; حماس.. وضريبة النجاح | مجلة المجتمع

العنوان حماس.. وضريبة النجاح

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1674

نشر في الصفحة 24

السبت 22-أكتوبر-2005

منذ أسابيع تخوض أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية، معركة شاملة ضد حركة (حماس)، بهدف إضعافها وإرباكها ، وجعلها تدفع ثمن تقدمها، وضريبة نجاحاتها السياسية والشعبية خلال الشهور الماضية، والتي أثارت حفيظة (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة وأطراف إقليمية ودولية متعددة.

المؤامرة شاملة ومتعددة الأبعاد لـ «فرملة» تقدم الحركة

مخطط الإضعاف والتحجيم أخذ نواحي -ومسارات عدة، ظهر خلالها تنسيق رفيع المستوى وتكامل في الأدوار بين (إسرائيل) والسلطة - الفلسطينية، مع دعم أمريكي قوي وواضح - للخطوات التي يتخذها الطرفان.

فقد شنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأسابيع الفائتة حملة اعتقالات واسعة، استهدفت رموز حماس الفاعلة والنشطة في مدن وقرى الضفة الغربية، في محاولة لتغييب تلك الرموز عن مواقع التأثير في مرحلة حساسة قبيل الانتخابات التشريعية في شهر يناير القادم وقبيل الجولة الرابعة والحاسمة من الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها بعد شهرين. وترى السلطات الإسرائيلية أن من شأن هذه الحملة أن تعزز قوة السلطة الفلسطينية وفرصها بالتقدم في الانتخابات على حساب حماس. 

بالتزامن مع ذلك، قامت (إسرائيل) بحملة سياسية وإعلامية واسعة لمحاصرة الحركة و حرمانها من المشاركة في الانتخابات التشريعية حال أصرت على الاحتفاظ بسلاح المقاومة. وصدرت عن وزير الخارجية سلفان شالوم تصريحات متشددة أكد فيها أن (إسرائيل) لن تسمح بمثل هذا الأمر، مهدداً بالتدخل المباشر والصريح لمنع ذلك.

وكانت (إسرائيل) عبرت عن قلق شديد من تنامي قوة حماس في الشارع الفلسطيني، سواء من حيث النتائج المتقدمة التي حققتها في الانتخابات البلدية، أو من خلال تزايد نفوذها الشعبي الذي عبرت عنه المسيرات الضخمة التي نظمتها الحركة احتفالاً باندحار القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.ووجد الموقف الإسرائيلي الرافض لمشاركة حماس في الانتخابات التشريعية دون التخلي عن سلاح المقاومة صدى لدى الرباعية الدولية التي أعلنت في اجتماعها الأخير أنه لن يكون مقبولاً احتفاظ الحركة بسلاحها فيما هي تتوجه للمشاركة في الانتخابات التشريعية، لكن دون أن توضح ما إذا كانت تضع ذلك شرطاً أمام الحركة من أجل السماح لها بالمشاركة في الانتخابات، وحين سئلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عن الأمر كانت إجابتها مبهمة، حيث قالت إن الحديث الآن يدور عن مرحلة انتقالية.

توتير مقصود

وفي موازاة الحملات الإسرائيلية، تم افتعال حالة مقصودة من التوتر في العلاقة بين حماس والسلطة الفلسطينية، ووجه رموز السلطة للحركة اتهامات بالتعالي والغرور والسعي لفرض الحركة عنوة على الشارع الفلسطيني، عبر الاستعراضات الشعبية والعسكرية، كما روجوا إعلامياً - زوراً - أنها تستخف بدماء الفلسطينيين ومصالحهم، وبأنها تقدم مصالحها الذاتية على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وأنها تصر على تقديم نفسها كسلطة موازية للسلطة الرسمية.

ولوحظ أن هناك حرصًا شديدًا من جانب أجهزة أمن السلطة على إدانة حركة حماس، بالمسؤولية عن تفجير جباليا الذي وقع قبل أسابيع، ولم تجد السلطة بأساً في التساوق مع الرواية الإسرائيلية تجاه ما جرى، وكان لافتاً أن وزارة الداخلية سارعت إلى توجيه الاتهام للحركة بالمسؤولية عن الانفجار بعد دقائق من وقوعه وقبل اتضاح أية تفاصيل، مما دفع البعض للتساؤل حول ما إذا كانت الوزارة على علم مسبق بالتفجير، وما إذا كان بيانها معداً قبل وقوعه، لا سيما أن الداخلية الفلسطينية لم تكتف ببيانها الأول، بل سارعت لإصدار ثلاثة بيانات لاحقة، وخلال وقت قصير، تدين حماس وتتبنى الرواية الإسرائيلية.

وقد لعب وزير الداخلية ومدير الأمن الوقائي السابق في غزة محمد دحلان، ووزير الداخلية الحالي نصر يوسف، دور رأس الحربة في المواجهة مع حركة حماس، عبر التحرش المباشر الذي أدى في أكثر من مرة إلى نشوب مواجهات سقط فيها قتلى وجرحى، وهو ما دفع حركة حماس إلى المطالبة صراحة بإقالة وزير الداخلية نصر يوسف الذي حملته مسؤولية افتعال الصدامات بين الحركة وأجهزة أمن السلطة.

ويرى محللون أن لدى دحلان ونصر يوسف، قناعة بأن الصدامات التي جرت مع حماس تصب في المحصلة في مصلحة السلطة، نظراً لأن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية تبدي حساسية بالغة تجاه أي اقتتال داخلي وتتخذ موقفًا سالبًا من ذلك؛ بغض النظر عن الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن افتعال الأزمات، وهو ما من شأنه، في نظر رموز السلطة، أن يؤثر سلباً في النظرة لحماس.

اللافت للانتباه أن بعض الفصائل الفلسطينية التي شعرت هي الأخرى بقلق إزاء تزايد نفوذ حماس في الشارع الفلسطيني، تحركت لديها مشاعر التنافس والغيرة السياسية. وهي لم تكتف بلزوم الصمت إزاء ما يجري، كما حصل في بداية الأمر، بل انضمت في وقت لاحق لحملة الهجوم على حركة حماس عبر تحميلها مسؤولية ما حصل.

التحريض الصهيوني يتصاعد

كان واضحاً منذ وقت مبكر، أن (إسرائيل) لن تلزم الصمت إزاء التغييرات الكبيرة التي طرأت على موازين القوى في الساحة الفلسطينية لصالح حماس. وتحدث شارون صراحة قبل أسابيع خلال جلسة للمجلس الوزاري عن ضرورة التحرك الجاد والعاجل من أجل تعزيز قوة السلطة الفلسطينية في مواجهة نفوذ حماس الآخذ بالتنامي، ونقلت الصحافة الإسرائيلية باهتمام تصريحاته تلك التي تحولت على الفور إلى برنامج عمل قيد التنفيذ.

دحلان ونصر يوسف رأس الحربة في المواجهة مع حماس

وجاءت التصريحات الأخيرة لزعيم حزب العمل شمعون بيريز لتوضح أن التحرك لدعم السلطة في مواجهة حماس خيار يحظى بالإجماع بين اليمين واليسار الإسرائيلي. فقد دعا بيريز الحكومة إلى خوض مواجهة شرسة وشاملة ضد حماس، داعياً في نفس الوقت إلى تقديم دعم غير محدود للرئيس الفلسطيني محمود عباس كي يتمكن هو الآخر من خوض المواجهة معها. وقال بيريز في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية قبل أيام: «من الواضح وضوح الشمس أن علينا أن نشن مواجهة لا هوادة فيها ضد حماس، وأن ندعم من دون تردد أبو مازن». داعياً إلى إقامة جبهة مشتركة بين (إسرائيل) ومحمود عباس لمواجهة ما أسماه «الجنون الإرهابي».

ويرجح أن تتزايد حملات التحريض الإسرائيلية ضد حماس خلال الشهور القادمة مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية والبلدية، وأن تستمر في ذات الوقت الإجراءات العملية على الأرض لملاحقتها.

حماس والرد

ورغم ضراوة حملات التشهير والتشويه والتحجيم التي تتعرض لها الحركة على أكثر من جبهة سياسية وإعلامية وعسكرية، فإنها أبدت حتى اللحظة - قدرة جيدة على التعاطي مع الهجمات المتلاحقة التي عول الجانب الإسرائيلي والفلسطيني الرسمي على نجاحها في إرباك الحركة وإفقادها توازنها.

بيريز يدعو لجبهة مشتركة لإضعاف حماس.. وشارون يؤكد أهمية دعم السلطة

وتحركت حماس على صعد متعددة لمواجهة الاستهداف الذي تتعرض له كحركة وتتعرض له المقاومة وسلاحها كنهج وخيار، فعلى صعيد حماية برنامج المقاومة، نجحت الحركة في فرض تمسك الشعب الفلسطيني بهذا الخيار، وكان للمؤتمر الصحفي الذي عقدته مؤخراً كافة الأجنحة العسكرية الفلسطينية، بما فيها تلك المحسوبة على فتح دور مهم في التصدي لدعوات نزع سلاح المقاومة الذي طرحته السلطة تحت شعار ضبط حالة الانفلات الأمني ووحدانية السلطة، وهو ما دفع رموز حركة فتح إلى التعبير عن انزعاجهم الشديد من المؤتمر الصحفي، بل إن بعضهم ذهب إلى حد اتهام الفتحاويين الذين حضروا الاجتماع بالخروج على القرار الفتحاوي.

وعلى صعيد تحرشات السلطة وسعي بعض الأجهزة الأمنية لاستفزاز حماس وجرها إلى مربع المواجهة، ظهر حجم الحرج الذي تعرضت له الحركة، فهي من جانب تدرك أهداف تلك الأجهزة من وراء السعي لتوريطها في مواجهات داخلية، وتدرك في ذات الوقت حساسية الأطراف الشعبية داخلياً وخارجياً إزاء أي اشتباك بينها وبين أجهزة أمن السلطة حتى لو كانت الأخيرة هي البادئة والمفتعلة للمواجهة، وتدرك قبل ذلك أن العدو هو المستفيد الأول من أي توتر فلسطيني – فلسطيني.

في المقابل كانت الحركة تدرك أن إبداء مظاهر الضعف وإفساح المجال لأجهزة أمن السلطة للاجتراء على المقاومين وعلى سلاح المقاومة، ستكون له أضرار خطيرة في ظل تنسيق قوي بين بعض أجهزة السلطة وبين أجهزة أمن الاحتلال، الأمر الذي تحدث عنه صراحة مسؤولون فلسطينيون سابقون. وقد اختارت الحركة التعاطي مع الوضع الحرج بدرجة عالية من الحكمة، عبر تفويت الفرصة ما أمكن على المتحرشين والمحرضين، لكن مع المحافظة على سلاح المقاومة وعدم السماح بالاعتداء عليه تحت أي مبررات.

أما على صعيد العملية الانتخابية والاعتقالات المتلاحقة للمرشحين وللنشطين في الحملات الانتخابية، فرغم الإرباك الذي تسببت به، إلا أن الحركة أظهرت قدرة على التعويض وطرح البدائل. ويتوقع أن تحقق الحركة نتائج متقدمة في انتخابات المجالس البلدية للمدن الكبرى في الضفة والقطاع وكذلك في الانتخابات التشريعية في حال إجرائها.

المشهد الفلسطيني يبدو مرتبكًا ومفتوحًا على كافة الاحتمالات. وتداعيات الأسابيع والشهور القادمة ستظهر مدى نجاح حملات التحجيم، التي تستهدف حركة حماس، في تحقيق أهدافها، كما ستظهر قدرة الحركة على مواجهة حملة صعبة لا تقل ضراوة عن حملات استهداف قوية سابقة تعرضت لها واستطاعت الخروج منها بأقل الخسائر.

الرابط المختصر :