العنوان حقائق في وثائق: محاورة مع نصيري متنصر
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987
مشاهدات 54
نشر في العدد 824
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-يوليو-1987
لعلي تحدثت في فصل سابق عن ذلك المبشر البروتستانتي الذي يدعى صقر يوسف، وهو واحد من نصيرية الجبل المعروف قديمًا باسم جبال النصيرية، فصار بعد الاحتلال الفرنسي يدعى «جبل العلويين»، وذلك بعد أن أصدر محمد غالب الطويل- أحد مهاجري لواء الأسكندرون من النصيرية كتابه الذي جعل عنوانه «تاريخ العلويين».
كان صقر هذا باكورة الجهود التبشيرية في ذلك الجبل، إذ تولت بعض الإرساليات التنصيرية تربيته وتعليمه وإعداده للهجوم على الدين الإسلامي، فكانت رسائله المطبوعة في هذا الموضوع أولى التحرشات بدين الله، حشوها بالدس على الإسلام ورسوله الأعظم ظنًا منه وممن وراءه من المنصرين والمستعمرين، أن أحدًا من المسلمين لن يجرؤ فيتصدى للرد عليهم، ولكن خاب فألهم إذ لم يكن يصدر أولى هذه الرسائل، حتى تلقى الصفعات المخرسة بقلم الشيخ عثمان العسيلي عالم جزيرة أرواد. ولا أرى حاجة للتوسع في تعريفه، ففي ترجمتي للشيخ المنشورة في كتابي «علماء ومفكرون عرفتهم» ج 1 ما يغني عن ذلك. وإنما أشير هنا إلى بعض المناوشات التي حدثت بيني وبين صقر هذا في تلك الأحايين من أوائل الثلاثينيات، إذ كتبت أول مطبوعة في الرد عليه تحت عنوان: «فضائح المبشرين» ويؤسفني ألا أملك نسخة منها تتيح لي أن أقدر قيمتها العلمية والإنشائية، وقد تناولها في رده على الشيخ عثمان إذ سماني هناك، إذا صدقت الذاكرة «صاحب الرد الخيالي».
وكان في طرطوس آنذاك بقية من تعصب صليبي يصفق لكل تعرض يقوم به أي الناس للإسلام، وعلى رأس هؤلاء المصفقين فتى خياط يدعى «إدوار سابا» وهو على مستوى لا بأس به من الذكاء، ولكنه لا يحسن الجولان في هذا المضمار، فاكتفى بالتشجيع له والهتاف للقائمين به. ومن هنا كانت صلته بصقر يوسف على الرغم مما بين ارثوذكسية هذا وبروتستانية ذاك من التنافر التقليدي. وقد بلغ من نشاطه في خدمة التنصير أن استطاع انتزاع غلام اروادي كان اسمه «خليل زيادة» من هويته المسلمة، وأدخله ديانته حتى صار اسمه الجديد بعد التعميد «طوني خليل» أو شبيها بذلك.. وصدقه منصره الوعد، إذ سلمه لبعض القساوسة في طرابلس فتولى تزويده بما أهله للحياة النصرانية، ثم مدوا له أسباب المعيشة التي ما كان ليحلم بها من قبل، فزوجوه، وافتتحوا له محطة لبيع النفط على اختلاف مستخرجاته.. وما هي إلا سنوات قليلة حتى صار من أهل اليسار.. وكان هذا الغلام يودني، إذ كنت أؤمن له من العمل ما يتعيش به، فلقيته ذات يوم فسألته عن سبب تنصره فأجاب بصراحة مؤسفة: «أنا لم انتقل من الإسلام إلى النصرانية، لأني نشأت في بيئة لا شيء فيها من الإسلام، فلما تنصرت وجدتني على دين لا أعلم حتى الآن ماذا فيه من الحق والباطل...»
والغريب في أمر هذه البيئة التي يشير إليها ذلك المتنصر أنها أعطت النصرانية عدة أشخاص من النساء والرجال، وبينهم واحد كان قد التحق بالأزهر، ولكن رفاق السوء صرفوه عن المنهج الصحيح، وأحس بعض المنصرين قلقة الفكري والنفسي فاستطاعوا اجتذابه إليهم، وسرعان ما جعلوا منه واحدًا من أبواقهم المغالين في الهجوم على الإسلام.
وذات صباح جاءني إدوار هذا، يخبرني بأن صقر يوسف عنده، ويود لقائي عل ذلك يتيح لنا فرصة التهادن أو الاتفاق فلم أرفض العرض، وقلت له: بشرط أن يكون اللقاء مشهودًا من قبل أناس من الجانبين. ووافق الوسيط وعاد إلى صاحبه ليأتي به وبشهوده.
وإنما أردت بذلك الشرط سد الطريق على إدوار وصاحبه اللذين لا أستبعد أن يستغلا هذه المناسبة لإذاعة الأعاضية التي تساعدهما على التغرير بالآخرين.
وتم الاجتماع وحضره عدد من الأشخاص الذين طلبنا إليهم أن يقفوا عند حدود الاستماع دون المشاركة في النقاش.
وتركنا لصقر أن يعرض بضاعته، ثم شرعنا في بيان تزويرها جزءًا فجزءًا حتى أتينا عليها بما قطع لسانه ولم يجد مجالًا للتحرك خلاله.. وهنا انصرف عن الحوار إلى أنواع من المخارق المألوفة عند أهل الكتاب، فإذا هو يقول إن في قرآنكم سورًا تبدأ بحروف مقطعة، وحتى الآن لا نعرف مفسرًا من علماء المسلمين استطاع الكشف عن أسرارها.. وعندنا نحن المفتاح الذي يساد على تعرف هذه الأسرار.
وقلت لصقر: إذن فأنتم ترون أن في القرآن أسرارًا وأن لديكم مفاتيحها؟.
فأجاب: نعم وأنا على استعداد لفتحها أمامكم..
قلت: قبل أن تقوم بهذه التجربة أحب أن أذكرك بأن حصيلة هذا الادعاء هو إقراركم أولًا بأن القرآن حق من عند الله إلا أن من معانيه ما وقفتم إليه وعجز عنه أهل العلم من المسلمين؟!
وأطرق صقر مليًا ثم قال: هناك بعض الحق الذي لا شك فيه.. قلت إذن فأنتم كما قال الله في إخوانكم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85).
والآن فهات ما عندك من المفاتيح.
ومضى يقول: بدأت سورة مريم في القرآن بهذه الحروف الخمسة «ك هـ. ياء. ع. ص» وهي في حساب الجمل خمسة وتسعون ومئة.. ومعناها «مسيح هو الله».. لأن مجموع الحروف الملفوظة في هذه الجملة هو عشرة، وهو نفس الرقم الذي تنتهي إليه الحروف الخمسة.
ويشاء الله أن أكون من المعنيين أيامئذ بهذا النوع من التلاعيب الرياضية، فقلت: يا صقر أحب أن يكون الحوار بيننا منطقيًا يخاطب فيه العقل العقل، لا الهوى ولا الخيال، فهل أنت مستعد لذلك؟..
قال: كل الاستعداد.
قلت: ولو كلفك التحرر من أوهامك السابقة؟
قال: وأي أوهام! إنها حقائق لا مجال لردها.
قلت: حسنا.. فلننظر الآن في هذا الذي تسميه حقائق.. إن أول ما يفترض في الدليل البرهاني ألا يتقبل ما يناقضه.. أليس كذلك.
قال: أوضح ما تريد.
قلت: المفروض في دليلك ألا يتسع للخلاف، فإذا استطعنا أن نجد عبارة مضادة للمعنى الذي استخرجته من الحروف الخمسة، وتنطبق في الوقت نفسه على نفس الرقم.. أيظل برهانك مقبولًا؟!
وتوقف كأنه لم يفهم ما أريد، فقلت: لقد تعسفت في محاولتك حتى اقتصرت من العبارة على الحروف التي توافق الأرقام، وها نحن أولًا نأتيك بعبارة تامة لم نحذف من أصولها حرفًا، ومع ذلك فهي منطبقة أتم الانطباق على المئة والخمسة والتسعين دون حاجة إلى أي تعسف. هذا فضلًا عما فيها من الهدم لكل ما بنته أحلامك.. إنها الكلمة الطيبة كالشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.. إنها كلمة التوحيد.. إنها «لا إله إلا الله»..
فاحسب حروفها المنطوقة دون أن تحذف منها غير الألفين اللذين لا يلفظان- وهما ألف «إلا» وألف الوصل من اسم الجلالة- ثم أخبرنا هل بقي لزعمك من فائدة تأنس بها بعد؟! ومع ذلكم فإليك مثلًا آخر أرجو ألا يغضبك وهو قول القائل: صقر يوسف «حيوان يجهل الله» فما عليك إلا أن تعمل حسابك في حروف الجملة التي بعد اسمك لترى أنها تؤلف الرقم نفسه «195» أفبعد هذا من مستمسك لكم أو لإخوانكم من يهود في هذه المزاعم التي يقيمون عليها معظم أوهامهم!!
ولو نحن مضينا في تطبيق هذه الطريقة على كل كلام لألفيناه يستجيب لأي تأويل يحاوله المتلاعبون!.. وتنزه كلام ربنا عن مثل ذلك الهذر.
فما رأيك!.. أفبمثل هذه المخارق تقام الحجج وتؤلف البراهين؟!
واستمر في صمته.. ثم لم يلبث أن لملم نفسه ثم ودع وأشياعه منصرفين..
وتشدني هذه الذكرى إلى واحدة أخرى كان حدوثها في نفس العهد من الثلاثينيات، وكان ذلك قبيل وقت صلاة الغروب، وكنت في الطريق إلى المسجد عندما دعاني بعض الشباب ممن يحسنون بي الظن، ولما جئتهم وجدتهم يتحلقون حول أحد موزعي النشرات التبشيرية ومعهم أحد النصارى من موظفي البريد.. فقالوا: هذا الرجل يجادلنا في أمور الدين ولا نحسن الخوض فيها، فلو أمكن أن تجيبه على بعض أسئلته. فألتفت إلى المبشر قائلًا: قل وأوجز فالوقت لا يتسع للإسهاب.. وإلا فلنتواعد على فرصة أخرى.
قال: أنتم تقولون بأن الله على كل شيء قدير، فلم تنكروا عليه أن يكون أبًا للمسيح؟... أليس هو بقادر على ذلك؟! فقلت: اسمع يا هذا... إن لسؤالك تتمة لا ينبغي أن تفوتك، ومنها: لو أنك رأيت إنسانًا يزني ويسرق ويقتل ويظلم، ثم رحت تلومه على ذلك، فقال لك: هذا ما أمر به الله.. فهل يرضيك جوابه؟!
قال: طبعًا لا... لأن أوامر الله منزهة عن هذه المفاسد.
قلت: وبهذا أجبت أنت على سؤالك.. لأن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات التي لا تليق بكماله سبحانه..
وسألته: أكفاك هذا أم نزيدك؟!
قال: بل كفاني. وأعدك بأن لا أعود لمثل هذا السؤال إلا بعد أن أتزود له بالمعرفة الكافية.
وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14-15).