العنوان حمامتان في مؤتمر وفد الله إلى الحج
الكاتب حلمي محمد علي بدر
تاريخ النشر الاثنين 17-ديسمبر-1973
مشاهدات 88
نشر في العدد 180
نشر في الصفحة 16
الاثنين 17-ديسمبر-1973
حمامتان في مؤتمر وفد الله إلى الحج
بقلم الأستاذ حلمي محمد علي بدر
إمام وخطيب مسجد أبي حنيفة
وقفت حمامتان فوق الصخرة الكبيرة.. والشمس الحانية تستعد لجمع خيوطها نحو المغيب والنسيم الهادئ يمشي منسابًا بين الجموع المحشودة فوق الجبل وأصوات صاعدة من بين أكف مرفوعة. تقول لله: يارب جئنا إليك
قالت إحدى الحمامتين للأخرى -وهي ترتفع بعنقها. وتحد بصرها- ما هذا الذي أرى «یا رضوی»...!! فقالت: وماذا ترين «يا سلمی»..!!
قالت: إني أرى جموعًا زاخرة من الناس. من بعيد كحبات البرد على رؤوس الجبل وأسمع أصواتًا كأنها الموج الهادر لمحيط غاضب في يوم ريح عاصف. وجميعهم يلبس البياض يلفه حول جسده كما يلف الأحياء موتاهم في أكفان يشيعونهم فيها إلى المأوى الأخير.... وألمح عيونًا ينساب منها الدمع كقطرات الندى. وجبهات خفيضة إلى الأرض أصحابها في صمت رهيب. لا يرفعونها خشوعًا وضراعة إلا حين يرفعون أكفهم لله قائلين: يا رب جئنا إليك ...!!
المشهد مهيب مهیب «یا رضوی» أني أحس الصخرة تحت قدمي تهتز. وأحس الجبل من حولي -في نشوى- يميل ذات اليمين وذات الشمال.
وأبصر السماء. كل السماء. وهي تفتح أبوابها -بهجة وفرحة- بهؤلاء الأطهار الأبرار. وأرى الشمس وهي تجمع شباكها تبكي حزينة على فراق هذا المظهر الرائع.. الطبيعة كلها. بل الدنيا جميعها من حولنا تلبس ثياب المسرة والسعادة...!!
انظري.. انظري «یا رضوی» أليس هذا هو ملك المملكة العربية السعودية. وأليس هذا هو أمير دولة الكويت. وأليس هذا رئيس جمهورية مصر العربية. وأليس هذا رئيس جمهورية ماليزيا. أليس هذا رئيس جمهورية إندونيسيا. أليس هذا شاه إیران. أليس هذا حاكم دولة الإمارات العربية. أليس هذا فلان ملك كذا وأليس هذا فلان رئيس كذا.
وأليس هذا فلان حاكم كذا.. إلخ
ثم «يا رضوی» أرى الذين يقفون بجوارهم من ضعاف شعوبهم. والذين يتقدمون في المسيرة عليهم من فقراء أممهم. أین حراسهم...؟ أین سلطانهم وملكهم...؟
أين من يقف على أبواب قصورهم يمنع ذرى الحاجات من هؤلاء الضعاف والفقراء من الدخــــــــول عليهم...!! هل إلى هذا الحد ذابت الفوارق. ومحيت الطبقات ...!!
بالأمس يا رضوى كان كثير من هؤلاء المساكين إذا أرادوا المسير تحت أسوار قصور هؤلاء الحكام – اتقاء للحر أو تحاميًا من المطر. طردهم الحراس كأنهم لصوص. وطاردوهم حتى يقصوهم عن الأسوار. وما أطول هذه الأسوار وأعلاها...!!
واليوم يا رضوى. لا أسوار. لا تفاضل - لا أحساب. لا أنساب. لا ألقاب. ولا حراس ولا مدافعون.. الله. الله. الله یا رضوی
انظري كذلك يا رضوی. إني أرى رجالًا بيضا وبجوارهم نساء بيضاء أيضًا. يزاحمهم في الطريق رجال سمر الوجوه شدید سمرها. وما ألمح اشمئزازًا ولا امتعاضًا ولا نظرة ازدراء واحتقار من هؤلاء البيض لهؤلاء السمر أو السود..!! هل هنا لا عنصرية لا فوارق بين بياض الأهاب وسواده!! لا أظن «يا رضوی» أن المدنية هنا في هذا المكان. قد سبقت مدنيات الغرب التي يتشدقون بها في كل وسائل الإعلام...!! لماذا لا يكون لهؤلاء السمر موقفًا يقفون فيه وطريقًا يسيرون منه. ومركبًا يركبون عليه.. بعيدًا بعيدًا عن موقف هؤلاء البيض وطريقهم ومركبهم...؟ أن في أمريكا -مدعية الحضارة- يفعلون ذلك..!! مدارس البيض غير مدارس السود. مركبات البيض غير مركبات السود. وظائف البيض غير وظائف السود. بل أرزاق البيض غير أرزاق السود...!! أما هنا فالموقف، واحد والمركب واحد. والطريق واحد.. يالله. يا للجلال.. ويا للجمال .
يا عجبًا. أن الذي تنعقد له راية أمارة هذا الجمع الهائل. رجل أسمر. والبيض والسمر كلهم وراءه . وهو يرفع أكفه إلى السماء موليًا وجهه شطر المسجد الحرام ويقول: لبيك اللهم لبيك. لا شريك لك لبيك. أن الحمد والنعمة لك. والملك لا شريك لك.. كلهم وراءه يرددون هذا النشيد الملائكي. قلب واحد. نداء واحد لا نشاز ولا نشوز .
یا رضوی: أن صمتك يقتلني. حدثيني بربك عن سر الذي أرى. وعن سر ما لا أرى فانت أدرى مني به وأعلم.
ورفرفت رضوی بجناحيها. وتقدمت للأمام خطوتين. ثم اعتدلت في وقفتها وقالت: يا سلمی الحديث عن ما رأيت طويل. وعن ما لم تر أطول!! يا سلمي: هذا مؤتمر السلام. دعا إليه من كان من أسمائه السلام.. دعا إليه الله رب العالمين.. ودعا إليه منذ أزمان مترامية القدم.. آلاف من السنين «يا سلمى» منذ أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام. حين أمره عز وجل أن يرفع وولده إسماعيل قواعد البيت الحرام. وحين انتهيا من بنائه قال له ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج 27، 28)
ولما قال: له وما يبلغ صوتي يا رب...!!
قال له: عليك الأذان وعلينا البلاغ واختار له الله يا سلمى هذا المكان المقدس. هذه البقعة الطاهرة لأنها ستكون ملتقى الأرواح الطاهرة و القلوب الخيرة. والأخوة الصادقة. والألفة المحببة «وستنبع في رحباتها دعوة الصفاء والنقاء. والمودة والوفاء. إشراقة الشمس. ومهبط النور. غذاء الروح ونصاعة النفس، ونظافة الضمير» على لسان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
ومنذ هذا التاريخ وهذا المكان المبارك مركز تجمع. ومكان لقاء لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين.. يا سلمى: إن خليل الله إبراهيم دعا أن يكون ويظل هذا المكان منبع خير. و مبعث نور وهدى. وأن يبعث في رحابه من ينقذ البشرية من وهدتها ويوقظها من غفوتها. ويحييها بعد موتها. ويعزها بعد ذل. ويعلمها بعد جهل. وينير لها بصائر بعد عمى الأحساب والأنساب والألقاب. و الجاه والمال والسلطان ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ويصحح المفاهيم في أذهان البشر. ويقيم موازين الحق والعدل فلا عنجهية. ولا طغيان. ولا ظلم ولا عدوان
واسمعي يا سلمى دعوة الخليل إبراهيم. والقرآن يحكها ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة البقرة: الآية 126 : 129).
واستجاب الله الدعوة وولد اليتيم -إلا من رعاية مولاه- حول هذا المكان الميمون. واختاره الله نورًا ليحمل للناس رسالة النور. من عند الله نور السموات والأرض.. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور35 )
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 45. 46)
﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ (سورة الشورى٥٢).
وصحح المفاهيم في أذهان المبشر فعلًا. وأقام موازين الحق والعدل حقًا. ونشر ألوية السلام في ربوع الأرض صدقًا. وأصبحت الناس «يا سلمى» كما ترین سواسية كأسنان المشط لا يتفاضلون إلا بمقدار ما يحمل الواحد منهم في قلبه من إیمان وتقى وعمل صالح. وأصبح المال في خزائن الرجال لا قيمة له إذا كان صاحبه به شحيحًا وعليه ضنينًا لا يخرج منه حق الفقير والمسكين والأرملة وابن السبيل. وأصبح الجاه والسلطان لا يساوي شيئًا إذا لم يكن ذلك في خدمة المحتاج وقضاء حاجة ذوي الحاجات على هذا يا سلمى علم أصحابه وعلى هذه الموائد الربانية رباهم. واستمعت البشرية كلها إلى مبادئ النبي العظيم وهي تربط أمته بعضها ببعض. تكافل وتعاون.. لا فقير يموت من شدة الفقر ولا غنى يموت من كثرة الغنى..... استمعي إلى أبى سعيد الخدري رضى الله عنه وهو يقول: بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له. فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أضاف المال ما ذكر. حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» (رواه مسلم)..
واستمعي في أعظام وإجلال إلى هذا اللون من الإيثار الذي يرويه الصحابي الفاضل أبو هريرة رضي الله عنه حيث يقول «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه. فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فأرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك. لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم.. من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضیف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية. قال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا. إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء. وإذا أرادوا العشاء فنوميهم. وإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدًا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة» (متفق عليه)
وفي الجانب الآخر «يا سلمى» حرمت تعاليم العظيم صلوات الله عليه أن يمد الإنسان يده سائلًا وهو يستطيع إلا يريق ماء وجهه. وخرجت هذه التعاليم المحمدية تعلن أن المسألة بغير حاجة ملحة جرح غائر في عزة المرء وكرامته - أيضًا اسمعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول فيما رواه الترمذي عن سمرة بن جنوب «إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لا بد منه» «والكد: الخدش ونحوه »
وعاشت العزة تبنى بيت الدوام والخلود في قلب أتباع محمد عليه السلام. محتاج يجد حاجته. وغنى يعطى من عطاء الله. وربطت هذه المبادئ بين القلوب. غنى لا يبغى من وراء ما عنده من مال إلا رضى الله ورضوانه. ونعيمه وغفرانه. وما عدا ذلك هباء وهراء. أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمته فيما اتفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه «أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة . وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم. وأيما مؤمن كسًا مؤمنًا على عرى كساه الله يوم القيامة من حلل الجنة» فخرج كل صاحب جاه وسلطان يسخر جاهه وسلطانه لقضاء مصالح الناس. والسعي وراء حاجاتهم. لأنه يعلم أن الله سبحانه ما وضعه في هذا المكان من السلطة والمنصب الرفيع إلا ليكون في حاجة إخوانه. يأخذ بأيديهم. ويعينهم على بلوغ مآربهم.
وجاءت تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلن أن من مشى في حاجة أخيه. كان خيرًا من ذلك الذي طوى نفسه معتكفا للعبادة سنوات عشر.
فقد روى أن ابن عباس رضي الله عنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس. فقال له ابن عباس: یا فلان أراك مكتئبًا حزينًا. قال: نعم. يا ابن عم رسول الله. لفلان علي حق ولاء.
وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه. قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك ..؟ قال الرجل: أن احببت. قال: فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد. فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ «أي من الاعتكاف» قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر -والعهد به قريب- فدمعت عيناه وهو يقول «من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين.. ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق أبعد مما بين الخافقين» (متفق عليه). أما إذا تنکر صاحب الجاه والمنصب لأخيه. وتعالى عليه. وأعرض عنه. ورفض أن يعينه أو يقضي حاجته. أو يسعى في مصلحته. فإن رب النعمة عز وجل ينقلها عنه إلى غيره أو يزيلها منه.
یروي عبد الله ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن لله عند أقوام نعمًا. أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم» (متفق عليه) وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعمة للزوال»
يا رضوى: هذه التعاليم هي التي فتحت فارس. وفتحت بلاد الروم. هذه التعاليم هي التي جمعت شتيتًا من الإعراب مختلفي الطباع متنافري القلوب على حب علي لا يعرف البغض. وعلى وفاء لا يعرف العداء. ووحدت بينهم لتخلق أمة تبني حضارة ومجدا لا تزال أبدًا ملء التاريخ .
یا رضوی هذا سر أن السيف لم يكن له قط دور كبير في دعوة محمد عليه السلام. إلا بقدر ما بذل المتطاولون على الدعوة والدعاة . وما عدا ذلك فالتعاليم المحمدية كانت تأخذ مكانها في القلوب فإذا بأصحاب هذه القلوب ينضوون تحت لواء الدعوة جنودًا تحت الشعار الأبدي الخالد «لا إله الا الله محمد رسول الله»....
وهذا سر أن البشرية وجدت خلاصها من شقوتها ومن حيرتها. وعثرت على نجدتها من وهدتها.. وإقالتها من عثرتها. في ظل هذه التعاليم . فلا عبودية للأكاسرة. ولا استذلال للقياصرة. ولا خضوع إلا لرب الكون رب العالمين»..
يا سلمى: هناك ما هو أبعد من هذا وأعمق. أن فقراء القوم ومساكينهم. وضعافهم علوا بهذا الدين وارتفعوا حتى صارت مكانتهم لا يمكن أبدا أن تتسامق إليها مكانة هؤلاء الذين كانوا يعتبرون أنفسهم سادة وقادة. وأرباب مال وسلطان ممن لم يعيشوا أو ينتفعوا بهذه التعاليم. وخرج رسول الله هذه التعاليم عليه السلام بهذه الحقيقة. كما قال العباس بن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لرجل عنده جالس. ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس. هذا والله حري أن خطب أن ينكح. وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مر رجل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيك في هذا؟» فقال يا رسول الله: هذا رجل من فقراء المسلمين. هذا حري أن خطب أن لا ينكح. وإن شفع أن لا يشفع. وإن قال ألا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » (متفق عليه) وقال رسول رب العالمين. فيما اتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه «إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة. لا يزن عند الله جناح بعوضة» .
وهذه هي الحقيقة مرة أخرى يروى ابن سعد بسنده إلى إبراهيم التيمي. أن عبد الله ابن مسعود صعد شجرة.. وكان نحيف الجسم قليل لحم الساقين حتى يظن من يراهما أنهما عظمتان يرتفع عليهما بقية الجسد النحيل - فرآه قوم كانوا تحت الشجرة فجعلوا يضحكون من رق ساقيه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «أتضحكون منهما لهما أثقل في الميزان من جبل أحد» وروى مسلم عن عائذ بن عمرو المزني أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر. فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مـأخذا. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قریش و سیدهم؟ فأتى النبي فأخبره: فقال «یا أبا بکر. لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فأتاهم أبو بكر فقال: يا أخوتاه. أأغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أبا بكر ».
إن القرآن الكريم يتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحذره من أن يجيب هؤلاء الذين يعتقدون أنهم فوق الناس وفضلاؤهم بما يملكون من مال أو سلطان ولا يليق أبدًا أن يجمعهم -ومن يظنون في تصوراتهم أنهم سوقة- مجلس واحد. فقد طلب بعض أشراف مكة ووجهائها وأصحاب المال والأمر النافذ فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يريد منهم أن يدخلوا في دينه أن يجعل لهم يومًا يجلس معهم فيه. ويجعل لهؤلاء الفقراء يومًا يجلس معهم فيه. فجاء ليقول له ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (سورة الكهف: 28. 29 ).
أرأيت كيف ارتفع هؤلاء المساكين بهذا الدين. ارتفع بلال الحبشي. وسلمان الفارسي. وصهيب الرومي. وخباب بن الأرت. إلى مرتبة دونها. دونها بكثير. بل لا مقارنة أبدًا ولا قياس مطلقًا بينهم وبين أبي جهل بن هشام وأبي لهب والوليد بن المغيرة وغيرهم وممن كانوا يشمخون بأنوفهم. ويصعرون خدودهم للناس!! بهذا يا سلمى صحح محمد عليه السلام المفاهيم في أذهان البشر.. وأقام موازين الحق والعدل وجعل الناس سواسية كأسنان المشط –كما قلت لك قبل ذلك- لا يتفاضلون إلا بمقدار ما يحمل الواحد منهم في قلبه من إيمان وتقى وعمل صالح..
لعل يا سلمى قد استبان لك كيف صححت المفاهيم. أو قیمت موازین الحق والعدل. وتساوى الناس جميعهم أمام الحوض المحمدي... وإن شئت المزيد فاستمعي: يقول ابن إسحاق حدثني حبان بن واسع بن جعان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم. فمر بسواد بن غزية - حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنقل «أي متقدم» من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: استو يا سواد. فقال: يا رسول الله أوجعتني. وقد بعثك الله بالحق والعدل. قال: فأقدني «أی اقتص لي من نفسك» فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه. وقال «استقد» قال: فاعتنقه فقبل بطنه. فقال «ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله. حضر ما ترى. فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له» «ابن هشام ح 1 ص ۲۷۸» رسول الإسلام والمسلمين يطلب من رجل من عامة أصحابه أن يقتص منه. وحاشي للمؤدب من قبل ربه أن يكون ضرب رجلًا ظلمًا أو أساء إلى أحد بغير وجه حق. وإنما هو -يا سلمى - هدى للأمة وإرشاد للحاكمين.
ولذلك عاش الأصحاب وهذه المعاني ملء أسماعهم وأبصارهم، بل ملء حياتهم كلها يطبقونها على أنفسهم وعلى الناس بلا استثناء لخليفة ولا مجاملة لحاكم أو أمير...!!
يقول عاصم بن عبيد الله: قال (من القيلولة) عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- تحت شجرة في طريق مكة.
فلما اشتدت عليه الشمس أخذ عليه ثوبه فقام. فناداه رجل غير بعيد منه: يا أمير المؤمنين، هل لك في رجل ربدت «أي حبست» حاجته وطال انتظاره؟
قال: من ربدها؟ قال: أنت.
فجاراه القول حتى ضربه بالمخفقة «أي الدرة» قال: عجلت علي قبل أن تنظرني. فإن كنت مظلومًا رددت إلى حقي. وإن كنت ظالمًا رددتني. فأخذ عمر طرف ثوبه. فأعطاه المخفقة وقال له: اقتص. قال: ما أنا بفاعل فقال: والله لتفعلن كما يفعل المنصف من حقه. قال: فإني أغفرها. فأقبل عمر على الرجل فقال: أنصف من نفسي أصلح من أن ينتصف مني وأنا كاره.
ولو كنت في الأراك لسمعت حنين عمر «يعني بكاءه» «ابن الجوزي ص۹۸» ويقول أبو عمرو الشيباني: لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني «أحد ملوك آل جفنة» كتب إلى عمر رضي الله عنه يستأذنه في القدوم عليه. فأذن له عمر. فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته. من عك وغسان حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه. فسر عمر- رضوان الله عليه-. وأمر الناس باستقباله. وبعث إليه بأنزال. وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير وركبوا الخيول معقودة أذنابها و ألبسوها قلائد الذهب والفضة. ولبس جبلة تاجه وفيه قرطا مارية (وهي جدته) ودخل المدينة، فلم يبق بها بكر ولا عانس إلا تبرجت وخرجت تنظر إليه وإلى زيه فلما انتهى إلى عمر رحب به وألطفه وأدنى مجلسه. ثم أراد عمر الحج فخرج معه جبلة. فبينما هو يطوف بالبيت- وكان مشهورًا بالموسم- إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة. فانحل. فرفع يده فهشم أنف الفزاري فاستعدى عليه عمر- رضوان الله عليه-. فبعث إلى جبلة فأتاه فقال: ما هذا؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إنه تعمد حل إزاري ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف. فقال له عمر: قد أقررت. فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقيده منك. قال جبلة: وما تصنع بي؟ . قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت. قال: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك؟ قال: إن الإسلام جمعك وإياه. فلست تفضله بشيء إلا بالتقى والعافية. قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك هذا. فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك. قال: إذن أتنصر!! قال: إن تنصرت ضربت عنقك. لأنك قد أسلمت فإن ارتددت قتلتك...» «سيرة عمر ابن الخطاب لعلي طنطاوي ص٣٦٠ نقلًا عن الأغاني وفتوح البلدان.
»يا سلوى، إن هؤلاء الذين ترينهم هم أتباع هذا الدين وحملة تلك التعاليم هم محصلة دعوة خليل الله إبراهيم، ولذلك كما يبدون لك ملوك يندسون وسط إخوانهم المسلمين تركوا ملكهم وألقابهم في بلادهم وجاءوا هنا مجردين من كل شيء إلا من إخوتهم ومحبتهم للبيت ورب البيت ولهؤلاء الإخوة الأحبة ممن يشاركونهم الموقوف والطواف.
ألا ترينهم جميعا- يا سلوى- في زی واحد.. ماذا يعني هذا؟
يعني أنهم كلهم أمام الله سواء جاءوا لله متساوين كما جاءوا في هذه الدنيا متساوين.
وكما يخرجون منها متساوين...!! جاءوا إلى هذه الدنيا عرايا فلفتهم أمهاتهم في ثياب بيض. وسيخرجون من هذه الدنيا ملفوفة أجسادهم في ثياب بيض. وها هم الآن يستعيدون في أذهانهم هذه المشاهد الهائلة. خرجوا إلى الدنيا لا يعلمون شيئًا. وسيخرجون من الدنيا لا يملكون شيئًا!! ولهذا يا سلوى تجدينهم قد نفضوا أيديهم من هذه الدنيا. وهرعوا لله متجردين من كل زينتها وبهجتها. متوجهين إليه بقلوبهم وأرواحهم. شعثًا غبرًا. قد خلعوا ثيابهم- إلا مما يستر عوراتهم- يعلنون أمامه- تبارك وتعالى- أنهم جاءوا إلى بينه الطاهر وأرض رسوله الحبيب. خالعين الدنيا بما فيها وما عليها؛ فلا سبيل لها على قلوبهم ولا على أرواحهم...!! تتمثل في الثياب التي يلفونها حول أجسادهم. الأكفان التي يلتفون بها بعد مماتهم..
وكأنهم- يا أختاه- بذلك يتدربون على لقاء الله- بهذه الوسيلة- قبل الموت ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق: 37)
ثم ألا ترينهم قد خرجوا إلى هذه الساحة العظيمة مضحين بالمال والأهل والولد- ولو مؤقتًا- إنهم بذلك يعلنون أن لا سبيل للشيطان عليهم.
فإذا كان الشيطان يأمر بفحش القول ومنكر الفعل ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (سورة آل عمران: 14)
فإنهم قد أعلنوا عصيانهم الشيطان. وتركوا وراءهم نساءهم وبنيهم وأموالهم وقالوا: لله أطعنا أمرك واتبعنا سبيلك وجئناك نتزود وخير الزاد التقوى. فلا ولن ترى- يا رب- منا رفثًا. ولا ولن تجد فينا فسوقًا. ولا ولن تسمع منا جدالًا.
لأننا نطيع ما قلت وننتهي عما نهيت ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة البقرة: 197)
ثم ألا ترينهم أيضًا- يا أختاه - قد تلاقوا لقاء المسلم من داني البلاد بأخيه من قاصيها. لقاء الذي من شرقيها بالذي من غربيها. متكافلين. متآزرين. متوادين. متحابين متعاطفين متآلفين. يمثلون صورة ضخمة للأسرة المسلمة الكبيرة التي تجتمع على موائدها في كل عام الأهل والاقرباء. والإخوان والاصدقاء.
تلاقوا- یا سلمى- لقاء آخ بأخ تحيتهم جميعًا «لبيك اللهم لبيك» واختلطوا أبيض البشرة وأسودها و أصفرها وأحمرها بلا تمييز ولا تفريق عنصري. بل هو لون يؤاخي لو المؤاخاة في الله صافية خالصة.
كذلك تلاقوا- ليكونوا جامعة إسلامية- عالمهم بجاهله . لقاء فكر بفکر ورأی برأی.. يعطيه هذا علمًا واسعًا. ويعطيه ذاك أذنا سامعة وقلبا مفتوحًا.
وكذلك تلاقوا لقاء المسلم الحاكم بالمسلم المحكوم. والسيد بالمسود مواجهة كتف بكتف. في ساحة الله. مجتمعين على طاعته يبتغون وجهه عز وجل ولا شيء سواه. لا تعالي بينهم ولا تعاظم ولا تفاخر ولا تكاثر وإنما الجميع يجمعهم الإيمان وتربطهم «شهادة أن لا إله الا الله محمد رسول الله».
وشعارهم أخوة في الله يدفعهم إليها مضاعفة الإيمان بتلك الأنوار وعزة الاسلام. وهدى اليقين . وقدسية البيت. وأنوار روح رسول- الله صلى الله وسلم-.
يا سلوى- يا أختاه ـ لعل قد تكشفت أمام عينيك وفي ذهنك الحائر كل الإجابات على كل التساؤلات التي بدأنا بها الحديث. ولعلك عرفت أنه ليس هنا ملوك سكان قصور وفقراء سكان قبور. وليس هنا ملك يتقدم. وضعيف يتأخر. وليس هنا حراس ولا حجاب.
وليس هنا أحساب ولا أنساب ولا ألقاب...!! وإنما الجميع جاءوا استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم على شعيرة سيد الخلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم .
وما أحوج أمة الإسلام إلى عقد مثل هذا المؤتمر يتدارسون فيه مشاكلهم. ويدبرون فيه أمورهم وينظمون فيه شؤون حياتهم. ويحتشدون فيه ضد أعدائهم.
وحتى يظل عقد المسلمين منظومًا. لا تخالف بين حباته الخلافات على زمن انعقاد هذا المؤتمر أو مكانه. فلا يعقد حسب الأهواء والرغبات. وتقوم المنازعات والمشاحنات حول تحديد زمانه ومكانه ويتسرب الأعداء وراء الخصومات والمساجلات. حدد الله زمان المؤتمر. فقال:﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (سورة البقرة: الآية 197) .
وحدد كذلك مكانه فقال:﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران: 96، 97)
وهنا سكتت رضوى عن الحديث. ورجعت للوراء خطوتين. ونظرت خلفها لتراني. فتهمس في أذن سلمى!!
یا سلمی، إن ابن آدم وراء الصخرة الكبيرة يتلصص- كعادته- علينا فنظرت إلى سلمى. ثم قالت: لا تخشي علينا منه يا رضوی فإنه محرم عليه أن يهيج طائرًا أو يزهق روحًا.
فقالت لها رضوى:- ولكن قد آذنت الشمس بالمغيب فهيا إلى أوكارنا. ثم انطلقتا تسبحان في الهواء. وأنا أتابعهما بعيدًا بعيدًا حتى اختفتا عن ناظري فلم أعد أراهما. ولم أعد أسمع لهما حديثًا. وخرجت من خلف الصخرة الكبيرة؛ لأندمج وسط هذا الجمع الحاشد وأردد معهم هذا النشيد الحلو بالنغم الرتيب «لبيك اللهم لبيك. لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك. والملك لا شريك لك...!!».