العنوان معاهدة حظر الألغام.. خطوة جيدة.. لكنها منقوصة
الكاتب محمد عبد السلام
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1342
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 16-مارس-1999
دخلت معاهدة «أوتاوا» لحظر الألغام الأرضية – وهي المعاهدة التي تنظم التعامل مع الألغام المضادة للأفراد إنتاجًا واستعمالًا- حيز التنفيذ الفعلي مع بداية شهر مارس الجاري، وكان قد تم التوقيع على المعاهدة في العاصمة الكندية أوتاوا عام 1997م بعد مبادرة أطلقتها كندا في العام 1996م.
وتتعلق المعاهدة المذكورة بالألغام المضادة للأفراد والتي قد تبدو سلاحًا بسيطًا مقارنة بالقنابل والصواريخ، ولكن واقع الحال يقول: إن ضحايا هذه الألغام قد يتجاوز عدد ضحايا غيرها من الأسلحة الفتاكة.
وتنص الاتفاقية الجديدة على عدد من المبادئ الملزمة للدول الموقعة عليها منها:
1- الامتناع عن استعمال الألغام المضادة للأفراد أو نقلها أو إنتاجها أو تخزينها.
2- تدمير المخزون الحالي منها خلال مدة حددتها المعاهدة بأربع سنوات من تاريخ التوقيع عليها.
3- تطهير حقول الألغام خلال مدة عشر سنوات.
كما تدعو المعاهدة الدول الموقعة عليها لبذل الوسع لتأمين الرعاية الصحية لضحايا الألغام وإعادة تأهيلهم واندماجهم في المجتمع.
مراحل تاريخية: مرت قضية الألغام المضادة للأفراد بثلاث مراحل تاريخية انتهت بتوقيع اتفاقية الحظر الشامل، وتمثلت المرحلة الأولى في المبادرات الفردية التي أعلنتها بعض الدول بحظر إنتاج أو استخدام الألغام الأرضية أو تصديرها، وكانت بلجيكا الرائدة في هذا المجال، ثم تبعتها إيطاليا، كما أوقفت دول عدة استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد في تسليح جيوشها، ومنها أستراليا، وكندا، والدانمرك، وفرنسا، وجنوب إفريقيا.
وفي مرحلة موازية كان المؤتمر الدولي لنزع السلاح التابع للأمم المتحدة يسعى منذ عام 1980م لإقرار اتفاقية لحظر الأسلحة الفتاكة – ومن ضمنها الألغام الأرضية - كما اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا في ديسمبر 1996م بحث الأعضاء على إقرار اتفاقية الحظر.
ثم جاءت المبادرة الكندية في أكتوبر 1996م؛ حيث دعت كندا لعقد مؤتمر دولي لتحريم استخدام الألغام، شاركت فيه 50 دولةً، فضلًا عن حضور 24 دولةً بصفة مراقب، وكان من بينها مصر والمغرب، كما حضرت المؤتمر العشرات من المنظمات غير الحكومية (NGO’S)، وفي هذا المؤتمر تعهدت الدول المشاركة بالتوصل إلى اتفاقية ملزمة في هذا الشأن، وواصلت كندا سعيها الدولي فعقد مؤتمر آخر في العاصمة النمساوية فيينا في فبراير 1997م، ثم اجتماع ثالث في العاصمة البلجيكية بروكسل في يونيو 1997م، ثم اجتماع ثالث في النرويج عام 1998م.
ولكن هل يمكن بالفعل وضع المعاهدة موضوع التطبيق العملي؟
ما زال الطريق صعبًا وطويلًا أمام ذلك، وهذه بعض الأسباب:
1- لو كان إنتاج السلاح بوجه عام مرتبطًا بالدوافع الإنسانية لما وجدت الأسلحة من الأصل، فما الذي دعا الإنسان إلى التفنن في إنتاج الأسلحة الفتاكة؟
بمعنى آخر فإن لغة المطامع والأهواء فضلًا عن الاعتبارات الاقتصادية ما زالت أقوى من الدوافع الإنسانية، فهناك 50 دولةً تصنع الألغام، وهناك دول بحاجة إلى السلاح الرخيص الثمن؛ حيث لا يتجاوز ثمن اللغم الواحد ثلاثة دولارات، ولذا فإنهم يسمونه سلاح الرجل الفقير.
2- أن عملية إزالة الألغام مكلفة للغاية خاصة بالنظر إلى العدد الكبير للألغام المنتشرة في بعض الدول، والذي يحتاج إل ميزانيات طائلة لتطهير الأرض منه؛ لذا فإن هناك شكوكًا كبيرة، حول التزام الدول بالقيام بعملية التطهير، ويتوقع البعض أن يستمر حظر الألغام ماثلًا لعقود طويلة مقبلة.
3- أن المعاهدة لا تتطرق للألغام المضادة للدبابات أو المضادة للمركبات، وهذه لا تقل خطرًا عن الألغام المضادة للأفراد.
4- وفي حالة السعي لتطبيق هذه الاتفاقية فقد سارع بعض الدول إلى إنتاج أنواع أخرى من الألغام يسمونها الألغام الذكية، وترى الدول المستوردة للسلاح أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة من الدول المنتجة لترويج سلاح جديد بسعر أعلى.
ولم تعط الدول الكبرى أي قدوة في مجال نزع الألغام؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة، ومعها الصين وروسيا ترفض التوقيع على الاتفاقية.
الدول العربية:
يعاني بعض الدول العربية خاصة مصر، والجزائر، وتونس، واليمن، من خطر الألغام الأرضية والتي زرع بعضها دون إذن من أصحاب البلد؛ إذ لا تزال في مصر، والجزائر، وليبيا ملايين الألغام التي زرعتها الجيوش: الألماني، والإيطالي، والبريطاني، إبان الحرب العالمية الثانية، كما زرعت الألغام في اليمن أثناء نزاعات الشمال والجنوب.
وقد انضمت 5 دول عربية لمعاهدة أوتاوا، وهي: قطر، وتونس، واليمن، والجزائر، وموريتانيا.
وإذا كان من المفيد أن يكون هناك من يهتم بسلامة الأفراد وحياتهم؛ فإن الأهم ألا يقف هذا المسعى عند حد حظر سلاح واحد وترك العالم نهبًا لعشرات غيره من الأسلحة، وعلى الدول المنتجة للأسلحة المدمرة أن تراجع سياساتها ألف مرة إن كانت تسعى بالفعل لتأمين سلامة البشرية من الأخطار.
محمد عبد السلام