; حصن الإسلام ومعقله | مجلة المجتمع

العنوان حصن الإسلام ومعقله

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993

مشاهدات 69

نشر في العدد 1037

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-فبراير-1993

رسائل الإخاء

جزيرة العرب: مهوى الأفئدة وحصن الإسلام

مكانة الحرمين وقدسية الدار

جزيرة العرب هي دار العروبة وعقر دار الأمة الناطقة بالضاد.. والمركز الذي تفرقوا منه إلى سائر البلدان والملجأ الذي يلجأون إليه إذا نبا بهم الدهر، وتبدل المد بالجزر، وحسبك أنها دار الإسلام الأولى والآخرة، ومهوى أفئدة الملايين من المؤمنين جعلها الله في قلوبهم مثابة وأمنًا، فلا يوجد مسلم على وجه البسيطة إلا وقلبه شغوف بحب البيت، وجواره مشغول بنصرة حماته وعماره ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ تلك مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، حرام أن يسفك فيها دم أو يعضد شجرها أو ينفر صيدها أو يختلي خلاها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف ولا تشد الرحال إلا إليها بقصد العبادة، الصلاة فيها بمائة ألف فيما سواها هي خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله يجبي إليها ثمرات كل شيء ولا يخاف فيها الضيعة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.

وفيها مهاجر النبي الأمين ذلك الحرم الآمن «المدينة حرم من عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثًا أو أوى مُحدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً» (البخاري ومسلم) «ولا يصبر على لأوائها وشدتها إلا كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا» (مسلم) و"المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها. وتنفي شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد – والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" – كلها في البخاري ومسلم.

 يسمونها يثرب ويسميها رسول الله صلى الله عليه وسلم طابة وطيبة «لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسنْجَة (موضع) فترجف مدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق» (متفق عليه) فيها بقعة من رياض الجنة بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره وفي غربة الإسلام لا يجد المؤمنون مأوى إلا بين المسجدين مكة والمدينة يجتمع فيها الدين ويأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها، فهذا شأن الحجاز ومستقبله، وكونه مأرز الإسلام ومعقله وحصنه وموئلَه، عندما يشتد على المسلمين البغي والعدوان، ويركبون المناكير فيناكرهم الزمان أو تستباح بيضتهم بما أعرضوا عن هداية القرآن، أو حين يصير الإسلام غريبًا ومضطهدًا في الأقطار فلا يجد له حصنًا ومعقلًا إلا بين المسجدين فيعتصم فيه كما تعتصم الأروية (أنثى الوعل) في شناخيب الجبال.

وصية النبي بإخراج المشركين وحماية العقيدة

ولذا أوصى النبي- صلى الله عليه وسلم- عند موته بثلاث أولها: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.. متفق عليه وعزم أن ينفذ ذلك بقوله: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا» رواه مسلم. وفي رواية الترمذي «لئن عشت إلى قابل أو قال إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» وآخر عهده بالدنيا عند وفاته صلوات الله وسلامه عليه وآخر كلام تكلم به هو «ألا يترك بجزيرة العرب دينان – أخرجوا يهود الحجاز ونصارى نجران من جزيرة العرب» ووفى عمر- رضي الله عنه- بوصية النبي حيث أجلاهم إلى الشام.. حفاظًا على نقاء هذه البلاد من ألوان الفساد.

جزيرة العرب: مركز العطاء الإسلامي الحديث

والآن وقد تفجرت من تحتها الخيرات وأكرمها الله تعالى بخزائن الدنيا، ومنَّ عليها بمزايا عديدة وخصائص فريدة إضافة إلى ما حبا أهلها من مميزات على سائر الشعوب من سجايا كريمة وصفات حميدة، وبارك في صحوتها الإسلامية فغدت أنموذجًا يحتذى في البذل والعطاء وفي الوعي والوسطية والاعتدال والعلم والثقافة والالتزام بمنهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والسلوك، إضافة إلى عطاء مؤسساتها وجامعاتها وأوعية النشاط الإسلامي والإعلامي فيها، وهذه الظروف المهيأة جعلت منها سبيل خير لتوعية الشعوب، ودعم الحركات الإسلامية وتهيئة القيادات الإسلامية الذين تربوا في ربوعها وانطلقوا دعاة في أوطانهم، واستضافة المشردين والمهاجرين حتى غدت وطنهم الثاني، فاستوعبت هذه الطاقات الإسلامية والكفايات العلمية واستفادت منها وأفادت، وما من قضية إسلامية إلا سارعت بلاد الجزيرة لنصرتها، تنصر كل مظلوم وتغيث لهفة كل مستضعف وتقدم فلذات أكبادها وزهرة شبابها للجهاد والاستشهاد لم يردهم ترف أو يبطرهم غنى وتجند كل الطاقات في سبيلها إعلاميًا وماديًا ومعنويًا ولا ينكر ذلك إلا مكابر معاند جاحد، وفي أصالة فهم دعاتها ودورهم في بث العلم الشرعي ونصرة القضايا الإسلامية دور لا ينكر ولهذه الأدوار الرئيسية التي تنطلق من جزيرة العرب كثفت عليها المؤامرات لاستنزاف مواردها، وإلهاء شبابها، وضرب دعاتها، وقطع علاقاتها الإسلامية بقضايا المسلمين، وإشغال دعاتها بالتحريش بينهم ولكن الله- سبحانه- سيحمي هذه الدار وللبيت رب يحميه ولكن على حماة الدين أن يفقهوا ويعوا دورهم جيدًا وأن يحرصوا على الاستفادة مما حباهم الله به وينفعوا به إخوانهم في كل مكان.

البعد المكاني في السيرة النبوية.. لماذا الجزيرة العربية؟


 

الرابط المختصر :