العنوان حقوق الطفل في الإسلام
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 93
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 09-مارس-1993
في القاهرة التقت «المجتمع» مع
الدكتور عبد الصبور مرزوق، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصري
وأمين عام رابطة العالم الإسلامي سابقًا، وسألته عن حقوق الطفل في الإسلام فقال:
من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل
أن الطفل هو المرحلة الأساسية الأولى والبالغة الأهمية في بناء إنسان الغد، وما لم
تعط مرحلة الطفولة حقها من الرعاية، فإن من الصعب، بل ربما من المستحيل، الوصول
إلى بناء الإنسان كما ينبغي أن يكون.
ولأن الإنسان في منظور الإسلام هو
المخلوق الأوحد والأعظم الذي أسجد الله له ملائكته وجعله خليفة في الأرض وأناط به
عمارتها، فمن المحتم أن تبدأ العناية بهذا الإنسان قبل أن يولد، بل حتى قبل أن
يصبح نطفة في بطن أمه، حيث أمرنا نحن المسلمين عند التفكير في الزواج أن نتخير
الاختيار الأمثل من حيث الصفات من الناحيتين البدنية والأخلاقية. وهذا الأمر على
حسن الاختيار صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في قوله: «تخيروا لنطفكم فإن
النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن» رواه ابن عساكر عن عائشة.
والإسلام الذي يعتبر طفل اليوم رجل
الغد يحسن استقبال الوليد ويحتفي بمقدمه ويتعامل معه بأسلوب حضاري، فيأمر الآباء
أن يتخيروا لأبنائهم ولبناتهم أحب الأسماء، ويحذر من الأسماء التي يمكن أن يخجل
منها الطفل حين يكبر أو تكون مما يعيره به أقرانه، ومعنى اختيار الاسم هو ملاحظة
حماية مستقبل هذا الطفل مما قد يتعرض له من أزمات نفسية أوقعه فيها الآخرون.
كما يأمر الإسلام بإقامة حفل استقبال
لهذا الوليد تقام فيه «العقيقة» -حسب إمكانيات الأسرة- ويدعى إليها أهله وأقاربه
وجيرانه والذين سبقوه من أطفال الأسرة، حتى يكون هذا تسجيلًا لمعنى التكريم
والاعتزاز الذي ينبغي أن يقابل به الطفل.
ومن حق الطفل أن يظفر برعاية بدنية
كاملة، فقد كفل له الإسلام حق الرضاعة الكافية زمنيًا باكتمال تكوينه العضوي لفترة
لا تقل عن خمسة عشر شهرًا، حيث تقول الآية الكريمة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾
(البقرة: ٢٣٣). والأصل -بحسب منطوق الآية- أن تكون الرضاعة من ثدي الأم. وفي نفس
الوقت فبمقدار ما تنشئ الرضاعة الطبيعية الطفل النشأة الأسلم صحيًا، فإنها تحميه
كذلك مما تأتي به الرضاعة الصناعية من مشكلات صحية للطفل، هذا إضافة إلى ما يقرر
كثيرون من أطباء الصحة النفسية من أن الطفل [يستوي] نفسيًا فترة إرضاعه وإحساسه
بدفء الحنان الذي يتلقاه على صدر الأم مع كل جرعة من جرعات الرضاعة.
وحرصًا على ضمان الاستواء النفسي
للطفل، فقد حذر الإسلام الوالدين في حالة الطلاق وانفصال الأم عن الأب من استخدام
«الطفل» كوسيلة ضغط من طرف ضد الآخر؛ لأن الطفل هو الذي سيكون ضحية هذا العناد
والإعنات، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا
مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَۗ﴾ (البقرة: ٢٣٣).
ومن بديع رعاية الإسلام بالطفل أنه
في حالة موت الأب فإن المسؤولية تنتقل وبشكل حاسم إلى ورثة هذا الأب من الكبار،
حتى لا تكون هناك فترة يتعرض فيها للضياع بين الأحياء والأموات.
وقد جعل الإسلام من حق الطفل على
المجتمع المحيط به -الأب، الأم، الإخوة، الأقارب- أن يتعاملوا مع طفولته بالرفق
الذي يليق بها وبالصيانة الخالية من أي سوء، فلا يسمع الطفل إلا خيرًا من الألفاظ
والعبارات، وعليهم أن يعطوه من الحنان والمودة والرفق ما يطمئنه إلى من حوله. ولنا
في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد كان يتخفف في صلاة الجماعة
بالمسجد إذا سمع بكاء طفل حتى تعود الأم التي تُصلِّي إلى إيناس طفلها.
ويواصل الدكتور عبدالصبور سرده لحقوق
الطفل في الإسلام مشيرًا إلى أنه إذا ما بدأت علاقات الطفل تمتد خارج البيت بدخوله
المرحلة التعليمية، كانت حقوقه هنا جزءًا من الحقوق العامة التي يقررها الإسلام
للمجتمع الكبير. وهنا لابد من وقفة، فمن الضروري أن تقام علاقة بين الفطرة النقية
للطفل وحقائق الدين من خلال ما يستطيع الطفل إدراكه من حقائق الكون والحياة.
ومن الضروري تمهيد عقلية الطفل
للتعايش -تدريجيًا- مع معطيات عصره وثقافة زمانه، بحيث لا يحدث انفصال بين رجل
الغد والواقع الذي يتعامل معه ويعيش فيه.
وأخطر شيء على التعليم هو العملية
الإعلامية التي يتعايش الطفل معها خارج قائمة الدراسة، فعلى أجهزة الإعلام أن تصحح
رؤيتها الخاطئة القائمة على أن الثقافة الإعلامية للطفل تنحصر في برنامج الأطفال
أو ركن الأطفال، وهذا يوجب إعادة النظر في كثير مما ينشر أو يذاع؛ لأنه يعكس
أبعادًا بالغة الخطورة على الطفل والمجتمع نفسه.
ومن الأهمية ملاحظة ما يفد على
مجتمعنا المسلم من قيم غربية لا تتفق ومعطيات عقيدتنا وطبيعة أمتنا وتقاليدها.
فإذا كان فهم الغرب لقضية «الحرية» على أن علاقة الأسرة بالأبناء تنتهي عند زمن
معين يطالب فيه الطفل بعد بلوغ مرحلة معينة أن يتولى أمور نفسه وإلا فلا علاقة
للأسرة به!
ولهذا فلكي تبلغ الرؤية الإسلامية
غايتها لابد من التمكين للتربية الإسلامية والإعلام المنضبط بقيم الإسلام، وسيجدون
فيه نعم البديل عن كل ما نتلقاه عن الآخرين دون وعي.
ويختتم الدكتور عبدالصبور عرض رؤيته
بالتأكيد على أن رعاية الإسلام للطفل لا تقتصر على مرحلة واحدة من مراحل العمر
نصطلح على تسميتها بمرحلة «الطفولة»، بل إن الإسلام ينظر إلى الطفل بوصفه رجل
الغد، ومن ثم فهو يلحظه دائمًا حتى يتسلم المسؤولية ويتأهل لحمل التكاليف الشرعية
ويدخل مرحلة التدريب على ممارسات الغد، فالإسلام مع الطفل قبل أن يكون نطفة، بل قبل
أن تتزوج أمه من أبيه.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل