; حكومة تركيا القادمة.. ائتلافية أم انتخابية؟ | مجلة المجتمع

العنوان حكومة تركيا القادمة.. ائتلافية أم انتخابية؟

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 40

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 25

الخميس 06-يونيو-1996

▪ دميريل يدعم حكومة يلماظ غير الدستورية في إطار مواجهة الرفاه

الأزمة الحكومية التي تعيشها تركيا حاليًا، ومنذ تشكيل حكومة الأقلية الائتلافية رقم ٥٣ من حزبي الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر، والوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ -رئيس الوزراء- أزمة منطقية وتتوافق مع طبيعة الأحداث، إذ إن تلك الحكومة جاءت بضغوط وعبر سلسلة من المؤتمرات لمنع حزب الرفاه الإسلامي من الحصول على حقه الديمقراطي لتشكيل الحكومة بعد أن احتل المركز الأول في مجلس الشعب بـــ 158 مقعدًا، وكان الهدف الاستراتيجي للمتآمرين يتبلور في دفع جماهير حزب الرفاه إلى استخدام العنف في محاولة لجزارة تركيا، وبالتالي إعطاء المبرر للجيش أو المحكمة الدستورية للقضاء على حزب الرفاه والحركة الإسلامية معًا بعدما سقطتا في الاختبار الديمقراطي.

وبالطبع فشل السيناريو المتوقع لسببين: أولهما إدراك جماهير الرفاه للفخ، والثاني لاحترام الرفاه القواعد الديمقراطية والقوانين المعمول بها والدستور التي يعمل في إطارها، وعبرها وصل إلى المرتبة الأولى في البرلمان، وقرر استخدامها لمواجهة المؤامرة التي نجح بالفعل في فك خيوطها بذكاء واقتدار شهد بها القاصي والداني.

سلاح الدستورية:

نجح نجم الدين أربكان في الحصول على قرار من المحكمة الدستورية بعدم دستورية التصويت بالثقة على الحكومة، وكذلك على التمديد لقوة المطرقة وحالة الطوارئ، ووضع بولنت أجاويد -زعيم حزب اليسار الديمقراطي- والعدو اللدود للرفاه في مأزق حَرِج، خاصة وأنه اتخذ موقف الممتنع عن التصويت في الحالات الثلاث حتى لا يتحمل مسؤولية برنامج الحكومة التي يعارضها أولًا، وعدم موافقته على المطرقة والطوارئ، وبالتالي فإنه من الصعب في حالة إعادة التصويت ألا يحدد موقفه سواء بالسلب أو بالإيجاب.

ورقة الفساد:

وفي الوقت نفسه وضع حزب الوطن الأم في موقف لا يحسد عليه، عندما تقدم بملفات الفساد التي تمت أثناء تولي شيلر رئاسة الوزراء ولها ضلع كبير بها، إذ إن الوطن الأم يرفع حاليًا شعار الشفافية ومواجهة الفساد بهدف مواجهة الرفاه أولًا، والتجميل بثور الفساد في وجهه أثناء حكوماته السابقة ثانيًا.

كما أن تلك الملفات تعطي الفرصة مسعود يلماظ لاغتيال تانسو تشيلر سياسيًا والانفراد بزعامة اليمين، وتوحيد حزبي الوطن والطريق، وبالتالي ضمان المركز الأول في أية انتخابات مقبلة على أساس أن الحزبين حصلا معًا في الانتخابات السابقة على حوالي 41% من الأصوات مقابل 22% للرفاه

وبالتالي نجح الرفاه في فتح شهية يلماظ لالتهام شيلر، خاصة بعدما وجد يلماظ ضالته في انفاق تشيللو لمبلغ ٥٠٠ مليار ليرة من البند السري في غير محلها، ويبدو أن ذلك الموضوع كان وراء موافقة تشيللو على أن يتولى يلماظ رئاسة الوزراء أولًا. ولكنها لم تدرك حجم المصيدة التي أوقعها فيها يلماظ المتكالب على السُلطة، ولذلك لم تتردد في وصفه بالمفتري، وذو الوجهين، وخيال المآتة، و المتآمر. 

دعم دميريل ليلماظ:

أدى كل ذلك إلى حدوث المتوقع وإعلان شيلر قرار انسحابها من الحكومة مع إبقاء الوزراء في مناصبهم لحين إسقاطها عبر دعم طلب الرفاه بسحب الثقة من الحكومة، إذ إن يلماظ يمكنه خلال تلك الفترة تعيين وزراء من حزبه ويصدق رئيس الجمهورية عليهم، خاصة بعد أن أعلن الأخير دعمه له، بل وأعطاه يوم الثلاثاء الماضي 5/28 تفويضًا وصلاحيات جديدة للاستمرار في منصبه حتى تنضح الأمور سواء بتشكيل حكومة جديدة أو اللجوء إلى خيار الانتخابات المبكرة، وكذلك بعد أن كذّب تصريحات تشيللو حول مبلغ الـ ٥٠٠ مليار ليرة التي قالت فيها إنها أطلعت الرئيس على أوجه الإنفاق، وهذا الموقف من دميريل كان انتقامًا من تشيللر التي لوّحت يومًا إلى إمكانية إقصاء دميريل عن موقع الرئاسة على أساس أنه يكمل فترة الرئيس السابق أوزال دستوريًا.

وعمومًا فإن إعلان دميريل دعمه ليلماز والصلاحيات التي أعطاها له من الممكن أن تدفعه إلى عزل وزراء الطريق القويم في حالة عرقلة عمل الحكومة، كما بدأ أنصار الرئيس داخل الطريق القويم التحرك لمواجهة تشيللر، ويقود هؤلاء عصمت سيرجين - وزير الداخلية، ورئيس مجلس الشعب السابق، وكذلك جاويد تشاغلار - وزير الدولة السابق، وسيحاول أن إسقاطها في المؤتمر العام للحزب الذي سيعقد خلال شهر يونيو الجاري.

استطلاعات الرأي العام تشير إلى تقدم الرفاه بنسبة 25% في حالة إجراء انتخابات مُبكرة.

السيناريوهات:

والموقف حاليًا في تركيا يتلخص في إما أن تتشكل حكومة من الرفاه، وأي من الطريق أو الوطن الأم، أو تشكيل حكومة انتخابية لعمل انتخابات مبكرة سيفوز بها حتمًا الرفاه وفقًا لآخر استطلاع للرأي العام أجرته شركة موري - إستراتيجي في الأسبوع الأخير من مايو، أشار إلى أن الرفاه سيحقق 25%، يتبعه اليسار الديمقراطي 18%، ثم الوطن الأم 16% فالطريق القويم 15%، فالشعب الجمهوري 9%، والحركة القومية 9%، والعمل الديمقراطي 6%، وباقي الأحزاب 3%

وبالتالي فإن الرفاه قادم للحكم في تركيا لا محالة، خاصة وأنه استفاد كثيرًا من الأزمة الحالية إلا أنه في حالة تحالفه مع الطريق القويم خاصة تحت زعامة تشيللر له فسيصل إلى الحكم، ولكنه سينتحر سياسيًا وشعبيًا، لأنه لا يمكن تطبيق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات هنا، ورغم ذلك بالأجواء العامة تشير إلى إمكانية ذلك الخيار الذي قد يقسم حزب الرفاه داخليًا وخارجيًا ويضعفه شعبيًا، لذلك فالانتخابات المبكرة هي الحل الأسلم للجميع.

الرابط المختصر :