العنوان حضارة القبور .. وحضارة النشور
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1398
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 02-مايو-2000
ملأت الشياطين والأبالسة التاريخ بالخداع والدجل، وسحرت أعين الناس، واسترهبت أفكارهم وجاءت بسحر عظيم، يقرر أنهم ملائكة ويردد أنهم أنبياء ورسل الهدى في أقوالهم. والتنوير في أفكارهم، وقد اخترعوا لذلك كثيرًا من الألفاظ والمسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان كالحضارة والمدنية والتنوير والحداثة والحقيقة التي ظهرت للعيان أن أصحابها ما استطاعوا حتى هداية أنفسهم، ولا إنارة عقولهم وأفكارهم، وأن الأفكار والمذاهب والوسائل التي قالوا بها وتبنوها وبشروا بها قادتهم إلى الهاوية، وكانوا هم بمثابة حفاري القبور الذين يروجون لدفن الموتى ومواراة الجثث للمجتمعات كم زور التاريخ السراب فجعله ماء، والانحدار فجعله صعودًا، والظلام فجعله نورًا يكاد برقه يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه حتى إذا أظلم عليهم قاموا، ولو شاء الله الذهب بأسماعهم وأبصارهم.
وكم من نهضات وأفكار لفتت الانظار فإذا بها بعد حين تصير رمادًا تذروه الرياح، فثورة غاندي التي هام بها كبار المفكرين في الهند والتي كانت رسالتها في مفاصلة المستعمر بمثابة النور المختلف أنحاء العالم، وللملايين الواثقين به نبذت حتى قبل موت غاندي من قبل سياسيين ليس لهم أي افق سوى العمل البرلماني الإنجليزي والتخطيط السوفييتي.
وأثارت الثورة الثقافية الصينية لبعض الوقت حماسة أكثر المناضلين شبابًا حين تخيلوا أنهم وجدوا فيها ميلاد عالم جديد، فلم تعش هذه الثورة إلا الربيع واحد، ثم انزلقت إلى البراجماتية وإلى التعصب المقيت، وترنحت وانحدرت الصين كلها إلى اقتصاد السوق والانفتاح بدلًا من الاشتراكية والحضارة الغربية اليوم يكتب عنها «مالرو»، فيقول حضارتنا هي الأولى في التاريخ، التي إذا طرح السؤال الأهم «ما معنى الحياة؟»، أجابت «لا أعرف»، وعلى مدى القرن فشلت كل المحاولات للإجابة».
إن الحضارة الغربية اليوم تحفر قبرها كما حفرت الشيوعية من قبل قبرها، لقد أرهقت العالم عسكريًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، واذلته بهيمنتها وسطوتها، وتولية عملائها على الشعوب وحمايتهم، وأرهقت العالم بإجباره على تسليم مقدراته واقتصاداته، وفتح أسواقه لمنتجاتها والقضاء على صناعاته حتى لا تكون هناك شبهة منافسة، وأرهقت العالم بمحو الأخلاق والقضاء على المثل، وإشاعة الجنس والشذوذ والتسيب وإدمان المخدرات والجريمة.
نشرت جريدة «جنيف»، في 9 فبراير 1990م إحصائية عن استهلاك الأمريكان للمخدرات، فقالت: كان استهلاك الكوكايين في الولايات المتحدة ٨٥ طنًا في عام ١٩٨٤م و ١٢٥ طنًا في عام ١٩٨٥م، و ٢٥٠ طنًا في عام ١٩٨٦م، وإذا أردنا أن نحسب اليوم كم تستهلك الولايات المتحدة نجدها تستهلك ما يقارب ۹۰۰ طن، ويوجد الآن ۳۰ مليون مدمن مخدرات، وتستوعب الولايات المتحدة 80 % من المبيعات العالمية للمخدرات، واكدت دراسات البروفيسور راينج الاقتصادية في جامعة هارفارد، أن المخدرات في الولايات المتحدة أصبحت واحدة من القطاعات المهمة في الاقتصاد الأمريكي على نفس مستوى الإلكترونيات والسيارات والصلب.
وعلى هذا فبالرغم من التقدم الصناعي والتكنولوجي الكبير إلا أن الضنك الذي يفتح عليهم والهلاك الذي يحيط بهم كبير، وصدق الله:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (طه: 124).
والضنك الذي يعيشه الغرب رغم ما فتح عليه من كل شيء يتمثل الآن في القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية، والخمر والمخدرات والجريمة والإيدز، وما قد يجد من أوبئة وأزمات وكوارث من كل حدب وصوب. سواء كانت أزمات حزبية أو فكرية.
وخلاصة القول إن الغرب اليوم يملك كل وسائل القوة المادية، ولكنه لا يملك القدرة على الاستمرار، لأنه خاو من العوامل التي يكتب الله لأصحابها الاستمرار، وهي الإيمان، والخلق. والعمل الصالح، والهدوء النفسي، ولقد قال ألكسيس كاريل: إن هذه الحضارة آيلة للانهيار، وليس معنى أنها آيلة للانهيار أنها ستنهار غدًا، فمازال في هذه الحضارة من العوامل ما يمكن أن يمد لها فترة من الزمن مثل عبقرية التنظيم والجلد على العمل، والحرص على الإتقان، والقدرة على التخطيط، فضلًا عن كون البديل الحضاري الذي يؤدي ظهوره إلى سرعة انهيار تلك الحضارة لم يظهر بعد. ولا شك أن الإسلام هو المنقذ الذي يملك ما تحتاج إليه البشرية وتتطلع إليه.
يقول الأمير تشارلز - ولي عهد بريطانيا - في محاضرة القاها في قاعة المؤتمرات بوزارة الخارجية البريطانية في ديسمبر عام ١٩٩٦م إن المادية المعاصرة تفتقر إلى التوازن، وأضرار عواقبها بعيدة المدى وفي تزايد ..
إن النظام الإسلامي يحكم الحياة بقوانين إلهية فاعلة، لا تغفل العقل ولا طبيعة الجسد والروح، ونظام الدين عندنا لا يحصل إلا بنظام الدنيا، كما أن نظام الدنيا ليس مبتوتًا عن الخالق ولا مقطوعًا عن ظواهر الطبيعة واسرارها، والمسلم ينظر إلى إحسان الدنيا باعتباره واجبًا شرعيًا وينظر إلى أسرار الكون بكونه فتحًا إلهيًا وينظر إلى الحياة على أنها مخلوقة لخالق والانتصارات العلمية فيها تزيد العقل إيمانًا، لا تمردًا، والمباحث العلمية تكليفات إلهية والأخلاق والاستقامة، وأعمال الخير وإنصاف المظلوم، وإقامة العدل والإخلاص في العمل قربى إلى الله، وعبادة توصل إلى النجاة في الدنيا والآخرة، فالدنيا مرتبطة بالعقيدة والإصلاح مرتبط بالإيمان والسياسة والحكم مرتبطان بالقيم والإنسان المسلم له وازع من نفسه وإيمانه ومراقب من ربه، ومن الدولة والأمة، ولقد عرف الإمام أبو الوفاء ابن عقيل السياسة بقوله: هي ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد.
فالإسلام مترابط عضويًا بين السبل والحكمة، والوسائل والغايات والأعمال والقيم والأخلاق، ولهذا تنشأ الحياة مستقيمة لا يتوزع الإنسان بين الدين والدنيا، ولا بين الروح والجسد فلا تناقض ولا تقابل بين المتضادات والمتناقضات، وقد بعثت هذه الحضارة على مدار التاريخ أممًا كانت في الحضيض ورفعتهم إلى عنان السماء وجعلت منهم خير امة، فكان الفرق كبيرًا بحق بين حضارة القبور، وحضارة النشور.. فهل يستطيع المسلمون اليوم حمل هذه الحضارة إلى العالم؟ نسألُ اللهَ ذلك..