العنوان حملة تطهير للثقافة المصرية
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 74
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-يناير-2001
إقالة رئيس قصور الثقافة بعد انتقادات وجهها نائب من الإخوان لروايات تصدرها وزارة الثقافة تبعتها موجة من الاستقالات وثورة من دعاة الانحلال
أوساط سياسية: الحكومة قطعت الطريق على أزمة جديدة قد تثير الشارع
القاهرة: المجتمع
يبدو أن أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر، التي أوقعت مظاهرات صاخبة في مصر وعصفت العام الماضي بحزب العمل المعارض بعدما كشف ما في الرواية من عبارات تتطاول على الذات الإلهية والرسول عليه الصلاة والسلام بدعوى الإبداع لا تزال مستمرة.
وطالت توابع الأزمة هذه المرة المسؤولين في وزارة الثقافة وعلى رأسهم علي أبو شادي رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، وإبراهيم عبد المجيد رئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في أعقاب كشف نواب الإخوان المسلمين في البرلمان أن روايات صادرة عن هيئات الثقافة تتضمن عبارات تخدش الحياء وكلمات خارجة عن الآداب العامة لاتزال تصدر كما هي دون حذف أو رقابة حسبما قيل عقب الأزمة الأولى.
وكان النائب د. محمد جمال حشمت -أحد نواب جماعة الإخوان المسلمون الـ 17 في البرلمان- قد تقدم في الثاني من يناير بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الحكومة ووزير الثقافة بسبب ثلاث روايات صادرة عن قصور الثقافة الحكومية تتضمن عبارات خادشة للحياء، وحذر من تكرار وقائع رواية وليمة لأعشاب البحر جاء في طلب الإحاطة أن هيئة قصور الثقافة التي تعنى بالإبداعات المصرية نشرت مجموعة من الروايات في الشهور الثلاثة الأخيرة من العام الماضي تخدش الحياء العام ولا تتفق مع الآداب العامة..
وزاد من أهمية طلب الإحاطة أن صحيفة أخبار اليوم الرسمية نشرت تحذير النائب الأمر الذي ضرب على ما يبدو جرس الإنذار لدى الحكومة خوفًا من تجدد مظاهرات طلبة الجامعات رغم موسم الامتحانات، خصوصًا أن تجربة الوليمة كشفت حساسية الشارع المصري تجاه ما ينشر في روايات الثقافة من أقوال تمس الدين أو الآداب.
ويبدو أن دائرة الأزمات التي كشف رئيس الوزراء وجودها لمعالجة أزمات معينة عقب تفجر مظاهرات العام الماضي قد تحركت بسرعة، كما أن أجهزة الرقابة الأمنية التي بدأت تراقب أعمال وزارة الثقافة منذ الأزمة الماضية تحركت على الفور في أعقاب طلب إحاطة النائب.
وقد أمر وزير الثقافة بعد يومين من طلب الإحاطة بإجراء تحقيقات حول الروايات الثلاث مع كل من: علي أبو شادي، ومحمد كشيك- أمين عام النشر بالهيئة، وأحمد عبد الرازق أبو العلا- المشرف على النشر، ومحمد البساطي- رئيس تحرير سلسلة أصوات أدبية، التي تصدرها الهيئة، وجرجس شكري- مدير تحرير السلسلة ويبدو أن البساطي وجرجس قدما استقالتيهما تلافيًا لتصعيد الأزمة.
مجلس الوزراء يحسم الأزمة
وقد حسم كل هذا الجدل إصدار عاطف عبيد -رئيس الوزراء- قرارًا بإعفاء علي أبو شادي من منصبه كرئيس للهيئة العامة لقصور الثقافة، ونقله لوظيفة إشرافية، وندب محمد غنيم -رئيس قطاع العلاقات الثقافية الخارجية بالوزارة- للإشراف على الهيئة أما إبراهيم عبد المجيد فقدم استقالته من الإشراف على سلسلة كتابات جديدة.
ومن الواضح أن إقالة أبو شادي قصد بها تفادي أزمة سياسية بسبب إثارة الأمر في البرلمان فالحكومة لديها حساسية تجاه كل ما يعكر الأمن والاستقرار، خصوصًا بعد أزمة الوليمة والمظاهرات العنيفة في الجامعات، ويزيد من حساسية الأمر أن هناك توجسًا من نشاط نواب الإخوان في البرلمان وتفجيرهم للعديد من القضايا التي قد تحرج الحكومة ومنها قضيتا فوائد البنوك الزراعية، وروايات وزارة الثقافة اللتان طرحهما نواب الإخوان في الأسبوع الأول من نشاطهم.
كان أبو شادي أحد الذي تم التحقيق معهم إبان أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر، غير أن لائحة الاتهام الرسمية لم تشمل اسمه وقد جرى تمديد خدمته بقرار من رئيس الوزراء قبل شهرين فقط ولأن قرار إقالة أبو شادي يعتبر هزيمة واضحة لأنصار الإباحية والانحلال ممن يسمون أنفسهم بالتنويريين ويرون أن سب الذات الإلهية أو نشر الخلاعة والعبارات الجنسية في الروايات إبداعًا، فقد كان من الطبيعي أن يتداعى هؤلاء عقب القرار ويقررون عقد العديد من المنتديات واللقاءات لمواجهة ما يصفونه بأنه عدوان على الحريات والإبداع وكان أول رد فعل في هذا الصدد استقالة إبراهيم عبدالمجيد رئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة احتجاجًا على إقالة أبو شادي وما سماه «حملة التفتيش والرقابة التي تمارس ضد الأعمال الأدبية في مصر وتعكس تردي الواقع الثقافي في البلاد» فيما دعا آخرون لعقد لقاءات للبحث، وزعموا أنه تقهقر أمام التيار الديني وتلا ذلك بيان وقعه عدد منهم يدين ما اعتبروه سلوكًا قمعيًا ضد حرية التعبير وأعلنوا مقاطعة أنشطة الوزارة من معارض وندوات وأمسيات، وبخاصة معرض الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة، وليتهم يفعلوا ليريحوا الناس من شرورهم وأفكارهم المريضة.
ولأول مرة يقف وزير الثقافة فاروق حسني ضد هذا التيار الانحلالي وعلى غير موقفه من الأزمة السابقة، إذ تعهد في تصريحات لجريدة الحياة 9 يناير الجاري بالوقوف ضد أي تأليف رخيص، وأضاف: وظيفتي الأساسية هي حماية قيم المجتمع من بورنو الآداب، وإذا سمحوا يقصد «دعاة التنوير» لشقيقاتهم وزوجاتهم وبناتهم بأن يقرأوا مثل تلك العبارات الواردة في الروايات الثلاث مثار الأزمة الأخيرة، «فأنا لا أسمح لطوائف الشعب بالاطلاع على قلة الأدب»، وأضاف ولا أعتقد بأن مثقفًا محترمًا يقبل بأي شكل من الأشكال أن يسود التأليف الجنسي الذي لا يختلف بأي حال عن الأفلام الجنسية الصريحة التي تعرض في صالات العرض في مجتمعات أخرى إن ما ورد في الروايات الثلاث لا يمكن أن يخرج من حجرات النوم.
دور الأزهر والرقابة الأمنية: أزمة كتب قصور الثقافة الجديدة وجهت الأنظار مرة أخرى إلى الأزهر ودوره في مواجهة ذلك، وإلى دور الأجهزة الأمنية التي شرعت منذ أزمة الوليمة في مراجعة العديد من روايات وكتب وزارة الثقافة، خصوصًا أن رد فعل شيخ الأزهر المنتقد بشدة لوزارة الثقافة في الأزمة، ورد مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الذي صب جام غضبه على الرواية لاحتوائها على هجوم على المقدسات، وتضمنها ألفاظًا جنسية بشعة، شكل وقتها مفاجأة ووضع الحكومة في مأزق، وقد وجه شيخ الأزهر آنذاك اللوم لوزير الثقافة لأنه لم يعرض الرواية على الأزهر لأخذ الرأي فيها حيث القانون يلزم هيئات وزارة الثقافة برأي الأزهر.
وكان مراقبون مصريون قد اعتبروا أن المكسب الأكثر أهمية في أزمة الوليمة هو عودة الاستعانة بالأزهر والاهتمام بدوره ورد الاعتبار لعلمائه باعتبارهم الجماعة المعترف بها رسميًا كمرجع في الشؤون الإسلامية، وعودة دور هيئة الترجمة والنشر في الأزهر التي تراجع الكتب، بعدما سبق أن حاول مسؤولو الثقافة مرارًا التملص من إشراف الأزهر، الذي نص عليه قانون الأزهر رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١م، وأكدته فتوى مجلس الدولة عام ١٩٩٤م بتأكيد حق الأزهر ورأيه الملزم لوزارة الثقافة فيما يتعلق بالشأن الإسلامي فقد أكدت فتوى مجلس الدولة بتاريخ ١٠ فبراير ١٩٩٤م أن الأزهر الشريف وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص للمصنفات السمعية أو البصرية، إلا أن أنصار غل يد الأزهر عن إبداء الرأي في الأعمال الأدبية والروايات التي تتعرض للدين والقيم أثاروا صخبًا كثيرًا حول حرية الإبداع ورقابة الأزهر وتحدثوا عن مصادرة عشرات الكتب التي رفضها الأزهر، والطريف أنهم احتجوا بتصريحات للرئيس مبارك قالها في ٣٠ يناير ١٩٩٤م، أي قبل حكم مجلس الدولة، وأكد فيها أنه لا الأزهر ولا أي جهة لها الحق في مصادرة الكتاب، وأنه طلب إبلاغه بأي محاولة للاعتداء على الفكرة.
وبعد صدور هذه التصريحات بعشرة أيام صدرت فتوى مجلس الدولة السابق الإشارة إليها، وعندما عادوا لتجاهل دور الأزهر رغم نص القانون على ذلك ردتهم أزمة رواية الوليمة ومظاهرات طلبة جامعة الأزهر لطلب العون من الأزهر.