; حصاد الهشيم في الصحافة الكويتية | مجلة المجتمع

العنوان حصاد الهشيم في الصحافة الكويتية

الكاتب سلمان فهد العودة

تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992

مشاهدات 60

نشر في العدد 985

نشر في الصفحة 26

الأحد 19-يناير-1992

(الحلقة الأولى)

إذا كانت الجنة تدخل بكلمة لا إله إلا الله، وكلمة الكفر التي هي كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار هي التي تهوى بصاحبها إلى نار جهنم وبئس القرار، فإن الحرب تبدأ بكلمة والصلح يبدأ بكلمة.

وإن النار بالعودين تذكى، وإن الحرب مبدأها كلام، والإنسان المؤتمن على هذه الكلمة خطيبًا كان أو إعلاميًا أو صحافيًا أو شاعرًا أو كاتبًا أو قصاصًا ينبغي أن يتمثل أفضل الصفات وأنبلها، ويفترض أن يكون موجهًا ومرشدًا وداعيًا ومعلمًا قبل أن يكون مالكًا فقط لزمام الكلمة بجودة الحديث.. ينبغي أن يكون على مستوى التوجيه الذي يحمله للمجتمع فلا يتسلم هذا المنصب إلا أنبل الناس وأفضلهم وأقدرهم وأصدقهم وأصلحهم.

النقد البناء ضرورة للفرد والمجتمع والجماعة والأمة، ولسنا نريد أن يمارس الإنسان صحافيًا كان أو خطيبًا أو متحدثًا، دور الإعلام الرسمي الذي تنتهي مهمته عند حد التطبيل الفارغ، ومدح المنجزات الوهمية، وطمس الحقائق وحجبها عن الأمة.. بل نريد أن يمارس دوره في النقد البناء لكن وفق الضوابط والأصول الشرعية البعيدة عن التشنج والتجريح والسباب والشتائم وغير ذلك، والتي تجعل مصلحة الأمة العليا نصب عينها فيما تقوم به من نقد بناء هادف، وإن من النقد نقد المجتمع بكل مؤسساته بدءًا من المؤسسات العليا الحاكمة المتنفذة، ومرورًا بالمؤسسات الحكومية والشعبية، وانتهاءً بالمواطن العادي الذي يحتاج إلى من يوجهه ويرشده ويدافع عنه وعن حقوقه المعيشية والإنسانية، وينتزع له لقمة الخبز من أفواه اللصوص الكبار الذين لا تطالهم يد القانون في كثير من الأحيان، بل ربما كانوا أحيانًا هم القانون نفسه.

إن الصحافة تفقد مصداقيتها حين تكون صحافة مجاملة، همها التربيب على أكتاف الحكام والتصفيق للمعتدين.. المعتدين على أعراض الناس، وحرياتهم وممتلكاتهم وحقوقهم.. فالصحافة هي نفس الإنسان وتمثل تعبيرًا حقيقيًا عن مشاكله وهمومه وطموحاته وآماله وآلامه وتطلعاته.. أما أن تمارس الصحافة دورها بشكل مقلوب فهذه هي النكسة العظمى والإجحاف الكبير بحق الأمة، وهو هذا التنكر للرسالة التي كان يجب على الصحافة أن تحملها، إننا ننتظر من الصحافة بجميع مؤسساتها أن تكون مدافعًا شجاعًا عن مصالح المجتمع ومنبرًا حرًا لصوت الحق، وأن تكون أداة فعالة لبناء الأمة بناء عقائديًا يحفظ للأمة استقلالها في وجه عواصف التغيير، ويمنحها الثقة بذاتها وتاريخها ومستقبلها وشخصيتها المستقلة.

وفي نفس الوقت ننتظر من الصحافة أن تكون مجالًا صالحًا للنقد البناء الهادف النزيه مهما كان هذا النقد مرًا على النفوس.. إنه لا يباعد من رزق ولا يقرب من أجل أن يتكلم هؤلاء المتربعون على عرش الصحافة عن الانتهاكات التي لا تنتهي لعقائد الناس، والتي أصبحت تؤرق المسلم وتقلقه وتجعله يعيش في عناء كبير حتى وهو في بلده وبين أهله وعشيرته.. لقد أصبح الكثير من الناس يعتقدون أن الكافر- يهوديًا كان أو نصرانيًا- أقرب إليهم وشيجه ولحمة من أخيهم المسلم، وأن الأجنبي أقرب إليهم من أخيهم في النسب والعرق، فأين حمية الإسلام إذن؟ وإذا لم تكن حمية الإسلام فأين نخوة العروبة التي كان أبو جهل وأبو لهب وغيرهم ينتخون بها ويتنادون إليها؟

أين الموقف الناضج من ذوبان الشخصية الإسلامية في شخصية المستعمر سواء كان هذا المستعمر أمريكيًا أو بريطانيًا؟ حتى أصبحنا نجد المواطن العادي في أكثر من بلد قد يسمى ولده كما سمعتم وقرأتم بـ «عبدالله جورج بوش».

وفي صحف تكتب بالأحرف العربية تنادي بإعادة النظر في العداوة مع «إسرائيل» لأن «إسرائيل» وقفت معنا في حرب الخليج موقفًا لا بأس به كما تقول تلك المقالة.. 

فهل فعلت ذلك كما يراد لنا أن نفهم.. مناصرة لقضايا العدل والسلام ورعاية الأخلاقيات وحقوق الإنسان؟ هل لهذه المصطلحات والكلمات وجود في قاموس السياسة المعاصرة؟ إنهم وقفوا معنا من أجل مصالحهم ومن أجل حفظ اقتصادهم، ومن أجل ضمان هذا العرق النابض بالحياة في بلادهم، وقفوا وقفة من أجل أنفسهم لا من أجلنا.. ويجب أن ندرك ذلك حق الإدراك، فهم لا يعنيهم من يحكم المسلمين بقدر ما يعنيهم أن الذي يحكمهم يضمن لهم مصالحهم أن تصل إليهم دون أي تأخير أو تعكير.. وفي نفس الوقت الذي أصبحنا نحرص على إقامة الروابط والعلاقات مع العدو الكافر يهوديًا كان أو نصرانيًا ومهما كان لونه.. أصبحنا نمزق الروابط والعلاقات مع أصدقائنا وأشقائنا وإخواننا وجيراننا، ونتنكر لهم وقد ندعو إلى مقاطعتهم أو حربهم أو سوء الظن بهم.. فأي تردٍ في المفاهيم والتصورات أعظم من هذا!

لقد تنكرنا أو تنكر بعضنا للمجاهدين الأفغان، فأصبحنا نقرأ في تلك الصحافة: إن المجاهدين الأفغان ليسوا سوى عملاء لأمريكا، وإنهم يحاربون عملاء روسيا، فالحرب في أفغانستان هي حرب بين أمريكا وروسيا بالوكالة، حرب بين عملاء أمريكا وعملاء روسيا، وإنها أسلحة أمريكية في وجه أسلحة روسية.

وكل الألفاظ البذيئة التي نحفظها في قاموسنا، وأخيرًا تنكرنا لشباب البلاد أنفسهم، فأصبحنا نصب عليهم جام غضبنا وحقدنا.. أي تردٍ في المفاهيم والتصورات أعظم من هذا!

لقد أصبح المثقف الآن يقول: انتهى عهد العنتريات العربية، وجاء عهد التفكير المنطقي الواقعي البعيد عن التشنج، جاء عهد النظرة المعتدلة التي لا تنظر إلى العالم من منطلق العداء للعالم كله، إنما منطلق المصالح المتبادلة، وحين تدخل إلى التفاصيل تجد أحدهم يقول تفسيرًا للكلام السابق! إنه قد آمن بالإمبريالية وآمن بأعوان الاستعمار.. فماذا لو طولب بمحاكمة مثل هؤلاء الناس بتهمة الولاء للاستعمار؟ وإذا بنا اليوم نقرأ من بعض الصحف من يتغنى بأمجاد الاستعمار ويقول: إن الاستعمار هو الضمادة التي تلتف حول جروحنا، وهو الذي يعمل على ترسيخ مبادئ الحرية والكرامة الإنسانية، إنها هزيمة كبرى في ظل هيمنة أمريكا والغرب، وفي ظل تفوق «إسرائيل»، وخيانة للأمة وتاريخها ومستقبلها أن يوجد بيننا من يقول: ما المانع من إقامة قواعد عسكرية لهم في بلادنا، فنحن بحاجة إليهم ليدافعوا عنا، كما نحن بحاجة إلى صناعاتهم وتعميرهم لبلادنا المخربة!

إنها كارثة والله أن تذوب حواجز العقيدة مع هؤلاء ليقوم بدلها حواجز مع بني جلدتنا، وإنها لكارثة أكبر أن تصبح بدهيات الدين مجالًا للأخذ والرد والجدال، فالبراءة من المشركين اليوم لا وجود لها في قاموس طائفة ممن يتربعون على عروش الصحافة، فقد ضاعت عندهم الأوراق واختلطت الحدود وضاعت المفاهيم، كما أصبح الكثيرون يشككون مثلًا في قضية العقوبات الإلهية التي ينزلها الله تعالى بمن يخالفون أمره.

لصفوة البشر بعد الرسل والأنبياء لأصحاب محمد -صلى الله عيه وسلم- الله تعالى يقول: وقد أصابهم ما أصابهم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165)، قل هو من عند أنفسكم، فكيف تعتقد أننا الآن بمنجاة من عقوبة الله تعالى.

إنها لمصيبة أن تنسينا المنافسة غير الشريفة مبادئ العدل، فيستغل هذا المنبر الشريف «الصحافة» لأفكار وأقوال وآراء غير شريفة وعبارات غير نظيفة نلصقها بأولئك الذين لا نحبهم.

وتنحصر جهودهم في محاولة جلب التعاسة الغربية إلى بلاد الإسلام، وليس هذه ممارسة مختفية في حيز ضيق أو زاوية، وإنما ممارسة علنية تكتب على صفحات الجرائد والمجلات..

وأكثر من ذلك أنها تشترى بأموالنا، إنه مما يوصل هؤلاء الصحفيين إلى رضوان الله- لو أرادوه- ويؤهلهم ويوصلهم أيضًا إلى قلوب الناس، أن يظهروا مزيدًا من الاهتمام بالمعاناة اليومية التي يعيشها الإنسان بعد فترة من التدمير وفقدان الحاجات الضرورية ووجود صعوبات جمة في الدراسة والتوظيف والمعيشة والنقل وغير ذلك، إننا نحتاج إلى من يدافع عن أخلاقهم، كما نحتاج إلى من يدافع عن حاجاتهم اليومية وأقواتهم وهمومهم الضرورية.

كان من المنتظر أن يكون ثمة فترة مراجعة وتصحيح للحقبة الماضية من التاريخ، وفترة مكاشفة للنفس وصدق مع الله بدلًا من أن تكون الفترة فترة هجوم على طبقة من أنبل وأفضل طبقات المجتمع.. كان من المنتظر أن نكتشف في هذه الفترة الحسد الذي كاد يأكل قلوب طائفة منا.. ونكشف الظلم الذي كان يحكم حياتنا الاجتماعية والسياسية وفي الصحيحين «فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ»، وأن نكتشف الغش والخديعة والاستئثار عن الرعية بالمال والسلطان وإثقال الكواهل بالرسوم والضرائب، وفي المتفق عليه: «ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ»، وأيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمْرِ أُمَّتي شيئًا فَشَقَّ عليهم، فَاشْقُقْ عليه» (رواه مسلم:1828).

كان من المنتظر أن نكتشف الاستكبار في الأرض والتعاظم على عباد الله من الفقراء والعمال والمعوزين والمحتاجين والضعفاء وغيرهم الذين بسببهم تدفع الآفات والمصائب وبدعائهم يستمطر المطر من السماء.

وفي حديث ابن عمر: «من تعظَّم في نفسِه أو اختال في مِشيتِه، لقيَ اللهَ تبارك وتعالى وهو عليه غَضبانُ» (البخاري:549)، وفي الحديث الآخر: «مَن ضارَّ أضرَّ اللهُ بهِ ومَن شاقَّ شقَّ اللهُ علَيهِ» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه).

كان من المنتظر أن نكتشف ونعالج تلك الأمراض الفتاكة التي تفتك بمجتمعنا وتحتاج إلى اليد الحانية التي تعالجها وتشخصها وتجعلنا أمام أنفسنا في العراء وجها لوجه.. وقد كان في هذه الموضوعات وغيرها غنية أي غنى عن إثارة المعارك الحامية مع الآخرين، إن الكل مندهش من هذه الحملة الصحفية الكويتية.. خاصة على شباب الدعوة الإسلامية.. إن الشباب المستهدفين من هذه الحملة الظالمة الأثمة هم عمار المساجد وهم أهل حلق الذكر.. وهم طلاب العلم.. وهم حملة الدعوة.. وهم الملتزمون بالسلوك الإسلامي المتحمسون لقضية الدعوة إلى الله تعالى أكثر من غيرهم.

وهذه الحملة تتركز غالبًا حول محورين:

 المحور الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبب هذا الهجوم هو الإعلان عن إقامة هيئة شرعية أهلية محتسبة تقوم بمحاولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة الطيبة، وكل ما عملته تلك الجمعية أو تلك الهيئة هو أنها أصدرت بعض الخطابات وبعض الإعلانات وبعض الدعوات الكريمة الطيبة التي لا تعدو أن تكون أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بالكلمة فقط عبر قصاصة صحيفة أو إعلان يعلق بمكان معين لم يتعد ذلك..

ولكننا وجدنا حملة ضارية شرسة على مثل هذا اللون من النشاط، رغم أن جهاز الهيئة على أتم استعداد لتلقي أية شكوى حقيقية من إنسان، والنظر فيها ومعرفة أبعادها، وإذا ثبت أن هناك إنسانًا تجاوز أو أخطأ فسوف يلقي جزاءه، بخلاف كثير من الأجهزة الحكومية الأخرى فإنه من الصعب أن تتقبل شكاوى المواطنين، وقد حصل هذا لي ولغيري.. فنحن نجد كثيرًا من الأجهزة يقول: لا أستطيع وإن كنت أعتقد أنه يمكن أن يقع الخطأ، لكني لا يمكن أن أتقبل أية شكوى لأن هذا سوف يفتح علينا بابًا واسعًا.

(البقية في العدد القادم)

  • موجز لمحاضرة ألقاها د. سلمان بن فهد العودة في المملكة العربية السعودية.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

142

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الاتجاه الصهيوني في التليفزيون!

نشر في العدد 224

109

الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

دار الرعاية الإسلامية بلندن