; حرية الفكر وسياسة المكايدة | مجلة المجتمع

العنوان حرية الفكر وسياسة المكايدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1355

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 22-يونيو-1999

تعد حرية الفكر والعقيدة، الخصيصة الأولى من خصائص إسلامنا الحنيف، وحين يشهد المسلم ألا إله إلا الله وأن محمدًا صلي الله عليه وسلم رسول الله، فإنه يتحرر من كل ما عدا الله، ويخرج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فلا يخضع لكبير أو صغير، ولا يستسلم لظلم أو بغي، لذا فقد حفل تاريخ الإسلام بالحرية المنضبطة بضوابط الشرع، وقد تجلت آثار ذلك وامتدت في الزمان والمكان إلى اقصى مدى عرفته الإنسانية. 

وإذا كان قدر معظم المسلمين اليوم أن يُحرموا من الحرية في معظم صورها وأشكالها، فهذا لا يرجع إلى الإسلام، ولكنه يعود إلى المسلمين أنفسهم، وإلى أعدائهم بالدرجة الأولى؛ حيث سلطوا عليهم من يسلبهم الحرية والأمن والثروة والتقدم، وهو أمر لم يعد خافيًا على أحد، حيث تحرر معظم بلاد الأرض إلا بلاد المسلمين، فمازال أكثرها يخضع للعبودية الَّتي تتعدد أشكالها، والرق الذي تتباين معالمه. 

ومن عجب، أن بعض بني جلدتنا من الموالين للغرب والصهيونية، يصرون على إسناد الاستبداد والظلام إلى الإسلام، ويرون أننا نعيش في جاهلية وتخلف، بسبب تمسكنا بالإسلام، يقولون ذلك صراحة أو بشيء من التورية والمراوغة، حسبما تسمح به الظروف والأحوال، وهم بذلك يحاولون أن يمحوا من تاريخ الأمة قرونًا كاملة، كانت فيها الحضارة الإسْلَاَمِيِّة منبع الإيمان والنور والحكمة والعلم والثقافة، وقد نبغ أبناؤها في شتى العلوم الإنسانية والطبيعية، فتفوقوا في الآداب، مثلما كان لهم السبق في الكيمياء والهندسة والطب والفلك حدث ذلك في وقت كان فيه بعض ملوك أوروبا لا يعرف كيف يكتب اسمه، وكانت الكنيسة تحكم على العلماء بالحرق، والسجن، والنفي، والحرمان من الجنة الَّتي زعمت أن دهاقنتها يمسكون بمفاتيحها، وكانت أوروبا كلها تتخبط في ظلمات الجهل والتخلُّف. 

يتناسى الموالون للغرب والصهيونية ذلك كله، فيرفعون في وجه من يدافع عن الأمة تهم التكفير والتطرف والظلامية، دون أن يقدموا دليلًا واحدًا على هذه التهم، إنهم يمارسون سياسة محاكم التفتيش، تدعمهم قوى خارجية ووسائل إعلامية كبيرة، وتُتاح لهم مساحات زمنية ومكانية لا تتاح لغيرهم، ليكتبوا ضد الدين ويصادموا الأمة في مقدساتها وقيمها وأخلاقها، ولا يعترضهم أحد، ولا يمنعهم مانع، بل الاعتراض والممانعة لمن يعبر عن هوية الأمة، ومع ذلك يضج هؤلاء بالشكوى من أنهم غير قادرين على مواجهة من يتهمونهم ظلمًا بالتطرف والتكفير والظلامية! 

إن سياسة المكايدة الذي يتبناها هؤلاء المعادون للأمة المناصرون لأعدائها، تقوم على التناقض والنرجسية المفرطة، فهم يكيلون لأنفسهم بالمكاييل التي تجعلهم وحدهم أصحاب القول الفصل في قضايانا، وتحرم غيرهم من المشاركة، أو حتى مجرد التوضيح أو التعقيب!، ومن المؤسف أن سياسة المكايدة لا تعمل من أجل حرية الأمة ولا حرية المسلمين، فهؤلاء يفزعون مثلًا من أجل مصادرة كتاب غير أخلاقي يروج للرذيلة، أو يتعدى على حرمات الله سبحانه وتعالى، ويتباكون عندها على الحريات الضائعة، ويحذرون من الانغلاق الفكري ولكن وجوههم لا تتمعر حين تنتهك حرمات الله، ولا حين يُصادر الإسلام كله في بعض البلدان، ولا حين يقع الظلم والعدوان على المسلمين في أي مكان، بل إنهم يصمتون صمت القبور، حين تُصادر حريات كثير من الشعوب العربية والإسلامية، وتوضع بعض تلك الشعوب في سجون كبرى هي حدود الأوطان التي يسكنونها.

 أيكون العيب –والأمر كذلك– في الإسلام، كما يدعون زورًا، أم العيب فيهم، لأنهم كذبوا ويكذبون على شعوبهم وأمتهم في سبيل تحقيق مأربهم ومنافعهم، ومغانمهم الحرام؟ نذكر هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصلاح بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابتغاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:114)، وبقوله تعالى:﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾) البقرة: ٢٨١).

 

الرابط المختصر :