; حكومة وحيد والأقلية الصينية.. علاقة براجماتية أم موضوعية؟ | مجلة المجتمع

العنوان حكومة وحيد والأقلية الصينية.. علاقة براجماتية أم موضوعية؟

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1415

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 29-أغسطس-2000

  • نداء وحيد لأفراد الأقلية بالعودة إلى إندونيسيا كان ضرورة لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني

  • حظر سوهارتو احتفالاتهم منعًا لتسرب الشيوعية.. وألغي وحيد الحظر إدماجًا لهم في المجتمع

تتراوح نسبة الطائفة الصينية في إندونيسيا ما بين 3% إلى 4% من المواطنين، لكنهم كانوا -ولا يزالون- يسيطرون على 70% من اقتصاد البلاد ولم تخل العلاقة بين الطرفين من توترات ظلت مستمرة طيلة صفحات التاريخ الإندونيسي قديمًا وحديثًا، وكلما حدثت مشكلات كانت هذه الطائفة فريسة لموجات الشغب وأعمال العنف الناجمة عن ذلك، ومن ثم فقد أصبحت العلاقة بين الطرفين شاغل الاجتماعيين والسياسيين والمفكرين من أجل إيجاد حل مناسب لها.

مما لا شك فيه أن إعلان الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد قراره رقم 6/2000م في ١٨ يناير الماضي، بإلغاء قرار الرئيس سوهارتو رقم 14/1967، الذي كان يحظر أي نوع من أنواع الاحتفالات والمراسيم الدينية والعادات والتقاليد الصينية، يعتبر دليلًا بارزًا على رغبة الرئيس وحيد في معالجة تلك العلاقة المتوترة والمريرة بتوفير المناخ الطبيعي للصينيين للحياة الكريمة والنمو في ظل النظام السائد في إندونيسيا بعد حرمانهم من حقوقهم مدة ٣٣ عامًا. 

لقد تجمع معظم الصينيين في كثير من المدن احتفالًا بمناسبة بدء العام الجديد حسب اعتقادهم «إمليك» ۱ جيا جوي ٢٥٥١ الموافق 5 فبراير الماضي، إذ أكد رئيس تجمع الكونفوشيوس الإندونيسي Matakin بودي تانوويبووو في هذا الملتقى إسهام كل من الرئيس وحيد، ونائبته ميجاواتي، ورئيس مجلس الشورى أمين رئيس في محاولة لاستعادة حقوق المدنيين الكونفوشيوسيين في إندونيسيا، وفي المقابل قال بودي للصينيين «علينا أن ننسى مرارة التاريخ لنستقبل الأيام المقبلة على المبادئ الحكيمة، ولنبني علاقة الأخوة بين الشعب دون أي عنصرية لإيجاد حل للمشكلات على مبدأ الحبوالمودة».

فهل سيكون قرار الرئيس وحيد، منفذًا للخروج من هذه التوترات الاجتماعية وسببًا في الامتزاج الثقافي للشعب الصيني في إندونيسيا ومن ثم التمهيد للتماثل الاجتماعي؟ وما الأسباب المؤدية للغيرة الاجتماعية المعتادة؟ وهل يكون نداء بودي نقطة انطلاق لإصلاح الوضع للتفاوت الاجتماعي الشاسع بين الفئتين؟

الوضع الاجتماعي للأقلية الصينية:

وجدت الأقلية الصينية في إندونيسيا منذ أيام الممالك التي سادت في هذا البلد منذ عام

۱۳۷۷م، وكانوا -ولا يزالون- مشهورين بخبرتهم «العملاقة» -كعادة المهاجرين- في التجارة، وقد سجل المؤرخ الأسترالي ريكليف في كتابه «تاريخ إندونيسيا المعاصر»، أنهم كانوا أصحاب شأن كبير في التجارة في مدينة باتافيا -جاكرتا قديمًا- في عام ١٦١٩م، ومناطق ساحلية أخرى في إندونيسيا، واستمرت حياتهم التجارية منذذلك التاريخ إلى يومنا هذا.

وعلى حد ما أشار إليه ليو سورياديناتا، وهو باحث صيني في مركز الدراسات لشؤون جنوبشرق آسيا في سنغافورة، فإن الأقلية الصينية في إندونيسيا، وعدد أفرادها نحو 7 ملايين صيني، كانت تتسم بتنوع الاتجاهات، بحيث توزع سياسيًّا إلى مؤيدي جاكرتا، وفيكينج، وتيفي فيما يطغى على الغالبية عدم الاهتمام بالسياسة، أما الطائفة المسيطرة على اقتصاد إندونيسيا الآن، فتعتبر من قوة واحدة وهي ضد التماثل الاجتماعي بحيث تتحيز لقوة خارجية هي جمهورية الصين الشعبية.

لذا كان قرار الرئيس الأسبق سوهارتر بفرض الحظر على كل نمط من العادات والتقاليد الصينية سعيًا إلى عرقلة تسرب تأثيرات الشيوعية إلى المنطقة، ولعل حرمانهم يدفعهم نحو الاستقرار سياسيًّا واجتماعيًّا في إندونيسيا نفسها.

السياسة التعليمية والثقافية:

كانت سياسة سوهارتو في حقيقتها ذات موقف براجماتي في محاولة لإدماج هذه الأقلية بالشعب الإندونيسي وذلك يتجلى من خلالالأمور التالية:

  1. أصدرت الحكومة قرارًا في ديسمبر عام ١٩٦٦م، بشأن تحويل الأسماء الصينية إلىالإندونيسية.

  2. بالرغم من إغلاق كل المدارس الصينية عام ١٩٦٥م، صدر قرار رقم ب - ١٢ / رئيس 1/1968، يسمح بفتح مدارس أهلية صينية ضمن إطار لا يتجاوز عدد الصينيين فيه نسبة 40% من الطلبة.

  3. استهدفت الحكومة تقليل استخدام اللغة الصينية لذا، فقد حظرت كل الصحف الصينية منذ عام ١٩٦٥م، بالإضافة إلى منعها نشرالأفلام المستوردة باللغة الصينية.

  4. اعترفت حكومة إندونيسيا بالعقيدة البوذية والكونفوشيوسية عام ١٩٦٩م، بعد أن كانت محظورة تمامًا.

السياسة الوطنية:

أوقفت حكومة سوهارتو السياسة الازدواجية في الجنسية القائمة منذ عام ١٩٦٠م في عام ١٩٦٩م، عقب تجميد العلاقة الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية وإندونيسيا، ومنذ تلك اللحظة كان على المغتربين الصينيين التقدم للتجنس من قبل المدَّعي العام والمخابرات الإندونيسية.

وأشار الدكتور لي تيك جينج إلى أن نحو مليون ونصف المليون صيني كانوا متجنسين بالجنسية الإندونيسية، ونحو ٢٥٠ ألفًا كانت لهم جنسية صينية، ومليون وربع المليون كانوا بدون أي جنسية من مجمل 3 ملايين صيني في إندونيسيا في عام 1971م.

استمرت عملية التجنيس بالرغم من أن الحكومة كانت تخشى ألا تتمكن من سيطرتهاعلى الصينيين سياسيًّا واقتصاديًّا إضافة إلى أنهم كانت لهم نزعة ضد الاندماج والتعامل الاجتماعي في شرائح الشعب الإندونيسي، ولعل ذلك يرجع للاختلاف في العادات والتقاليد والاعتقادات بين الشعبين، فأصبحت الأوضاع كما هي عليه الآن أي كأنهما الماء والزيت -إذا صح التعبير- فلم يندمجا طيلة عقود طويلة، بل وقعت أحداث عنف كما يلي:

1 - مأساة 15 يناير ١٩٧٤م:

لدى زيارة رئيس الوزراء الياباني تاناكا إلى إندونيسيا عام ١٩٧٤م، وقعت مظاهرات عنيفة من قبل الطلبة وأبناء الشعب احتجاجًا على سوء 

وفساد استراتيجية الحكومة التنموية، ذلك أن الاستثمارات الأجنبية كانت تذهب للشركات الصينية ومن ضمنها اليابان دون الشعب والنتيجة أن العاصمة كانت مسرحًا لأعمال عنف وإشعال النيران في مختلف الممتلكات الصينية واليابانية.

2- مأساة 15 مايو 1998م:

وقعت أعمال عنف في العاصمة جاكرتا، إذ أحرق معظم البيوت والمراكز التجارية، والممتلكات الصينية، وشاهد العالم بأجمعه عبر شاشات التلفاز العالمية النكبة العنيفة في العاصمة الإندونيسية التي أدت إلى خسارة ما قيمته نحو 5 تريليونات روبية ٧,٣٥٠ مقابل دولار أمريكي.

العوامل المؤدية إلى الغيرة الاجتماعية:

  1.  رغبة الرئيس سوهارتو في بناء اقتصاد البلد كانت تنطلق من نظرة مفادها أن من الأسباب التي أدت إلى انهيار نظام الرئيس الأسبق أحمد سوكارنو ارتفاع التضخم المالي الذي وصل إلى 650% لذا فإن سوهارتو كان يركز على ترقية الاقتصاد عبر الاستثمارات، ومحاولات تخفيض التضخم المالي وقد نجح بالفعل في تخفيضه بنسبة 15% سنويًّا وبالرغم من ذلك، فإن الأوضاع الداخلية لم تكن مهيأة لجلب المزيد من المستثمرين الأجانب فاضطرت الحكومة إلى استغلال رؤوس الأموال المحلية التي كانت متمركزة في أيدي أفراد الطائفة الصينية بالرغم من أنهم كانوا متهمين بالتواطؤ مع تدخل بكين في الانقلاب الشيوعي الفاشل في 3٠ سبتمبر ١٩٦٥م.

  2. أن سياسة الحكومة -التي انحازت إلى تايوان- أدت إلى اغتراب بقية الصينيين وهم الأغلبية وأهل الخبرة والمال، مما أدى إلى تحالفهم مع أصحاب الشركات من الشعب الإندونيسي وكان معظمهم ضباطًا في الجيش، فاستمرت المشاركة بين الفريقين، واشتهرت بما يعرف بـ«علي بابا» ، أو «نظام جو كونج» Cukong - System ، وبمقتضاه يقيم الإندونيسيون الرخصة للشركة، وبالمقابل يقدم الصينيون رأس المال والخبرة، واستطاع نظام جوكونج أن يسيطر على كل مجالات التجارة التي امتدت إلى أسطول الطيران والبنوك ومصانع الطحين وشركات الإصدار والاستيراد وشركات السياحة والمطاعم والغابات ومصانع الاجتماعاتالأساسية، وغيرها من أنواع التجارة الأخرى فأصبحت المشاريع والقروض والاستثمارات الحكومية كافة تستغل من أجل تمكين هذا التحالف مع إعمال حقوق الشعب في القروض والتسهيلات في مجالات العمل والحياة!.

  3. مما لا شك فيه أن الاستثمارات الأجنبية كانت تفضل المشاركة مع الصينيين التي كانت تنمو عبر عملية «علي بابا»، لأنهم لهم خبرة، ورأس مال، وتقنية متطورة مع التمتع بالتسهيلات الأخرى.

  4. إن سياسة الحكومة التي كانت تطمح لترقية حياة الشعب لم تكن توافق واقع الحال لأن التسهيلات المقدمة للأقلية الصينية لم يذقها الشعب الإندونيسي، وكلما صدر قرار بهدف توفير المناخ الطبيعي لصالح التجار من أبناء الشعب الإندونيسي كانت الحكومة تخالف قراراتها بقرارات أخرى تعيق القرار الأول.

فهل يكون قرار وحيد حلًّا لهذه التوترات؟

مبادرة وحيد في عقد مؤتمر مع رجال الأعمال الصينيين الذين هربوا إلى سنغافورةخلال زيارته لها ضمن جولة لدول أسيان في بداية رياسته والذي شارك فيه نحو ٥٠٠ رجل أعمال صيني كانت مناسبة لحثهم على العودةإلى البلاد في محاولة للتعاون مع الحكومة في إعادة بناء الهيكلة الاقتصادية المنهارة.

وقد استجاب ليم سوي ليونج، أغنى صيني في أسيان قائلًا: إنني مستعد للعودة إلى إندونيسيا والاستثمار في بعض المشاريع، ولا سيما أنني إندونيسي الجنسية، وذلك تلبية لنداء وحيد المعروف بعلاقته الوطيدة معهم قبل رياسته وهكذا كان نداء وحيد ضرورة لا تنكر لتحريك العجلة الاقتصادية الواقفة تمامًا.

ذلك أن أعمال العنف في ١٥ مايو ١٩٩٨م الماضي تسببت في هروب الصينيين إلى الدول المجاورة بل ذكر البنك الإندونيسي المركزي أنهم فروا بما لا يقل عن ٨٠ مليار دولار أمريكي، وبهذا المبلغ تمكنوا من التلاعب وتوجيه ضربة اقتصادية لإندونيسيا من سنغافورة!.

لكن عودتهم إلى البلد تثير جدلًا واسع النطاق، إذ يتساءل الكثيرون عن وطنيتهم إذ إنهمهربوا إلى الدول المجاورة فرارًا من أزمات، وكان لهم على حد رأي بعض المفكرين يد فعالة في عرقلة إنعاش الاقتصاد، بل لقد ضربوا البنية الاقتصادية للبلد لتدوم الأزمة في عهد رئاسة الرئيس السابق حبيبي أولًا، ورغبة في تفعيل تداعياتها الاجتماعية القاسية بين الشعب ثانيًا، ولإسقاط حبيبي في الوقت نفسه ثالثًا. 

أجل، إنهم ليسوا مجرمين، بل وهم إندونيسيون، ولهم حقوق في العودة للحياة الطبيعية، لكن ليكن ذلك بمساواة دون امتيازات أو تمييزات أو تسهيلات اعتادوا عليها كثيرًا في الماضي البعيد والقريب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 81

106

الثلاثاء 12-أكتوبر-1971

هذا الأسبوع (العدد 81)