العنوان المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (٥) حقيقة المنافسة في النظم الاقتصادية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010
مشاهدات 52
نشر في العدد 1902
نشر في الصفحة 42
السبت 15-مايو-2010
تناولنا في العدد الماضي أهم المخالفات الشرعية في نظام التأمين التجاري التقليدي، والتي حدثت بسبب الانحراف التاريخي والتعريف القانوني للتأمين كعقد فردي، واليوم نتحدث عن المنافسة في النظم الاقتصادية، ونبدأها بالمنافسة في النظام الإسلامي.
• النظام الإسلامي قيد المنافسة النافعة بانتفاء الضرر والحسد والمزاحمة غير المشروعة
• الاحتكار والتحلل من الضوابط والقيود.. أهم عيوب النظام الرأسمالي في المنافسة
• في النظام الاشتراكي الشيوعي تتحكم الدولة في وسائل الإنتاج وتنعدم المنافسة في السوق
المنافسة في النظام الإسلامي:
المنافسة في اللغة: جاء في المعجم العربي الأساسي (1) وغيره:
-نافس ينافس منافسة فلانا في كذا : سابقة وباراه فيه، «نافسه في السباق».
-تنافس يتنافس تنافسًا : القوم في كذا : تسابقوا فيه وتباروا، «تنافس التجار في جلب الزبائن»، ﴿ وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾(المطففين: الآية 26).
- تنافسٌ: مصدر تنافس إحيائيًا ما تبذله الكائنات الحية من جهد تنازعًا في البقاء وطمعًا في السيادة.
- منافسةٌ: مصدر نافس : بذل شخصين أو أكثر أقصى جهد لتحقيق غرض ما وبخاصة حين يكون التفوق هو الهدف.
ونخلص مما جاء في معاجم اللغة في معنى المنافسة أنها : بذل أقصى الجهد لتحقيق التفوق والسيادة على الآخرين.
المنافسة في القرآن
يقول الله تعالى: ﴿يَسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خَتَامُهُ مِسْك وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾(المطففين). وفي معنى الآية الكريمة يقول المفسرون:
أولاً : يقول الإمام الألوسي رحمه الله تعالى (٢) :
وفي ذلك: إشارة إلى الرحيق فليتنافس يرغب فيه المتنافسون: الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله تعالى.
وقيل: فليعمل لأجله أي لأجل تحصيله خاصة والفوز به العاملون أي فليستبق في تحصيل ذلك المتسابقون، وأصل التنافس (٥) الخبير الاقتصادي المعروف – الديوان الأميري
التغالب في الشيء النفيس، وأصله من النفس لعزتها .
قال الواحدي: نفست الشيء أنفسه نفاسة، والتنافس تفاعل منه، كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به وقال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه، ويقال: نفست عليه بالشيء أنفس نفاسة إذا بخلت به عليه .
وفي مفردات الراغب المنافسة مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره، وهي بهذا المعنى من شرف النفس وعلو الهمة.
والفرق بينها وبين الحسد أظهر من أن يخفى، واستشكل ذلك التعلق بأنه يلزم عليه دخول العاطف على العاطف، إذ التقدير: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي في الدنيا على معنى أنه كان اللائق بهم أن يتنافسوا في ذلك، وقيل: الكلام على تقدير حرف الشرط، والفاء واقعة في جوابه، أي وإن أريد تنافس فليتنافس في ذلك المتنافسون، وتقديم الظرف ليكون عوضًا عن الشرط في شغل حيزه، وهو أنفس مما تقدم.
ونخلص من هذا الكلام النفيس إلى ما يلي:
1 – المنافسة: تكون في الشيء النفيس.
٢ -التسابق: السبق في تحصيل الشيء النفيس والتغالب فيه.
3- التنافس: تفاعل للاستئثار بالشيء النفيس، والبخل به على غيره.
4-التنافس من غير إدخال ضرر على غيره، وهذا من شرف النفس وعلو الهمة وإلا دخلت في الحسد المذموم، وتمنى زوال نعمة الغير.
قيد المنافسة النافعة المطلوبة انتفاء الضرر والحسد المذموم والمزاحمة غير المشروعة، يقول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾ (الفلق: الآية 5)، وفي معناها يقول الألوسي يرحمه الله (۳) : أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادئ الإضرار بالمحسود قولاً وفعلاً .. والحسد قد يصل إلى حد الإهلاك.
وليعلم أن الحسد يطلق على تمني زوال نعمة الغير، وعلى تمني استصحاب عدم النعمة ودوام ما في الغير من نقص أو فقر أو نحوه، والإطلاق الأول هو الشائع، والحاسد بكلا الإطلاقين ممقوت عند الله تعالى عز وجل، وعند عباده آت بابًا من الكبائر على ما اشتهر بينهم.
ويطلق الحسد على الغبطة مجازًا، وكان ذلك شائعًا في العرف الأول، وهي تمني أن يكون له مثل ما لأخيه من النعمة من غير تمني زوالها، وهذا مما لا بأس به ومن ذلك ما صح من قوله ﷺ :«لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله تعالى مالا ، وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس».
ويقول الإمام الطبري يرحمه الله تعالى (4): اختلف أهل التأويل في الحاسد الذي أمر النبي ﷺ أن يستعيذ من شر حسده به، فقال بعضهم : ذلك كل حاسد أمر النبي ﷺ من شر عينه ونفسه .
أمر النبي ﷺ بهذه الآية أن يستعيذ من شر اليهود الذين حسدوه، ولم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا حسدهم.
وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال: أمر النبي ﷺ أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد فعابه أو سحره أو بغاه سوءًا .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله عز وجل لم يخصص قوله : ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾ دون حاسد بل عم أمره إياه بالاستعاذة من شر كل حاسد، فذلك على عمومه .
ويقول سيد قطب يرحمه الله (5) الحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها، وسواء اتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الغيظ والحقد، أو وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شرًا يمكن أن يعقب هذا .
المنافسة والمزاحمة غير المشروعة
إذا انتفت القيود السابقة من المنافسة صارت منافسة ومزاحمة غير مشروعة، أي صارت منافسة ضارة، ولهذا نهى رسول الله مثلا عن أن يبيع الناس بعضهم على بعض فقال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض »(6).
كما ورد عنه ﷺ : «لا يبع الرجل على بيع أخيه ... » (۷)، ومعنى البيع على بيع البعض أن يتفق شخصان على ثمن سلعة فيجيء آخر قبل لزوم العقد ويقول للمشتري: أنا أبيعك مثلها بأنقص من هذا الثمن، أو أبيعك خيرًا منها بهذا الثمن، أو بأقل منه ونحو ذلك»(8).
ولا شك عندنا في أن بيع البعض على بيع بعض من المزاحمة والمنافسة غير المشروعة ولقد كان القانون التجاري الكويتي ينص في المواد ( ٥٥،٦٠) قبل تعديلها على المزاحمة غير المشروعة وأحوالها، ثم أضيفت ست مواد جديدة بأرقام ٦٠ مكرر (أ) – مكرر (هـ) (9) بعنوان: «المنافسة غير المشروعة والاحتكار».
المنافسة في النظم الاقتصادية الوضعية
أولاً: حقيقة المنافسة في النظام الرأسمالي :
المنافسة نظام من العلاقات الاقتصادية ينطوي تحته عدد كبير من المشترين والبائعين، وكل منهم يتصرف مستقلا عن الآخرين للبلوغ بربحه إلى الحد الأقصى، ولا تخضع الأسعار في هذا النظام إلا لتفاعل قوى اقتصادية متحررة من أي قيد يفرض عليها، وهذه هي قوى العرض والطلب من جانب كل من البائعين والمشترين بمجموعهم (١٠).
وعلى هذا، فالمنافسة شكل من أشكال هيكليات السوق، حيث تتميز السوق بعدد من الباعة والمشترين يتنافسون على بيع أو شراء سلعة أو خدمة، بحيث لا يستطيع أي مشتر أو بائع بمفرده دون تواطؤ مع مشترين أو باعة آخرين أن يؤثر على السوق.
ومن ثم تعتمد المنافسة على تعدد المسوقين وتنافسهم لكسب العميل بالاعتماد على أساليب مختلفة كالأسعار، والجودة والمواصفات، وتوقيت البيع، وأسلوب التوزيع والخدمة، وكسب الولاء السلعي، وغيرها (11).
أهم أنواعها :
-والمنافسة قد تكون غير كاملة imperfect أو احتكارية monopolistic إذا لم يتوافر عنصر التجانس بين وحدات السلع، واستطاعت المنشأة أن تتحكم بعض الشيء في تحديد الناتج والثمن.
- وقد تكون المنافسة كاملة perfect أو حرة free أو غير محددة، وتتسم بافتراض كثرة عدد البائعين والمشترين وتجانس المنتج، وحرية الدخول إلى السوق، ومعرفة المتعاملين في السلعة بالظروف السائدة في السوق وحرية تنقل الموارد الإنتاجية وانعدام تكاليف النقل (12)، على أن يلاحظ أنه في سوق المنافسة الكاملة يمكن أن يظل عدد قليل من المنتجين يحققون أرباحًا استثنائية في الأجل الطويل بسبب تمتعهم بميزة إنتاجية لا يمكن أن تتحقق لباقي المنتجين، مثل: القرب من الأسواق، أو من مصادر المواد الخام (۱۳) – ولكن على الرغم من بعض المزايا فإنه يعاب على هذا النظام المنافسة الحرة ما يضعف قدرته على تحقيق التوزيع الفعال للموارد بمعنى أنه سوف يؤدي إلى إنتاج مجموعة من السلع والخدمات التي تؤدي إلى تعظيم إشباع المستهلكين لحاجاتهم المتعددة، ويعاب عليه أيضًا عدم تطوير الفن الإنتاجي.
والشروط التي يجب أن تتحقق حتى تكون السوق في حالة منافسة كاملة شروط غير واقعية، حيث القليل من الأسواق يمكن أن يتفق وجميع هذه الشروط.
-وعلى أساس عدم واقعية شروط المنافسة نشأت نظريتا المنافسة الاحتكارية Monopolistic competition ونظرية الاحتكار المتعدد.
وحتى اليوم يوجد اختلاف في الرأي حول درجة واقعية النموذج الخاص بالمنافسة الكاملة، حيث إن الاعتقاد بكفاءة الاقتصاد القائم على السوق الحرة يتوقف على مدى الاعتقاد بإمكانية تحقيق التطابق بين أي سوق والنموذج التنافسي الكامل بشروطه السابقة.
وتقوم المنافسة الاحتكارية كهيكل من الهياكل المختلفة للسوق على:
_افتراض تداخل عنصري المنافسة والاحتكار معًا إذ إن كل منتج في صناعة معينة يتمتع بدرجة ضئيلة من الاحتكار نتيجة لتنوع المنتج، ولكنه يتعرض لدرجة كبيرة من المنافسة نتيجة لكثرة عدد المنتجين الآخرين.
-وعلى افتراض تنوع المنتج وكثرة عدد المنتجين.
- استطاعة المنشأة أن تتحكم بعض الشيء في تحديد الناتج والسعر.
ويلاحظ أن سوق المنافسة الاحتكارية قد تكون أكثر الأسواق وجوداً في الحياة الواقعية، وعلى الرغم من ذلك وجهت إليها عدة انتقادات أهمها :
أن المجتمع يتحمل نفقات الحملات الإعلانية الضخمة التي ينفقها المنتج لجذب المستهلكين وهذا الإعلان بدوره يتطلب استخدام موارد من عمل ورأسمال وتنظيم، وهذه الموارد لن تضيف جديدا لأنها مجرد نفقات دعاية على السلع الموجودة فعلاً.
وتعتبر المنافسة الاحتكارية من أهم أشكال وأنواع سوق المنافسة غير الكاملة، وكذلك تعتبر سوق احتكار القلة.
احتكار القلة oligopoly
تعتبر سوق احتكار القلة الصورة الشائعة للمنافسة غير الكاملة وتتوافر هذه السوق عندما يحتكر إنتاج السلعة عدد قليل من المنتجين، ويمكن التمييز بين شكلين من . أشكال هذه السوق، هما:
-احتكار القلة التام perfect oligopoly :
وفي هذه الحالة تكون السلعة المعروضة في السوق متجانسة، ومن ثم يسود بالنسبة لها ثمن واحد، وعلى ذلك لا يتوافر للمستهلكين عنصر تفضيل سلعة على أخرى في هذه السوق.
- احتكار القلة غير التام imperfect oligopoly :
وفي هذه الحالة تكون السلعة المعروضة غير متجانسة، ومن ثم تستطيع بعض المشروعات أن تقوم بتخفيض ثمن السلعة ولكن ذلك يكون فقط بصفة مؤقتة مما قد يؤدي إلى حدوث «حرب في الأسعار»، أو حدوث حملات إعلانية مصحوبة بتقديم مكافات وجوائز وعينات مجانية أو كوبونات للمستهلكين.
الخلاصة
واستنادً إلى ما تقدم في أنواع المنافسة في النظام الرأسمالي نستطيع القول: إنه باعتبار معيار السلع والخدمات؛ نستطيع أن نقسم المنافسة إلى منافسة كاملة في حالة تجانس المنتج، ومنافسة غير كاملة في حالة عدم تجانس المنتج ووجود سلع وخدمات بديلة، وفي هذه الحالة الأخيرة نستطيع أن نفرق بين حالتي المنافسة الاحتكارية واحتكار القلة بشقيه أو بنوعية.
ولا يخلو أي نوع من المنافسة من الأنواع السابقة من النقد ومن الآثار الضارة التي تترتب عليه .
ثانيًا : حقيقة المنافسة في النظام الاشتراكي:
يقول «كارل ماركس»: توجد أوقات في التاريخ الاقتصادي للأمم؛ نجد كلا يحاول أن يربح دون أن ينتج هذه الأوقات تحمل في ثناياها شخصية المنافسة (١٤).
وبناءً على الأسس التي يقوم عليها النظام الدولة في وسائل الإنتاج وملكيتها لها تنزوي المنافسة في أشكالها من السوق، وفي هذا النظام على نحو ما سيأتي بيانه في الأعداد القادمة .
الهوامش
(۱) ص ۱۲۱۵ وما بعدها.
(۲) روح المعاني للألوسي ۷۹/۳۰ ط. دار إحياء التراث العربي.
(3) روح المعاني ٤٨٢/٣٠.
(٤) الطبري، ص ٤٣١.
(٥) الظلال، ص ٤٠٠٧.
(6) أخرجه مالك وأحمد عن عبدالله بن عمر (انظر: الموطأ ج ۲، ص ۳۸۳، ومسند أحمد، ج۲ ص ٧-٦٣، كما أخرجه البخاري بلفظ: «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه»، ج ۲، ص ١٦، صحيح البخاري.
(۷) صحیح مسلم، ج ۳، ص ١١٥٤ – سنن ابن ماجه، ج ۲، ص ۷۳۳.
(۸) انظر: فتح القدير لابن الهمام، جه. ص ۲۳۹ المنتقى للباجي، ج ۵، ص ۱۰۰ مغني المحتاج للشربيني، ج ۲، ص ۳۷ المغني لابن قدامه، ج4، ص ١٣٥ مشار إليها في د. أحمد الدريوش أحكام السوق في الإسلام، ص ۲۷۱، وما بعدها ط دار عالم الكتب الرياض.
(۹) وفقًا للقانون رقم ١٣ لسنة ١٩٩٦م.
(۱۰) انظر د. حسين عمر الموسوعة الاقتصادية، ص ٤٥٧.
(۱۱) د. فريد النجار المنافسة والترويج التطبيقي، ص ۲۰، ط. مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية.
(۱۲) د. أسامة محمد الفولي وآخر: أساسيات الاقتصاد السياسي، ص٣٨٦، ط. ۱۹۹۸م، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية.
(۱۳) د. عبد العزيز فهمي هيكل موسوعة المصطلحات الاقتصادية والإحصائية ص ٦٥١ وما بعدها.
(١٤) كتاب «بؤس الفلسفة»، سنة ١٨٤٧م. ترجمة أندريه يازجي مع كتاب الرد على فلسفة البؤس للسيد برودون الناشر دار اليقظة العربية سورية، ط٢ ۱۹۷۹م دار مكتبة الحياة لبنان..
أ.د.عبد الحميد البعلي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل