العنوان الإسلام..والحكومة الدينية(3).. حقوق الحاكم والمحكوم
الكاتب عمر التلمساني
تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012
مشاهدات 73
نشر في العدد 1993
نشر في الصفحة 40
الجمعة 16-مارس-2012
الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه«حكومة دينية»ولو سلمنا جدلًا بهذا الاسم على شريطة أن تحكم بما أنزل الله وما قرره رسولهﷺما الذي يضير في ذلك؟
إن الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه«حكومة دينية» في سياسته لأمور الرعية، فلو سلمنا جدلًا بشعار الحكومة الدينية، على شريطة أن تحكم بما أنزل الله وما قرره رسوله عليه الصلاة والسلام، ما الذي يضير لو قامت حكومة بهذا الشرط أيًا كان اسمها؟! ما الأخطار التي يتعرض لها الوطن والمواطنون؟!
إن الإسلام بين حقوق الحاكم والمحكوم، كما بين واجباتهما على السواء، لا شيء على الإطلاق إلا ما يتبجح به هؤلاء الكتاب من انحرافٍ لبعض حكام البلاد الإسلامية، الذين يدعون أن حكومتهم إسلامية.
إن العيب ليس عيب الإسلام، ولكنه عيب الحكام الذين يدعون تطبيقه، وهم أبعد ما يكونون عن هذا التطبيق؛ التزامًا وسلوكًا وتنفيذًا، إنني لا أتهم هؤلاء الكتاب في عقيدتهم، ولا أجرؤ على إخراجهم من دائرة الإسلام، إلا إذا أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة.
شروط الاجتهاد
إن اتهام المسلم في عقيدته جرأة على الله، لا أقربها، ولا أحب لأحد بأن يرددها، مهما ارتكب من المعاصي، وهنا أقول: إن الاجتهاد لم يقفل بابه إذا توافرت شروطه، التي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، نقلًا عن كتب الأصول:
1-العلم بالدلالات.
2-العلم بظهور المعنى وخفائه.
3-العلم بالمشترك.
4-والعام والخاص.
5-والمطلق والمقيد .
6-والمنطوق والمفهوم.
7-والأمر والنهي.
8-والناسخ والمنسوخ.
9-والحكم عند تعارض الأدلة.
10-عادات العرب وعلاقة التشريع بها وبكل حالاتهم الاجتماعية.
11-أسباب نزول الآيات.
12-ورود الأحاديث.
۱۳-والمتن والمسند.
14-الإحاطة الكافية باللغة العربية.
١٥-واختلاف اللهجات.
فهل توافر شيء من هذا عند المتعرضين للكلام في الإسلام بحجة الاجتهاد، فيحللون ويحرمون ويبيحون ويمنعون ما لم ينزل به من الله برهان؟ لا يا سادة، فإن التعرض لهذه المعضلات ليس بالأمر المباح لكل من«هب ودب»، وقال يا رب مدعيًا الاجتهاد.
إن رسول الله ﷺ حدد الحاملين للعلم في هذا المجال فقال:«يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»، وأنتم في هذه الناحية، لستم عدوله، ليس طعنًا فيكفاءاتكم، ولكنكم درستم النظريات والآراء الوضعية بتوسع وإتقان، ولم تدرسوا من الإسلام وعلومه إلا القشور، بدليل ما تكتبون عن الإسلام.
ويوم أن جاء إلى المدينة من يدعى«صبيغ» وأخذ يناقش في المتشابه، وبلغ ذلك عمر بن الخطابt، استحضره وقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأخذ يضربه بعراجين النخل على رأسه، حتى صاح الرجل حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي في رأسي، فنفاه من المدينة.
دور الحكومة الإسلامية
الحكومة الإسلامية هي التي تُطِّبق شرع الله كاملًا غير منقوص.. مقدرةًأن التحريم والتحليل ليس إليها ولكنه لله وأنها لا تملك إدخال أحد الجنة أو قذفه في النار
مسؤولية الحاكم أمام الله أضعاف مسؤولية أي فردٍ فهو إذا جار أو ظلم كان أتعسهم حظًا يوم القيامة وإن استقامَ وعدلَ كان أوفرهم أجرًا يوم الحساب
وفي غاية الإيجاز أعرض للحكومة الإسلامية ودورها في الحكم استكمالًا للموضوع، وللأمة الإسلامية أن تقول كلمتها ثم الرأي الأعلى والأول والأخير لمن بيده ملكوت كل شيء..﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ﴾(الأحزاب: 4).
الحكومة الإسلامية هي التي تُطبق شرع-الله كاملًا غير منقوص، فهل لأحد على هذا اعتراض؟ مقدرة أن التحريم والتحليل ليس إليها، ولكنه لله، وأنها لا تملك إدخال أحد الجنة أو قذفه في النار، وأن مسؤولية الحاكم أمام الله أضعاف مسؤولية أي فرد من رعيته فهو إذا جار أو ظلم كان أتعسهم حظًا يوم القيامة، وهو إن استقام وعدل كان أوفرهم أجرًا يوم الحساب.
حكمة ودقة
ليس من حق الحكومة الإسلامية أن تعتقل أو تحبس أو تعذب أو تقتل أو تؤمم أو تصادر-أو تستولي على مال أحد، إلا في حدود ما-أباح لها الله ذلك، وأنها تصرف سياستها في حدود ما أنزل الله في حكمةٍ ودقة تتناسب مع ظروف العصر وملابساته، كل ذلك داخل حدود الحل والحرمة، وقد ثبت هذا عملًا.. فرسول اللهﷺ الذي جاء بعقيدة التوحيد، صلى إلى الكعبة وعلى سطحها ما يزيد على الثلاثمائة صنم؛ لأن الوضع كان يقتضي ذلك، وجاء أبو بكرt فحارب مانعي الزكاة خشية أن يهتز أساس تشريع الزكاة في نفوس المسلمين، وفي ذلك من الإضرار بالمجتمع الإسلامي ما فيه وتبعهما عمر بن الخطابt، فأوقف حد القطع في أعوام الرمادة، كما استخدم بعض الذميين في بعض شؤون الدولة، وجعل في دواوينه الكثير من الروم؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد تمرسوا بمثل تلك الأعمال حينذاك.
إنجازات رائعة
أليست هذه إنجازات رائعة للحكومة الإسلامية؟ ولقد انتبه العالم المتحضر أخيرًا إلى أهمية النقابات في الدفاع عن حقوق أفرادها، ورأوا ذلك قمة في العدل والإصلاح، فقد سبقتهم الحكومات الإسلامية في هذا المضمار بمئات السنين؛ إذ كان لكل أبناء حرفة في الدولة الإسلامية نقيب يرعى مصالح أبناء حرفته، فهذا حي النحاسين، وهذا حي المغربلين، وهذا حي الفحامين، وغيره وغيره وغيره، ترى أي نقص يعتري دولة تحكم بشرع الله، بعد أن كانت أستاذة لدول العالم المتحضر في كل شيء، حتى الطرقات كان لها نظام والحوانيت والدكاكين كذلك.
مصالح الأفراد
وطالما نبه رسول الله ﷺ المسلمين لحقوق الطريق، وقد قام عمر بن الخطابt بإزالة كل الميازيب التي تطل على الطريق، ووضع الحكام المسلمون بعد ذلك اللوائح والقوانين التي تحمي مصالح الأفراد العاجلة، ولعل من هذا القبيل نظام المحتسب ونظام قاضي السوق.. أكل هذا تغفلونه فلا تذكرون إلا أن الحكومة الدينية شيء فظيع؛ لما ترونه من بعض الانحرافات في بعض الدول أكثرها تقوم على الأغراض الملتوية، والشائعات غير الصحيحة؟ انظروا إلى حكم الله وشرعه ولا تنظروا إلى من انحرف فتعتبروه مقياسًا تقيمون عليه محاربتكم لتطبيق شرع الله، بمثل شعار الحكومة الدينية.. اللهم أنر بصائرنا حتى لا نرى سواك؛ فنخضع له ونتبع أوامره ونجتنب نواهيه.
ماذا تنكرون على حكومة إسلامية يقول نبيهاﷺ: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم»، ويقول: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه إلا عمهم الله بعذاب»؟
ومن أعز وأكثر من الحكومة القائمة بالأمر، اتنكرون هذه الحكومة، وترضون حكومة تحمي البغاء! وتبيح القمار، وتفسح المجال للحانات، و «الكباريهات»؟! إن قلتم: نعم؛ فأنتم أهل فسق، وإن قلتم: لا؛ فأي شيء تنكرون؟!
اهتمام بالأمة
إن الإسلام يهتم بالأمة في مجموع تشكيلها، ويرضى بالحكم الذي يطبق شرع الله وما دام مستقيمًا ولو في الظاهر على الأقل لا يجاهر بمعصية، ومعنى هذا أن الفوارق الطبقية لا وزن لها أمام تقوى الله، فقد كان أبو بكر t تاجر حبوب، وعمرt تاجر أقمشة، ومع ذلك فقد حكموا الأغنياء وسادة قريش وغيرهم من العرب والروم والعجم عن طريق الاختيار، وبلغ من دقة الإسلام في التنظيم ووحدة الكلمة وجمع الشمل أن أوصى الرسول ﷺ بالتأمير في حيز الثلاثة؛ حيث يقول ما معناه: «إن كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدا منكم»، وليس بعد هذا من نظرة أسمى وأدق من هذه النظرة، في حفظ الاستقرار ورعاية المصلحة.
الحكومة صاحبة هذا التنظيم البدهي يسميها المغرضون بـ«الحكومة الدينية»، لا لشيء إلا تشكيكًا في صلاحية الإسلام وتشريعه لحكم البلد المسلم؛ خوفًا من أن يحاسبهم الحاكم بشرع الله على احتساء الخمر ولعب الميسر، وانتشار الفحشاء التي يحرصون على انتشارها عن طريق كل أجهزة الإعلام، في وقاحة وتحد لكل أوامر الله جل وعلا، ومشاعر المسلمين المقهورين على تقبل هذا السوء الذي تحميه حكوماتهم، وأنا لا أغالي، فقد كتب الكثيرون من الصالحين في هذا الأمر، وألحوا في المطالبة بتغيير هذه البرامج، ولكن لا استماع ممن بيدهم هذا التغير.. وماذا عسى أن نسمي مسؤولًا يرى شرر المعاصي يتطاير من تلك الأجهزة، فلا يعمل على إخماده، هو يسمع صراخ الصالحين المصلحين فلا يستجيب، وكأن في عينيه رمادًا وفي أذنيه صممًا .
فتنة غبراء
إني وربي لأخشى، تحت هذا الفهم أن تدركنا النذر التي تحدث عنها رسول الله ﷺ فيما يرويه عنه ابن عمر: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة، سيماهم سيماء الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله عليهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها»...«والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله.. الله»..«لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم... لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم».
حقا، إني أسال الله ضارعًا ألا تدركنا ويلات هذا الحديث؛ بسبب ما تكتبون مناهضين لقيام حكومة إسلامية تحكم بما أنزل الله؛ محتجين بشعار «الحكومة الدينية».