; حرية التدين.. فريضة عصرية وضرورة أمنية | مجلة المجتمع

العنوان حرية التدين.. فريضة عصرية وضرورة أمنية

الكاتب محسن راضي

تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004

مشاهدات 111

نشر في العدد 1600

نشر في الصفحة 42

السبت 08-مايو-2004

30ألف مسلم يطالبون فرنسا بالكف عما يمس الحريات الدينية.

فاتسو جييه: وقف إضراب المعلمين، ووفاة 15 ألف مسن فرنسي وراء إصدار قانون منع الحجاب للتعمية!!

التهامي إبريز: وزير الداخلية الفرنسي اقترح حلًا توفيقيًّا لمشكلة الحجاب وهو ارتداء الباندانا.

جوني بيبيرو: رفضت التوقيع على تقرير «استازي»؛ بسبب أحادية الثقافة ومخالفة قانون منع الحجاب للعلمانية التي نتشدق بها.

كان المؤتمر السنوي الحادي والعشرون لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا الذي انعقد في باريس الشهر الماضي، وحضره أكثر من مائة ألف مسلم أول تجمع كبير لمسلمي فرنسا بعد أزمة الحجاب في المدارس الفرنسية؛ لذا فقد انعقد في أجواء من التوتر بسبب خطورة الأحداث والفاعليات المتلاحقة التي تمس حياة المسلمين والمقيمين بأوروبا، والتفاؤل بأن ما يحدث يصب في مصلحة انتشار الإسلام، وبزوغ شمسه.

حاضر في المؤتمر ٥٤ رمزًا من الدعاة والأئمة والساسة في أوروبا «مسلمون وغير مسلمين» حول حرية التدين في المجتمعات المعاصرة، وأجمع المتحدثون على أن الإنسانية لم تتوقف في البحث عن الوصول إلى طرق وإمكانية التعايش السلمي بين مختلف أجناسها، مؤكدين أن الحروب والصراعات تعتبر الحائل الأول أمام هذا التعايش، وهنا يبرز دور العقلاء للعمل نحو التوفيق والوسطية.

كما أكدوا أن التجربة الوحيدة في تأصيل مبدأ الحريات الدينية يدعو إليها الإسلام قولًا وعملًا.

وكان المؤتمر بمثابة تظاهرة ناجحة ورسالة قوية للسلطات الفرنسية بالكف عما يسيء إلى الحريات الدينية -ومنها حجاب المسلمة وكفالة أداء الشعائر- سعيًا لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار.

بدأت فاعليات المؤتمر بمحاضرة د. بدر الماص - الأكاديمي الكويتي - تناول فيها مفهوم التدين، وأهم عقباته في مجتمع الغرب ومنها «الاستعجال - الغلو والتطرف - الحماس الزائد- نقص العلم الشرعي- الذوبان وفقدان الهوية الإسلامية - ندرة المؤسسات التربوية».

وقال: إن الغربيين في مجملهم ينظرون إلى المسلمين نظرة دونية قاصرة على أنهم أصوليون إرهابيون متخلفون ينتمون إلى عقيدة رجعية تناهض التطور الحضاري، وهذه النظرة لها أسباب منها الخلفية التاريخية للمجتمع الغربي، والواقع المؤسف الذي تعيشه البلاد المسلمة.

وفي كلمته نبه التهامي إبريز - رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا - إلى ضرورة توخي الحكمة والعقل خاصة أن انعقاد المؤتمر يأتي في جو مشحون بالأحداث المتلاحقة التي تؤجج نيران الفتن، ثم عرج على بعض الأحداث والمواقف التي مرت خلال عام: 

۱ - جاءت زيارة وزير الداخلية «السابق» للاتحاد على إثر انعقاد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية- تعبيرًا عن دعم الوزير وتواصله مع ممثليها، ولا يخفى أن وزارة الداخلية مكلفة بملف العلاقة مع الأديان، وبعد تبادل وجهات النظر حول القضايا التي تهم الوجود الإسلامي في فرنسا، أكد الوزير تشبته بموقفه المعارض لسن قانون يمنع المتحجبات من ولوج المدارس العمومية، وتقدم وزير الداخلية بمقترح توفيقي يتم بموجبه استعمال حجاب خفيف « Bandana».

2- بعد أن تم الاعتراف بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، سعت بعض الجهات المغرضة والمعادية للوجود الإسلامي الذي أصبح منظمًا ومعترفًا به لاستغلال قضية الحجاب؛ للنيل من صورة الإسلام والمسلمين وصرف الأنظار عن هذا المكسب الكبير الذي حققه مسلمو فرنسا.

3- إن الأعمال الاستفزازية المخالفة لقوانين الجمهورية يراد من ورائها استثارة مشاعر المسلمين؛ لدفعهم للقيام بأعمال غير مسؤولة، ومهمتنا توجيه المسلمين وتحصينهم من أي انزلاق؛ لكي نبقى مدافعين عن أنفسنا في إطار الشرعية.

٤ - فيما يتعلق بشعار «إسلام فرنسا» الذي یراد به مواجهة «إسلام في فرنسا» نتصور أن الأسماء لا تغني عن حقائق الأمور، ولذلك نتصور أن تطبيق الإسلام في هذه البلاد ينبني على دعائم منها: 

-عدم التقيد بمدرسة فكرية أو فقهية معينة، وهدفنا الأخذ بأيسر الآراء الفقهية -ضمن المذاهب المعتبرة- لتيسير التدين لدى مسلمي فرنسا.

-التفريق بين ما هو من التقاليد، وما هو من صلب الدين.

-مراعاة التمسك بالدين إلى الحد الذي يسمح به القانون. 

-استعمال مبدأ الرخصة لاجتناب الاصطدام مع قوانين البلد وتعميق فقه الأقليات فهمًا وتطبيقًا .

-ترسيخ علاقة الإسلام بمحيطه.

5 - كثير من الجهات لم يستسغ الاعتراف بالديانة الإسلامية، ولذلك يشن علينا حملة تشويهية منظمة، والذي يهمنا هو تماسك واستقرار المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية من داخله، وتضامن أعضائه للدفاع عن القضايا الكبرى التي تهم الوجود الإسلامي في فرنسا من خلال التشاور والحوار والتواصل مع المهتمين بالشأن الإسلامي في فرنسا.

وتناول د. أحمد جاب الله مسألة الحريات الدينية في الإسلام، مؤكدًا مبدأ «لا إكراه في الدين»، وساق أمثلة كثيرة عن سماحة الإسلام.

وكانت كلمة د. جاب الله متميزة ألقاها بلغة فرنسية سليمة، تناول خلالها دور مجلس الإفتاء والبحوث في أوروبا في تأصيل الممارسة الدينية للأقليات المسلمة في أوروبا.

وعرج على موضوع «الجهاد» وشروط مشروعيته بما يرد الشبهات التي تتخذ ذريعة للتضييق على المسلمين في أوروبا .

وفي محاضرته أكد د. أحمد الراوي - رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا - أن مفهوم الحرية الدينية في أوروبا لم يتبلور إلا في وقت متأخر؛ إذ لم يصور التاريخ لها تسامحًا إزاء الأقليات الدينية، وقد بلغ الأمر مبلغًا فظيعًا في بعض المراحل؛ حتى استعرت نيران الحروب الدينية، وجرت ملاحقات شرسة للأقليات الدينية والمخالفين في المعتقد حتى في عصر النهضة، وضرب أمثلة على ذلك منها حظر بناء كنيسة بروتستانتية في مدينة ميونخ الألمانية الكاثوليكية حتى مطلع القرن العشرين، وما زالت بعض المدن الأوروبية تضع عوائق وعراقيل أمام تشييد المساجد حتى اليوم. 

وقال: لقد شهدت السنوات الأخيرة صدور عدد من الوثائق التي تضمنت تعزيزًا للحريات الدينية على المستوى الدولي، وأهم هذه الوثائق:

-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة عام ١٩٤٨.

-العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الصادر عام ١٩٦٦ .

-إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد، الصادر عام ١٩٨١.

-ومن هذه النصوص: المادة 9 التي تنص على حق كل شخص في حرية التفكير والتعبير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير دينه أو معتقده، وكذلك حرية التعبير عنهما أو تعليمهما بإقامة الشعائر أو ممارستها أو رعايتها، بطريقة فردية أو جماعية، وفي نطاق علني أو خاص. 

أما جوني بيبيرو - عضو اللجنة - التي بحثت قضية الحجاب، والذي رفض التوقيع على تقرير «استازي» الذي بني على أساسه قانون منع الحجاب فقال: إننا في عالم قد تؤدي فيه أحادية الثقافة إلى جمود لا يمكن أن يقبل، كما أننا اليوم في مناخ صعب على الساحة الدولية، ومن المهم أن نتذكر تاريخ نشأة العلمانية في فرنسا وأهدافها التي لم تحققها إلى اليوم. 

وقال: إن هدف العلمانية في فرنسا خلق مجتمع تسود فيه المساواة دون اعتبار لدين أو لجنس أو معتقد أو عرق أو لون.

وما منعني من توقيع تقرير استازي الذي أوصى بالحد من إظهار الرموز الدينية بالمدارس والمؤسسات العمومية إلا مخالفته لقوانين العلمانية التي تتشدق بها، لكن الصحافة ركزت على هذا الجانب دون أن تذكر أن اللجنة انتقدت العلمانية الفرنسية، مطالبًا فرنسا بضرورة إعادة النظر في علمانيتها ووحدتها الوطنية.

وحول الإسلام والتخوف الأوروبي فجر فاتسو جييه - الباحث في علم الاجتماع - الأسباب الحقيقية وراء منع الحجاب في فرنسا قائلًا: أعتقد أن هناك خلفيات سياسية ناشئة عن أزمات داخلية أدت إلى صدور قرار منع الحجاب منها: أزمة إضراب المعلمين الذي دام قرابة نصف عام بهدف إجراء تعديلات تمس مكانة المعلم، وتحقيق مقابل مادي جيد له، فخرج ملف الحجاب ليعلو فوق صوت إضراب المعلمين، وليغلق أزمة المعلم، وكأن الحجاب هو الذي يهدد التعليم في فرنسا أو يهدد الشخصية الفرنسية. 

كما أن موجة الحر التي اجتاحت فرنسا ونجم عنها وفاة أكثر من ١٥ ألف مسن في أقل من شهرين سببت أزمة كان من المتوقع أن تنهار بها الحكومة لولا صدور تقرير استازي، وإثارة الإعلام لقضية الحجاب، ومرت الأزمة بردًا وسلامًا، وكأن الدولة مهددة في أصلها وكينونتها في حجاب يستر شعر مسلمة!. 

وأوضح أن تخوف أوروبا من الإسلام يرجع إلى ثلاثة أسباب: الخلفية اللاشعورية عن الإسلام أنه مصدر إرهاب، وشعور أوروبا بالاستعلاء على شعوب المسلمين، واستعمال الإسلام وسيلة لستر عورة الفشل.

وكان لكلمة د. محمد مرسي - رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مصر - صدى كبير في نفوس الحضور حين أكد دورهم الرئيس كأصحاب دعوة وحملة رسالة قائلًا: إن ما يحدث الآن في العالم سواء في فرنسا أو غيرها إنما هو بسبب عجزنا جميعًا - مسلمين وغير مسلمين - عن أن نتواصل مع بعضنا البعض، وأن يتقبل كل منا الآخر، وأن يحرص كل منا على أن يتعايش مع الآخر، وأن يندمج معه من غير ذوبان ولا فقدان هوية ومن غير تزلف أو استكبار، مؤكدًا أن التميز لا يعني الاستكبار أو التقوقع، وأن الاندماج لا يعني الذوبان أو الترك أو فقدان الهوية، وإنما إسلامنا يدعونا إلى أن نكون أمة وسطًا، وما الحجاب وما دار حوله إلا أحد هذه الظواهر .

وقال: يجب أن تدرك الحكومة الفرنسية أن الحجاب ليس مجرد رمز ديني وإنما هو واجب شرعي على بنات المسلمين ونسائهم، بل هو من صلب عقيدة وثوابت الاسلام، وينبغي أن يجري بيننا حوار وتفاهم حول جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ودعا د. مرسي المسلمين إلى عدم التفريط في حقوقهم بصفتهم رسل الخير إلى البشرية أينما حلوا، مشددًا على ضرورة المحافظة على ثوابت الدين، والحرص على تمثله سلوكًا عمليًّا أمام الآخرين.

وفي مداخلته تحدث د. أبو بكر عمر الحاج - أستاذ الفيزياء الدقيقة بجامعة بواتييه -  عن المرأة في فرنسا، وطبيعة الظلم الذي تعانيه، مشيرًا إلى أن الإحصاءات والأرقام تقول: إن المرأة في فرنسا تتقاضى راتبًا أقل من الرجل في نفس المستوى الوظيفي بأكثر من ٢٠ %، كما أن المرأة لا تشغل في الوظائف العليا أكثر من ١٢%.

وكشف عن إحصائية أكدت حصول فرنسا على المركز قبل الأخير على المستوى الأوروبي بشأن اهتمامها بوظائف المرأة، كما كشف عن إحصائيات أخرى تشير إلى أن أكثر جرائم العنف ضد المرأة موجودة بفرنسا، وكذلك استعباد المرأة واستغلالها للموضة والجنس بات متميزًا في المجتمع الفرنسي.

واستطاعت سعيدة كدة - رئيسة جمعية الدفاع عن حقوق المرأة - أن تثير إشكالية خطيرة مؤداها: كيف سيكون مال الفتاة التي تمتنع عن كشف شعرها؟، وهل يعقل أن يكون حرمانها من التعليم عقابًا، ولربما يؤدي ذلك إلى أزمة أخرى من شأنها أن تضع فرنسا أمام مشكلة جديدة تتمثل في إيجاد أميين سيكونون يومًا ما خطرًا على المجتمع، علاوة على أن حرمان الفتاة من التعليم أمر يرفضه القانون الفرنسي، وأثبتت في كلمتها أن المشكلة أبعد من أن تكون غطاء رأس؛ إذا لم تنتبه فرنسا لخطورة الأمر الذي ستقدم عليه.

وفي محاضرته أكد أبو جرة سلطاني - رئيس مجتمع حركة السلم بالجزائر - ضرورة الالتزام الديني؛ لأن الدين توازن نفسي، وضبط أخلاقي، وتكيف اجتماعي، وأن الالتزام الشخصي هو الذي يدفع الغير إلى الاقتداء به، ولا نجاح لدعوة لا يشملها إخلاص حامليها، ولا قيمة لفكرة غامضة غير مفهومة؛ لأن الدين تطابق بين القول والعمل، وهذا ما دفع بصاحبي السجن مع يوسف الصديق إلى استشارته بعدما تأكدوا من صدق التزامه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( يوسف: 36).

وكانت مداخلة اللاعب الأمريكي لكرة السلة طارق عبد الواحد شائقة ومفاجئة للحضور؛ إذ كان يرتدي فانلة مرسومًا عليها علامة رجل ساجد ومكتوبًا عليها: «دعوة»، وقال: إن المسلم يجب عليه أن يطرق أبوابًا كثيرة للدعوة؛ إذا ما سدت أبواب أخرى، مؤكدًا أهمية الرمز الدعوي، وضرب مثلًا لثلاثة أمريكيين «جابر -رسول- أمين» كانوا يشتغلون بحرف «كناس -سائق شاحنات- عامل بناء»، واعتبروا أن الرموز لها دور كبير بربط الإنسان بمعتقده وهويته، وبالعزيمة والإخلاص استطاعوا أن يقدموا لهذا الدين الشيء الكبير بإنتاج وصناعة فانلات مكتوب عليها دعوة وعليها علامات وحركات الصلاة.

وقال: إذا افتعلت دولة ما الفتن بالمسلمين وجب عليهم تجنب الفتنة والبحث عن النافع والابتكار في إيجاد أساليب جديدة للدعوة. 

وأضاف: إن أكثر من ستة ملايين مسلم يتعايشون في أمريكا بشكل جيد مع الشعب الأمريكي، لكن السيئ في التعامل فقط يتمثل في الحكومة والإعلام، مشيرًا إلى أن القوانين الأمريكية تكفل حرية التدين لكن بعد أحداث ١١ سبتمبر أصبح كل متدين يثير ريبة لدى السلطات الأمريكية.

وفي محاضرته أكد د. عبد الله بصفر - الداعية الإسلامي - أن جميع الحضارات قامت على أساس الجزاءات الأخروية التي قدمها الدين حماية للأخلاق، وأن الدين له أثر كبير في تكوين الأخلاق وتربية الضمائر اليقظة، وكما قال أحد المؤرخين: لا ريب أن الدين كان أعظم قوة في التاريخ هذبت توحش الإنسان، وضرب أمثلة لنماذج بشرية صنعها الإنسان حتى صارت فضائل مجسدة تمشي على الأرض.

واعتبر أن التربية الإيمانية منطلق لتحرير النفوس والعقول، وخلص إلى أن التدين قيمة حضارية تصب في مصلحة الوطن «أيًّا كان»؛ ليمنع الجريمة، ويضعف الشر، وينشر الخير والعدل والإخاء، وعلى كل دولة تحرص على وحدتها الوطنية أن تسمح بحرية التدين .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

455

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الأسرة - العدد 6

نشر في العدد 8

495

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال