العنوان يا أهل الشيشان.. ﴿اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 18-يناير-2000
بعد قرابة أربعة أشهر من الحملة العسكرية الوحشية التي تشنها روسيا على الشيشان، والتي أفرغت خلالها كل ما في جعبتها من أسلحة الدمار، واستخدمت فيها كل إمكاناتها البرية والجوية.. بعد انقضاء هذه المدة، ووسط الظروف المأساوية التي يعيشها الشعب الشيشاني، والتآمر الواضح ضده، استطاع المجاهدون الشيشان أن يضيئوا شعاعًا للأمل في سماء الأمة يمكن لمن يتلمس أثره أن يسلك سبيلًا للخروج من هذا الليل البهيم الذي حل بعموم الأمة الإسلامية.
فالموقف البطولي الذي وقفه المجاهدون الشيشان خلال الأيام القليلة الماضية، والذي تمثل في الصمود أمام جحافل القوات الروسية الغازية وإرباكها.. وإجبارها على الانسحاب من بعض المناطق.. وتكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.. ذلك كله يحمل إشارات لا يمكن تجاوزها، بل ينبغي الوقوف عندها والاستفادة منها.
لقد استغاث المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بالله سبحانه وتعالى ورفعوا أكف الضراعة إليه أن يثبت أهل الشيشان، ويمدهم بمدد من عنده، وأن يخذل الروس المعتدين، فكان أن لمس المسلمون أثر ذلك على أرض المعركة وهو درس يعني أن اللجوء إلى الله والاستعانة به، والإخلاص في دعائه والاعتماد عليه من أمضى الأسلحة في مواجهة الأعداء ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩).
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
كما أثبت المجاهدون في الشيشان أن راية الجهاد التي تتآمر قوى الشرق والغرب لإسقاطها ستظل مرفوعة إن شاء الله إلى يوم القيامة، يجتمع حولها المخلصون من أبناء الأمة، ويهابها المستكبرون والمتجبرون في الأرض، لقد استطاعت قوى قليلة من مجاهدي الشيشان أن توقع بواحدة من أقوى القوى العسكرية الموجودة اليوم بالمقاييس المادية، وهي قوة لا يعوزها البطش والوحشية ومجانبة المنطق واتباع الهوى، ومع ذلك تقف حائرة أمام ضربات هؤلاء المجاهدين وتحركاتهم.
لقد نجح المجاهدون في تمديد زمن الحرب لصالح المقاومة وضد ما يرغب الروس، وأظهرتهم عاجزين عن الوفاء بالعهود التي قطعوها بأن تنتهي الحرب في الأمد الذي حددوه مرة بعد مرة، وهكذا ظهر الروس عاجزين عن حسم الموقف، كما نجح هؤلاء المجاهدون في إظهار سخائم نفوس الروس الذين لا يرقبون في أهل الشيشان المسلمين إلًّا ولا ذمة.
ومن حق الشعب الروسي أن يتساءل: لقد كانت الحرب من أجل حمايتنا من «الإرهابيين»- كما سمتهم الحكومة الروسية- ولكن ها هم الآلاف من أبناء الشعب الروسي يعودون من الشيشان ما بين قتيل وجريح، ومع ذلك فإن «الإرهابيين»- كما يزعمون- یزدادون عددًا وقوة، فما فائدة تلك الحرب إذن؟
بل إننا لا نستبعد أن تكون الاستقالة المفاجئة للرئيس الروسي بوريس يلتسين من تداعيات خسارة الحرب في الشيشان، ومحاولة منه- كعادته- للهروب من المواقف الحرجة.
وفي قضية الشيشان نلاحظ ما سبق أن حدث في مناطق أخرى من أطراف العالم الإسلامي خاصة في القارة الآسيوية، کأفغانستان، وكشمير، حيث تعطي تلك الأطراف أمثلة باهرة في الجهاد والتضحية وبذل الشهادة ومقاومة الأعداء، ومواجهة قوى عسكرية كبيرة.. وفي ذلك دروس لشعوب إسلامية أخرى ولقيادات في دول إسلامية، بألّا تستهين بالإمكانات المنخورة في هذه الأمة. وأن تتبني موقف الدفاع عن مقدرات الأمة وحقوقها وألا تغتر بسطوة الباطل فإنه زهوق وألّا تستهين بالحق فإنه منصور بإذن الله، ولا ينبغي أن يقال إننا نفتقد إلى السلاح والذخيرة، فليس في عالمنا قطر محاصر كما هو حال الشيشان، ومع ذلك فهم يغنمون مختلف أنواع السلاح من الروس أنفسهم، ومن قبل بدأ الأفغان جهادهم ببنادق قديمة متآكلة، ثم غنموا أكثر أنواع الأسلحة تقدمًا من الروس أيضًا.
لقد طال سبات الأمة، ولذلك فقد قدر الله سبحانه وتعالى أن تكون الابتلاءات شديدة لتوقظ النيام، وتحرك اليقظى، وتجمع شتات الأمة، وهكذا فإن ثمن البعد عن منهج الله يكون باهظًا في الدنيا قبل الآخرة، لكن رحمة الله تعالى تتدارك المسلمين فتكون الابتلاءات فرصة لعودتهم إلى طريق الله، وقد رأينا قبل أيام ذلك الاجتماع الضخم الحاشد الذي ضم مسلمي كوسوفا بمناسبة صلاة عيد الفطر المبارك.. وما كان مثل هذا الاجتماع.. ومثل هذا الشعور الإسلامي الكبير موجودًا قبل محنة كوسوفا الأخيرة.
الدروس كثيرة.. ولكننا نختم في هذا المقام بأن على المسلمين ألَّا يركنوا إلى غيرهم، فها هو الغرب يصر على تجاهل قضية الشيشان رغم كل ما فيها من ظلم فادح وجور واضح، ويصف المجاهدين الشيشان بالإرهابيين والانفصاليين والمتمردين بل من المفارقات التي تكشف المنحدر السحيق الذي وصلت إليه «إنسانيتهم» أن الولايات المتحدة بساستها وإعلامها وجماهيرها مشغولة بقضية طفل كوبي ألقت به الأمواج على الشاطئ الأمريكي.. ولا يريد بعض مناهضي النظام الشيوعي في كوبا إعادة الطفل إلى والده حتى نجحوا في استصدار حكم قضائي بذلك، طفل واحد يشغل أمة، وشعب يُذبح وأمة تباد ولا يهتم أحد منهم.
إن قضية الشيشان تدعو بإلحاح حكام الدول العربية والإسلامية أن يبذلوا كل ما في إمكاناتهم من دعم معنوي ومادي وفتح المجال أمام المتطوعين من شعوب الدول العربية والإسلامية، لخوض الجهاد في قطر إسلامي يستغيث وضد الروس الذين قرروا إبادة شعب مسلم بكامله.
إلى أهل الشيشان الصامدين نقول:
﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (آل عمران: ١١١).
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٠).
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (آل عمران: ١٥٧).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠)