياة وعلى المستوى الإنساني كله، فلا يشذ عن هذا أحد من الخلق، وبقدر ما يحافظ الإنسان المسلم على ماله فهو مطالب وبنفس المقدار على الأقل بالمحافظة على أموال الآخرين وبصرف النظر عن ديانات أولئك الآخرين إذ إنه ممنوع من التسلط على أموال الناس بغير طرق الحق المتعارف عليها لدى الناس والمتوافقة أيضًا مع مفاهيم الدين الإسلامي فليس كل كسب تعارف عليه الناس هو مقبول بالضرورة من وجهة نظر الإسلام، ككسب الربا أو الميسر والمقامرة مثلا، أما التجارة والمرابحة والمضاربة أو الطرق التجارية الأخرى المعروفة أو الهبة والهدية ومما في معاني ذلك فلا بأس».

 والمسلم كما هو مأمور بحفظ ماله من التلف والضياع وتنميته بالمباح من التجارة وغيرها مأمور بحفظ مال الآخرين من التلف ،والضياع والآخرون يمكن أن يكونوا مسلمين أو غير ذلك، ويمكن أن يكونوا أشخاصًا حقيقيين أو اعتباريين، فالموقف من ذلك واحد لا أخذ ولا عطاء إلا بالحق والعدل.

سوق المال اليوم في الميزان

لقد اهتم الله تعالى بالمال وجعل له دورة يدور فيها ، واهتم بالحفاظ على جريانه، فقسم الميراث بالحق بين الورثة بطريقة تضمن ذلك ولا تظلم أحدًا ، وقسم الفيء والغنائم، وبيّن مصارف كل منها بعلمه وحكمته سبحانه وتعالى، وقال: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ ﴾ (الحشر:٧)، ودولة بِالضَّمِّ اسْم الشَّيْء الذي يتداول من الأموال، وَمَعْنَى الآية: أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كي لا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء.

وكذلك بين مصارف الزكاة والقنوات التي يجب أن تسير فيها .

فإذا ما توقف دوران المال وقلّ تداوله بين الناس وصار دولة بين فئة معينة منهم واستأثر به الأغنياء والأقوياء؛ اختلت موازين الاقتصاد وعمّ الفقر والفساد، ومن أجل ذلك حرم الله الربا حيث تكدس الثروة في يد المرابي دون غيره ويثقل الآخذ بإصر الربا ويعجز عن السداد.

ومن أجل ذلك أيضًا، حرم الله تعالى بعض المعاملات المالية التي يترتب عليها ضياع المال أو أكله بغير حق كبيع الإنسان ما لا يملك، وقد كان ذلك كله من أسباب الأزمة الاقتصادية التي منيت بها الدول الأوروبية وما زالت من آثارها تعاني فلم يشفع لها تقدمها ورقيها حين أغلقت الشركات وأفلست البنوك وانتشرت البطالة وانخفضت أسعار الأسهم والعقارات حتى بات الناس في أزمة حقيقية لم يخرجوا منها حتى الآن.

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع قائلًا: «وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا»، وبدأ بأقاربه وآل بيته فقال: «وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله».

ما زال طوفان المال جارفًا لضعاف النفوس

نعم.. فإن المال كالطوفان الذي يجرف صاحبه إذا فاض؛ فيهلكه أو يغرقه إذا لم يجعل منه سفينة للنجاة، لقد صار المال اليوم عند الكثيرين غاية من أعلى الغايات يسعون للحصول عليها ولو على جثث وأشلاء الرجال والنساء والأطفال، ولو أدى إلى تشرد الناس وفقرهم وتجويعهم وحصارهم، ولو أدى إلى طردهم واحتلال أرضهم، ولو كان فيه سجنهم وإذلالهم، كل ذلك في عصر توصل فيه الإنسان لدرجة عالية من العلم والتكنولوجيا التي من المفترض أن تريحهم وتجعلهم سعداء في حياتهم، لكننا للأسف نجد من يستبيح الحرمات من أجل الحصول على خيرات وثروات دفينة في باطن الأرض أو منثورة على ظهرها .

أما على مستوى الأفراد فما زال الطوفان جارفًا للنفوس الضعيفة؛ حيث يبيح الإنسان لنفسه سرقة مال أخيه، وسرقة جهده وفــكــره، وعـمـلـه وكفاحه سنين

عددا، فلا يتورع عن السرقة العلنية والخفية، ولا يتعفف عن الاختلاس ولا

يتوارى وهو يرتشي، ولا يستنكف أن يأكل المال الحرام، أو يستولي على مال يتيم قاصر، أو يحرم وارثًا من حقه الذي فرضه الله.

ذلك لأن مثل هؤلاء قد جعل من المال له هدفًا يسعى للحصول عليه بشتى الطرق ولسان حاله يقول: نفسي نفسي، ومن أجل ذلك لم ينس النبي صلى الله عليه وسلم أن يودع الناس بتلك الوصية ويقول لهم: «وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها».

كيف تتعامل مع مال الله؟

لقد أمرك الله تعالى على لسان نبيه أن تحفظ مالك خاصة وتنميه بالطرق المشروعة، وأن تحفظ المال عامة سواء كان ملكا لك أم لغيرك، أليس كذلك؟

فهل نحفظ أموالنا وأموال غيرنا إذا ما أهدر المال العام وكان الإفساد في الأرض

بعد إصلاحها؟

وهل يُحفظ المال إذا كان التعامل بالربا وإذا منعت الزكاة عن مستحقيها، وأكلت أموال الناس بالباطل وأموال اليتامي ظلما؟ وهل يُحفظ المال إذا كان الإسراف والتبذير سمة من سمات العصر فينفق بإسراف على الكماليات والولائم والتنزهات؟

وهل يُحفظ المال إذا ما امتدت إليه الأيدي بالسرقة والرشوة والسحت والغش

والتزوير؟

وهل يُحفظ المال لشعب قد استعبد أهله واحتلت أرضه واستحل نهبه بشتى السبل؟

وهل يُحفظ المال إذا ما أنفق على شراء الأسلحة الفتاكة وتمويل الحروب الظالمة وشراء الذمم الخربة والعمالة والخيانة؟ 

وهل في شراء آلات اللهو ووسائل الإغراء والفتنة وجلب المحرمات المهلكة من خمور ومخدرات وسجائر حفظ للمال؟

«اليد العليا خير من اليد السفلى»

ألا إن المال نعمة من الله تستوجب الشكر ليربو ويزيد والكل عنه مسؤول، وقد قال : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» «الترمذي»، «وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» «البخاري»، «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» «البخاري».

ولهذا كانت الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لنا جميعا وهو يودعنا : «أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم» اللهم هل بلغت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

192

الثلاثاء 05-مايو-1970

عبر من موقعة أحد

نشر في العدد 31

103

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

الأمير.. أجير؟!