العنوان حقوق الكلاب والحمير في مصر «الملغومة»
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-فبراير-1999
مصر
مصر بصحرائها الغربية والشرقية وبعض مدن القناة ملغومة بما يقرب من (٢٣) مليون لغم، أكثرها تركه في الأراضي المصرية المتحاربون من الحلفاء والألمان بعد انتهاء الحرب العالمية، والباقي تركه اليهود في سيناء وبعض مدن وقرى منطقة القناة، ويقدر الخبراء العسكريون والبيئيون ومهندسو البترول المساحة الكلية التي تغطيها الألغام بنحو عشرة بالمائة من مساحة مصر، والخطير في الأمر أن هذه المساحة تتزايد بفعل المؤثرات المناخية وعلى وجه التحديد بفعل العواصف والسيول التي تتعرض لها الصحراء المصرية، حيث تجرف بعض الألغام أمامها لمسافات بعيدة، ومن ثم تزداد المساحة الملغومة، وقد حدث مؤخرًا أن انفجر لغم في منطقة صناعية جديدة غرب الإسكندرية، وهي منطقة برج العرب لم تكن مدرجة ضمن مناطق حقول الألغام في مصر.
على أن أكثر ضحايا مصر الملغومة هم البدو الرحل أو سكان منطقة العلمين على ساحل مصر الشمالي الغربي، وحتى قرب مدينة مرسى مطروح وتقول إحصائية رسمية إن الضحايا المسجلين لانفجارات الألغام الراقدة في الأراضي المصرية بلغوا أكثر من ثمانية آلآف بين قتيل ومصاب، ويتمثل معظم الإصابات في بتر الأطراف والعمى وتشوه الوجه، والتأثير البالغ على الأعضاء التناسلية، ويقول بعض سكان الصحراء الغربية إن حالات كثيرة من الإصابات أو القتل بفعل انفجار الألغام لا يبلغ عنها أصحابها، إما جهلًا أو خوفًا من المسالمة الجنائية، وتجنبًا لمتاعب مع الأمن حيث تتوجس جهات أمنية من تجارة البعض في كميات من المواد المتفجرة التي تختزنها الألغام، ويقوم بعض الأعراب بتفريغها من جسم اللغم بعد استخراجه دون أن ينفجر بحكم خبرة طويلة في هذه التجارة.
تعويضًا عن طول التقصير:
مصر الرسمية والشعبية تشهد هذه الشهور أنشطة متعددة للفت أنظار الخارج والداخل لهذه الكارثة المهملة طيلة أكثر من (٥٠) عامًا الآن، وقد بدأ الاهتمام في العام الماضي بموافقة السلطات المختصة بسهولة وسرعة على غير العادة لمجموعة من المصريين لإنشاء جمعية أهلية هدفها الأول والأخير الدعوة لنزع الألغام الموجودة في مصر ومعالجة وتعويض ضحايا الألغام،
وتقوم الخارجية المصرية بمحاولات لإثارة القضية على المستوى الدولي في مؤتمرات نزع السلاح، ولكن الواضح أن السياسة الخارجية المصرية تلاقي صعوبات جمة في هذا الصدد.
فعلى حين تصبو الدولة إلى المساعدات والقروض والمنح الأجنبية من الدول المتقدمة وعلى رأسها بعض الذين زرعوا الألغام في أراضيها؛ تحرص تلك الدول على عدم إثارة مصر لهذه القضية في المحافل الدولية خشية أن تنجح جهود الدبلوماسية المصرية في إلزام أصحاب تلك الألغام «ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا» بعمليات نزعها.
ومن جهة أخرى فإن الاتفاقات الدولية الجديدة حول الألغام تحاشت تمامًا تناول قضية الألغام المزروعة في أراضي الدولة المحتلة، وركزت على المستقبل، حيث يتم منذ أقل من عامين تفاوض على المستوى الدولي لتحريم صناعة واستخدام الألغام الأرضية.
ويشير بعض أساتذة القانون الدولي المصريين إلى أن دولًا مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات والمتحدة والصين تحارب بشدة النص في الاتفاقات الدولية على مسؤولية الدول التي زرعت الألغام في نزعها.
ويمكن القول إن مصر -ومنذ أكثر قليلًا من عشر سنوات- بدأت تهتم ذاتيًا بعملية نزع الألغام لأغراض البحث عن البترول، وإقامة المنشآت السياحية في الساحل الشمالي الغربي، وقد أنجزت القوات المسلحة وثلاث شركات خاصة، بالإضافة إلى بعض شركات البترول- نجاحًا لا بأس به، حيث تم تطهير مناطق معينة، وتم نزع بضعة ملايين من أصل حوالي (۲۳) مليون لغم حتى الآن.
وتعد ألمانيا التي زرع قائدها العسكري الشهير روميل -ثعلب الصحراء- ملايين الألغام في مصر تعد أكثر الدول إبداء للاستعداد في المساهمة في نزع بعض تلك الألغام، وقد تلقت مصر في الشهور القليلة الماضية أجهزة متقدمة لنزع الألغام.
وشهدت مدينة الإسكندرية مؤخرًا سجالًا بين عدد من أساتذة القانون الدولي حول حق مصر في طلب التعويض عما حل بمواطنيها وأرضها والتنمية الاقتصادية عمومًا من جراء تعطيل (١٠٪) من مساحة مصر عن الإنتاج والعطاء المادي طيلة الفترة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وقد قال أغلب فقهاء القانون الذين حضروا مؤتمرًا ليوم كامل حول نزع الألغام: إن لمصر الحق في التعويض من الدول المتسببة في هذه الكارثة، بينما قال عدد قليل منهم إن الأمر ليس سهلًا؛ لأن دولة كبريطانيا مثلًا يمكن أن تحتج بأنها دافعت عن مصر ضد الغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية، كما أن مصر أعلنت رسميًا الحرب على ألمانيا، ومن ثم فإنه لا يحق لها طلب التعويض عن حرب شاركت فيها بإرادتها.
ومع هذا السجال الفقهي فقد أجمع الحاضرون على ضرورة إثارة مصر للقضية على المستوى الدولي والإنساني والإعلامي بكل الطرق، وأشار كاتب هذه السطور إلى ما فعلته العصابات الصهيونية بعد اغتصاب فلسطين من إجبار الألمان والنمساويين على دفع تعويضات باهظة لليهود على ما يزعم من اضطهاد هتلر لهم، وهو الأمر الذي بلغ درجة الابتزاز المستمر حتى اليوم.
اقتراح جديد:
ومن جهة أخرى دعا المؤتمرون كل الخبرات المصرية المتخصصة للتفكير الابتكاري في كيفية نزع الألغام بتكلفة قليلة، ومما يدعو للأسف أن المسؤولين عن عقد المؤتمر «أحد نوادي الروتاري بالإسكندرية» قد استبعدوا اقتراحًا للعبد لله بأن تجمع مصر كل ما فيها من كلاب ضالة، وأعداد كبيرة من الحمير التي تشكو بعض الجهات الزراعية أنها تلتهم غذاء الماشية ولتطلق الأعداد الكبيرة من الكلاب الضالة والحمير في حقول الألغام، لإنقاذ بني الإنسان.
السادة الروتاريون أشفقوا على الكلاب الضالة والحمير الزائدة خوفًا من أنصار حقوق الحيوانات في أوروبا وأمريكا، بينما همس أحد كبار المهندسين المتخصصين في شركة كبرى خاصة لنزع الألغام في مصر في أذني قائلًا: إن بعض الدول فعلتها، بل وقامت إحدى الشركات المصرية الثلاث الخاصة باللجوء لهذا الحل في السر، ولكنها توقفت خشية من مثل هذه الضجة المتعاطفة مع الحيوانات على حساب البشر في بلادنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل