العنوان حكايات أفغانية.. بطاقات من زيارة ميدانية لأرض المجاهدين (2)
الكاتب تميم العدناني
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 64
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
بعد إطلاق الصواريخ الثلاثة على قلعة الأعداء في (جاجي) عدنا بسيارات الجيب إلى معسكر قيادة المجاهدين، وكان ذلك مساء الخميس ليلة الجمعة 9 رمضان، وفي صباح الجمعة عاد أحد الضيوف الكبار مع مرافقيه إلى بشاور للاجتماع إلى بقية قادة مجاهدي الاتحاد الإسلامي، الذي يرأسه الأستاذ عبد رب الرسول سياف، والذي يدعمه المسلمون في كل مكان.
وكنت في كل صباح أخرج مع الأستاذ سياف وعدد من المجاهدين الآخرين إلى أحد مواقع المدافع المضادة للطائرات؛ حيث كنا نقضي سحابة اليوم في الإطلاق على طائرات الأعداء التي كانت تغير علينا بوحشية بالغة، وتلقي بقنابل النابالم الحارقة، فتحرق الغابات الخضر الجميلة، ولكن الله -تعالى كان- يكلأ المجاهدين دومًا برعايته وحفظه؛ فلم تصب تلك القنابل أي واحد من المجاهدين ولله الحمد، وكان الأستاذ سياف يجلس خلف مدفع (الزيجو ياك) بنفسه، ويطلق النار على طائرات الأعداء، وكان دائمًا يردد: «إن أجمل أغنية عندي هي أغنية الزيجو ياك والدوشكا «وهو اسم مدفع آخر مضاد للطائرات أصغر من الزيجو ياك»».
وخلال الفترة التي قضيتها مع المجاهدين في جبهة (جاجي)، وهي تقل قليلًا عن ثلاثة أسابيع، تم إسقاط ثماني طائرات للأعداء، منها: ثلاث طائرات هليوكوبتر مصفحة (Gunship)، وخمس طائرات نفاثة، ثلاث منها ميج (27)، واثنتان سوخوي (26)، وكان المجاهدون دومًا يحضرون للأستاذ سياف أوراق ورخص وبطاقات الطيارين القتلى، وكذلك بعض قطع الطائرات التي تم إسقاطها، ومن إكرام الله -تعالى- للمجاهدين وتوفيقه لهم أن إحدى طائرات الهليوكوبتر المصفحة التي أسقطت كانت تقل القادة العسكريين الجدد الذين جاءوا لفك الحصار عن القلعة، فاستقلوا تلك الطائرة في رحلة جوية استطلاعية للتعرف على معالم المنطقة جيدًا، ولكن المجاهدين أصابوا الطائرة بنيرانهم بإذن الله -تعالى-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: 17) فأسرعت عائدة إلى القلعة لتهبط في داخلها، ولكنها سقطت فوق سيارتين مصفحتين للأعداء كانتا بجوار القلعة، فتحطمت، واشتعلت فيها النيران، وقتل كل من كان في الطائرة، وفي السيارتين، كما أخبرنا بذلك بعض الأسرى الذين هربوا من القلعة، وانضموا للمجاهدين في اليوم التالي.
وفي يوم الإثنين 12 رمضان أكرمنا الله -تعالى- بإسقاط طائرتي سوخوي (26) في وقت واحد تقريبًا، وتساوي هذه الطائرة ما يعادل (25) مليون دولار تقريبًا، كما أخبرني الأستاذ سياف، وقد سقطت الطائرة الأولى قريبًا منا، أما الثانية فقد سقطت على بعد (40) كيلو مترًا بالقرب من مركز حدود باكستاني، وقد تم إسقاط الطائرة الأولى بعد السابعة صباحًا بقليل بصاروخ سام (6)، أطلقه عليها أحد حراس سياف الأبطال، وقد حاول الطيار تفادي الصاروخ بإطلاق قنبلتين حراريتين لتضليل الصاروخ الذي يتبع الحرارة عادة، ولكن الصاروخ ظل متجهًا إلى الطائرة، وأصابها في مؤخرتها فاشتعلت فيها النار، ثم هوت إلى الأرض وتحطمت، وحاول الطيار أن يقفز بالمظلة، ولكن المسافة كانت قريبة جدًا من الأرض فسقط مهشمًا دون أن تفتح المظلة، وبالبحث في أوراق الطيار اتضح أنه رائد أفغاني شيوعي، وأنه مسؤول عن سرب طائرات، كما وجدت معه رسالة باللغة الفارسية كتبها إلى شقيقه في ألمانيا الشرقية، ولكن المنية عاجلته قبل إرسالها، وكان مما كتبه في الرسالة لأخيه ما معناه: (أنا مشغول جدًا الآن؛ فاشرب كأسًا من الخمر عني، وأنا سوف آكل أكلة أفغانية عنك)، ولكنه بدلًا من أن يتذوق طعم هذه الأكلة الأفغانية عن أخيه أذاقه الله طعم الموت الزؤام، فلك الحمد والشكر يا الله، اللهم أدم نصرك وعونك للمجاهدين، وأيدهم بملائكتك وانصرهم على عدوك، وعدوهم يا رب العالمين.
من كرامات المجاهدين:
في أوائل رمضان حضر إلينا أحد كبار المستشارين العسكريين للأستاذ سياف قادمًا من بغمان بجوار العاصمة (كابول)، وحدثني بهذه الكرامة التي أكرمهم الله -تعالى- بها في هذا الشهر المبارك، قال لي: «أشهد الله -تعالى- يا شيخ تميم على أن هذا ما حدث معنا بالضبط، كنا نقاتل مجموعة من الروس والأفغان الشيوعيين، ونحن لا نتجاوز المائة، في حين أنهم كانوا بالمئات، كما أن أسلحتهم كانت أكثر وأخطر بكثير من أسلحتنا، واستمرت المعركة بيننا يومين كاملين، وفي مساء اليوم الثاني من المعركة وجدت أن ذخيرتنا قد نفذت أو كادت؛ فأصدرت أوامري للمجاهدين بالانسحاب بضع مئات من الأمتار، والاختباء خلف الأشجار، وعدم إطلاق أي طلقة في اليوم الثالث إلا للضرورة القصوى والدفاع عن النفس، وهذا ما حدث فعلًا، إذ أننا لم نطلق طلقة واحدة في اليوم الثالث على الأعداء، ومع ذلك فقد فوجئنا في نهاية اليوم الثالث بالمئات من الروس والأفغان الشيوعيين وهم يتقدمون نحونا رافعي أيديهم فوق رؤوسهم، يطلبون الاستسلام، وسارعنا بأسرهم جميعًا كما غنمنا جميع أسلحتهم، وبعد سيطرتنا الكاملة على الوضع سألت بعض الأسرى الأفغان: ما الذي جعلكم تستسلمون لنا اليوم بدلًا من أن تستسلموا بالأمس؟ فقالوا: لأن ضربكم علينا اليوم كان أشد من اليومين السابقين، فتملكتني الدهشة؛ لأننا لم نطلق طلقة واحدة في هذا اليوم، وإنما كنا نجأر إلى الله بالدعاء أن يكفينا إياهم بما شاء، ولكنني تابعت سؤالي فقلت لهم: من الذي كان يضرب عليكم اليوم بشدة كما تقولون؟ فقالوا: مجاهدون منكم كانوا يلبسون الملابس الخضراء الجديدة، ولم يكن بيننا مجاهد واحد يلبس الملابس الخضراء فعلمت في الحال أنه مدد السماء».
وعندما أخبرت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز بهذه الحادثة علق سماحته بالآية الكريمة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: 31).
نصر عظيم:
في الخامس عشر من رمضان وصل ثلاثة مجاهدين من منطقة بغمان، أحدهم شقيق القائد أمير المجاهدين في بغمان، ومعه اثنان آخران، وكانوا يحملون معهم بشارة نصر عظيم، وما أن سمع سياف والمجاهدون في خيمة القيادة هذه البشارة العظيمة حتى أخذوا يكبرون:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وتملكني الفرح فأخذت أكبر معهم دون أن أفقه شيئًا مما يقولون: فقد كنت مثل (الأطرش في الزفة) كما يقول المثل، ولم أستطع أن أصبر أكثر من ذلك، فسألت القومندان وكان جالسًا بجواري، عن سبب هذا الفرح وهذا التكبير، فأخبرني بهذه البشارة العظيمة التي أخبركم بها الآن:
في السادس من رمضان قام الروس والشيوعيون بهجوم وحشي كبير قوامه عشرة آلاف جندي روسي وشيوعي من مختلف الجنسيات، تدعمهم المئات من الدبابات وعشرات الطائرات على منطقة بغمان القريبة من (كابول) في محاولة للقضاء على المجاهدين الذين أقضوا مضاجع الروس في داخل كابول نفسها، ودارت رحى معركة رهيبة استمرت سبعة أيام كاملة، وانتهت بنصر عظيم للمجاهدين، فقد بلغ عدد قتلى الروس والشيوعيين (1800) ألف وثمانمائة قتيل، كما تم تدمير (31) دبابة، وانهزمت البقية الباقية من الجيش هاربة لا تلوي عن شيء، وقد خلفت وراءها الغنائم العظيمة من الذخائر، والمعدات، والمؤن إلخ ...، ومع هذا النصر العظيم أتدرون كم كان عدد الشهداء من المجاهدين؟ لقد كانوا فقط عشرين شهيدًا أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، الله بلغهم منازل الشهداء، وألحقنا بهم يا رب العالمين.
قصة شهيد:
حدثني أحد المجاهدين الصالحين ونحن جالسون في خيمة القيادة عن ابن عم له كان بطلًا من أبطال المجاهدين، وقد أكرمه الله بالشهادة منذ أشهر قليلة، وقد ذكر لي أنه في مرة من المرات هجم على دبابة روسية، وصعد عليها بسرعة، وفتح بابها من أعلى، وهدد طاقم الدبابة بأنه سيلقي عليهم القنبلة اليدوية التي في يده إن لم يستسلموا في الحال، وفي الحال استسلم جميع أفراد طاقم الدبابة، وخرجوا منها رافعي أيديهم بعد أن ألقوا أسلحتهم، ولما تمكن منهم أمسك برشاش واحد منهم، وفتح يده فإذا بداخلها حجر وليس قنبلة يدوية، وبعد استشهاد هذا البطل في إحدى المعارك حضر أهله لنقل جثمانه بعد (45) خمسة وأربعين يومًا من دفنه، فوجدوه وكأنه نائم ولا يزال جرحه ينزف دمًا، وريح المسك يفوح منه.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم أكرمنا بما أكرمته به يا رب العالمين.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).
يتبع في العدد القادم.