; حضارة وحضارة | مجلة المجتمع

العنوان حضارة وحضارة

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر الجمعة 18-يونيو-2004

مشاهدات 50

نشر في العدد 1605

نشر في الصفحة 45

الجمعة 18-يونيو-2004

إنه حديث ذو شجون عن بطل قعيد، سبق الأصحاء الأشداء في مضمار العطاء والابتلاء، وشهاب مضيء بعين كليلة رأي السبيل واضحًا جليًا، فكان هاديًا ومرشدًا، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).

وإن عجبت فاعجب من حضارة، إن جاز التعبير، شوهاء تنتفض إذا أوذي حيوان، أو حبس جرو في سيارة، وتعتبر ذلك فعلة شنعاء، بل وتعاقب عليها بنص القانون، ولا ترى حرجًا في تمزيق جسد شيخ قعيد ضعيف، لا تتحرك فيه إلا شفتاه!!

ولسنا ممن ينظرون للأمور على عواهنها، ولا يتناولها بالتفسير السطحي الذي لا يحيطها من كافة جوانبها.

فقد عجبت من هذه المفارقة، وأثارت في نفسي حادثة غريبة وقعت في إحدى العواصم العربية، حيث لم يذهب ممثل، أي ممثل من السفارات الأوروبية كلها إلى العزاء في الشيخ أحمد ياسين الذي نظمته السفارة الفلسطينية.

قد يقول قائل: ربما بسبب دواعي الأمن!! لكن ذلك مردود عليه فجميع السفارات قد تقع في حي واحد أحيط بسياج قوي من الأمن ورجاله: هل هذه هي الدبلوماسية الجديدة؟ هل خضعت أوروبا بميراثها التاريخي إلى السيد الأمريكي؟ هل وزع تعميم بهذا المعنى؟ ابن عراقة أوروبا ودفاعها عن حقوق الإنسان والحريات؟ هل وراء ذلك الحرب الصليبية الجديدة التي أعلنها الرئيس بوش الابن صراحة في تصريحاته وخطاباته؟!

أم أن في الأمر سرًا دفينًا تراه النخبة القائدة في أوروبا وأمريكا، ولا يراه البسطاء من قومنا؟

وبالبحث والتفكير وجدت الإجابة الشافية في قول الرسول ﷺ، وفي دراسة للتاريخ لـ«أرنولد توينبي» كيف كان ذلك، فلنقرأ الحديث ولنسمع لمقولات المؤرخين:

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يوشك الأمم أَن تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأكلة إلى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ: ومن قلة نَحْنُ يَومَئذ؟ قَالَ بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليَقْدَفَنَّ اللَّهُ في قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت»، «سنن أبي داود».

إذًا أصل الداء محبة الدنيا وكراهية الموت، وما ترتب على ذلك من وهن وضعف حتى انتقلنا من أمة شاهدة إلى أمة مشهودة، حيث بضعفنا وذلنا استقوى علينا الآخرون وصاروا ينظرون إلينا من عل.

والدارس لقصة الحضارة وتاريخها يجد أن مؤرخيهم يؤكدون قيام الحضارات وشيخوختها ومن ثم هرمها وزوالها، ويؤكدون أنه لا علاقة بين التفوق المادي واستمرار الحضارة.

فقد تظهر حضارة وتصل إلى قمتها ثم تزول ولا يبقى لها أثر مادي، والحضارات المادية تحمل دائمًا في طياتها بدور فنائها وانهيارها، وها هي الشيوعية قد سقطت وسبقتها حضارات كثيرة قامت ثم انتهت.

واعتبر «أرنولد توينبي» أن الشيوعية صورة أخرى من الحضارة الغربية وليست نقيضًا لها، لكن الإسلام هو النقيض الحقيقي، والواجب القضاء عليه، لكيلا يكون وريثًا للحضارة الغربية الشمطاء.

ولهذا فإن المسلمين مدعوون إلى استنهاض عزائمهم والعودة إلى دينهم فإن قوتهم تكمن في تمسكهم بدينهم ودفاعهم المستميت عنه، فلا عزة لنا في غيره، ولا بقاء لنا من دونه.

إن الشهيد أحمد ياسين أدرك أن قوته في تمسكه بدينه وذوده عنه. فهلا اتبعنا خطاه وسرنا على دربه، هذا الرجل البطل الذي حبب الشباب في الاستشهاد دفاعًا عن الأرض والعرض، وضرب نموذجًا رائعًا في التضحية والفداء.

أليس هو الذي ساعد النبتة اللينة، حتى استوت على سوقها، تعجب الزراع لتغيظ الكفار.

أليس هو الذي صنع من أبناء الأمة سلاحًا استشهاديًا رادعًا للصهاينة الغاصبين الذين يمتلكون أسلحة دمار شامل؟

أليس هو من أوقد جذوة ذلك وأعان عليه؟

أليس هو بمرجعيته الإسلامية النابضة بالحيوية وثقة الشباب في حسن تقديره ونظرته الثاقبة، الذي حدد الهدف بدقة وأعلن أنه لا بندقية إلى الصدر الفلسطيني؟

أليس هو الذي أحيا القضية في ضمير الأمة وحدد العدو الحقيقي للأمة وهو الكيان الصهيوني الذي يجب أن توجه إليه كل طاقات العداء؟

الآن تتضح الصورة بلا غبش ولا تسطيح: فليس المحافظون الجدد هم وحدهم الخائفون من الإسلام، بل أوروبا تخشى من أن يرث الإسلام حضارتها العجوز. لذا وجب أن يقتل ياسين والرنتيسي ومن يحذو حذوهم بالصواريخ والأباتشي والإف ستة عشر وسبعة عشر، وقل ما شئت.

وكلمة أخيرة لحكماء الغرب وعلمائهم فنحن لا نزال نأمل في عقلاء القوم أن ينظروا للإسلام نظرة أخرى بعين سليمة، ورؤية واعية ليروا الخير فيه، ففيه الشفاء الناجع لكثير من أمراضهم المزمنة والمستعصية على الحل، إذ الأولى بمن أدركوا تفرد الإسلام وتميزه بين الحضارات كلها، بقدرته وحيويته على البعث بعد الوهن، أن يدرسوا خصائصه الذاتية الفريدة، وعالميته الشاملة، فيشربوا من ينبوعه السلسال، ونهره العذب بدلًا من محاربته، ومحاولة إزالته وهيهات هيهات فحضارتنا الإسلامية برعاها الله، وحضارتهم تنخر فيها الازدواجية والمظالم ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

128

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

126

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟