; حوار الطرشان في لوزان | مجلة المجتمع

العنوان حوار الطرشان في لوزان

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984

مشاهدات 75

نشر في العدد 664

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 27-مارس-1984

  • جنبلاط يثبت العلم الدرزي على طاولة المفاوضات ليؤكد على استقلالية كانتونه الدرزي.
  • مؤتمر لوزان كان الفصل قبل الأخير في المسرحية اللبنانية.

 قبل التعرض لأعمال ونتائج مؤتمر لوزان لنا أن نوجه سؤالًا تقودنا الإجابة عنه إلى التحقق من نقطة هامة في معرض التعليق على المؤتمر المذكور، وهي معرفة الهدف الرئيسي لإنعقاد المؤتمر.

     والسؤال الذي نرغب في طرحه هو هل اجتمع أمراء الحرب من أجل الوصول إلى السلام؟

     مع بداية الجلسة الافتتاحية لمؤتمر لوزان قبل أسبوعين، وما إن بدأ أمين الجميل في إلقاء كلمته -باعتباره الداعي لعقد المؤتمر- سحب وليد جنبلاط يده من جيبه ليخرج منها وفي حركة مسرحية علمًا صغيرًا يثبته أمامه على طاولة المفاوضات، وكان هذا العلم هو علم الميليشيات الدرزية، الذي يرفع فوق جميع المناطق الدرزية منذ إعلان الإدارة المدنية فيها، ولم تكن حركة جنبلاط هذه إلا انعكاسًا لرغبته الحقيقية في التأكيد على استقلالية كانتونه الدرزي، ومن هنا فإن الأطراف الأخرى المشتركة في المؤتمر كانت دائمًا تدرك حقيقة التوجه الطائفي للقوى الفاعلة في الأحداث اللبنانية، ولكن عملية الإخراج كانت تفرض تحديد الأدوار وتوزيعها بالشكل المناسب لذلك كانت القضية تميل إلى العنف تارة، وإلى التفاوض تارة أخرى وإلى، إلخ، حتى يتمكن المخرج من إعلان النهاية التي وضعت لهذه القضية، لذلك كان مؤتمر لوزان الفصل القبل الأخير في المسرحية اللبنانية.

  • ما بين جنيف ولوزان:

     قبل أربعة أشهر من انعقاد مؤتمر لوزان عقد في جنيف مؤتمر ضم نفس الأعضاء، ولذات الدافع، ونفس الحجة: حل المشكلة اللبنانية وإعلان الوفاق، ولكن الذي حصل على أرض الواقع أن المؤتمر لم يكن سوى فصل من فصول المسرحية اللبنانية، فعلى أثر انفضاض المؤتمر، وعودة المؤتمرين إلى لبنان بدأت عملية تنفيذ ما اتفق عليه وراء الكواليس من حيث تصعيد الأعمال العسكرية من معركة بيروت الغربية، وتثبيت حركة أمل في الغربية، وتحطيم ما تبقى من الجيش اللبناني، والذي بدا في وقت من الأوقات أن الجبهة الوحيدة التي يمكن لها أن تعمل على تحقيق الوفاق الحقيقي إذا ما أريد لهذا الوفاق أن يتحقق فالجيش اللبناني يبقى مع كل التحفظات الجهة المناسبة لإنهاء القوى المسلحة التابعة للطوائف المختلفة، لذلك كان لا بد من إنهاء دوره لضمان استمرارية الميليشيات الطائفية، ويظهر أن جميع القوى الفاعلة في لبنان ابتداء بالعدو الصهيوني إلى النصارى إلى الدروز إلى أمل، كانت تشترك في هذا الرأي، فالعدو الصهيوني قام بالتشويش على أجهزة اتصالات الجيش اللبناني، وقطع طرق إمداداته، وهذا بالطبع ينسجم مع هدف العدو الرامي إلى تقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية، وخلال هذه الفترة أيضًا انتهى دور القوات المتعددة الجنسيات، وتم تثبيت خط العزل الطائفي المعروف بالخط الأخضر الفاصل بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية بعد تحجيم القوات اللبنانية المسيحية، وحصرها داخل حدود الكانتون المسيحي، وذلك على مرأى ومسمع القوات الصهيونية والأمريكية، إلى غير ذلك من أمور حدثت خلال الشهور الأربعة الأخيرة، وكان على رأس ذلك كله لقاء الجميل الأسد، وإعلان إلغاء اتفاق ۱۷ مايو، والذي صورته أجهزة الإعلام التضليلية بأنه انتصار للقوى الوطنية والعروبة و....

     ولنستمع إلى قول إسحق شامير أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن للتلفزيون الأمريكي يقول شامی: إن الاتفاقية اللبنانية الإسرائيلية كانت مفيدة لإسرائيل في مرحلة معينة من الوجود الإسرائيلي في لبنان؛ أي أنها ليست مفيدة في كل المراحل.

     ويقول شامير أيضًا: أن إلغاء الاتفاق يعني إعطاء إسرائيل الحرية في اتخاذ ما تراه مناسبًا لها في جنوب لبنان، وهذا يعني تقسيم الأمر الواقع. 

     ويقول ريمون إده السياسي اللبناني المعروف: مع ترحيبي بالإلغاء إلا أنني أتخوف من أن يكون هذا الإلغاء بداية لصفقة ما على حساب لبنان ووحدته وبقائه، من حيث إن ذلك جسد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، واستمرارًا للتواجد السوري، وكانت صحيفتان بريطانيتان، هما: الديلي تلغراف، والغارديان قد ذكرتا أن إسرائيل ستبقى في جنوب لبنان عقب إلغاء اتفاق ۱۷ مايو؛ لأن إسرائيل -وانطلاقًا من حجة تهديد المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة بعد إلغاء الاتفاق- لن تجد أمامها سوى خيار واحد هو تقسيم لبنان بحيث تقوم هي بتوطيد أقدامها في الجنوب وعزله عن باقي لبنان، وبالتالي فإن سوريا ستعمل على الاحتفاظ لنفسها بشمال لبنان بحجة وجود إسرائيل في الجنوب.

     وكان ريتشارد فير بانكس مساعد ماكفرلين في المفاوضات اللبنانية قد ذكر في حديث صحفي لمجلة الوطن العربي: أن حكومة الولايات المتحدة لم تعقد أي صفقة مع سوريا، إلا أنها شجعت قيام اتصالات بين لبنان وسوريا، لذلك لم نفاجأ بزيارة أمين الجميل لسوريا. إذن أمريكا لا ترغب بحل جذري للمشكلة اللبنانية؛ لأن حل هذه الأزمة لا بد أن يرتبط من -وجهة النظر الأمريكية- بقضية الشرق الأوسط، إضافة إلى أن أمريكا لا تغفل على الترابط الوثيق بين الأوضاع اللبنانية والخليجية، لذلك فإنها تنظر للأحداث اللبنانية والخليجية من خلال رؤية إستراتيجية واحدة، ولهذا يقول المراقبون إن السفن الأمريكية الموجودة بالقرب من شواطئ المنطقة توجه مدافعها صوب الخليج، ومن هذا المنطلق كانت الرغبة الأمريكية الحالية موجهة نحو تهدئة الوضع اللبناني بشكله الحالي بعد ظهور ملامح الكانتونات الطائفية؛ نظرًا لإنشغال الإدارة الأمريكية بانتخابات الرئاسة القادمة، وهذا ينطبق تمامًا مع تصريح شولتز وزير الخارجية الأمريكية بقوله يجب العمل على استقرار الوضع اللبناني على ما هو عليه، ثم ننتظر لنرى إلى أين ننتقل من هذا الوضع، ومن هنا كان إعطاء أمريكا الضوء الأخضر لسوريا للعمل على تهدئة الوضع اللبناني، فكان الضغط على الميليشيات، وتثبيت الشعار المعروف لا غالب ولا مغلوب، وجمع الفرقاء حول طاولة المفاوضات لتحقيق هذا الشعار، وهذا بالطبع ما يتناسب مع توجهات العدو الصهيوني.

  •  

لماذا لوزان؟

     ما ذكرناه آنفًا يعطينا صورة عن الأسباب والدوافع التي عقد من أجلها مؤتمر لوزان، وهذه الأسباب يمكن أن نحصرها في العمل على تهدئة الأوضاع اللبنانية توطئة للفصل الأخير من المسرحية اللبنانية، والتي ستنتهي بتقسيم لبنان أرضًا وشعبًا، لذلك كانت جميع المحاورات والمناقشات وعلى مدى تسعة أيام- لا تعني للمشاركين في المؤتمر أي شيء ولهذا كانت جميع الأوراق التي قدمت للمؤتمر ذرًا للرماد في العيون، وإعطاء المؤتمر الأهمية التي تفوق عطاءه وإمكاناته، وكان أعضاء المؤتمر يعلمون هذه الحقيقة؛ لذلك كانت الابتسامات المتبادلة فيما بينهم، ومآدب الغداء والعشاء التي تجمعهم مع زوجاتهم في أجمل المناطق الأوروبية- تأكيدًا على أكبر المهازل السياسية في تاريخ المنطقة الحديث.

      فالمؤتمر أكد -عن طريق تصريحات سليمان فرنجية عضو ما يسمى بجبهة الخلاص- على حقيقة التوجه الطائفي، والذي اعتبر على إثر رفضه القاطع لإلغاء الطائفية السياسية خارجًا عن مبادئ جبهة الخلاص على حد زعم زعمائها الآخرين، إضافة إلى أن العضو الآخر في هذه الجبهة -وهو رشيد كرامي الذي يمثل مع صائب سلام الطائفة السنية- كان مع زميله أضعف الأعضاء تأثيرًا؛ نظرًا لوضع الطائفة السنية داخل لبنان سواء في بيروت الغربية حيث تم تجريد ميليشياتها، أو في الشمال حيث تحاصرها القوات السورية، ومن هنا فإن التواجد اللبناني في المؤتمر كان ينحصر في تحالف بري جنبلاط، وشمعون، والجميل، وطالما كان هذان الطرفان يلتقيان عند النقاط الأساسية التي تدور حولها القضية اللبنانية والمتمثلة في حقيقة توجههم الطائفي، رغبتهم الأكيدة في إقامة كيانات خاصة بطوائفهم، وإن كان هناك اختلاف أو تباين في شكل هذه الكيانات وطبيعتها، اتفاقهم على ضمان الأمن الإسرائيلي، اتفاقهم على منع التواجد الفلسطيني المسلح، اتفاقهم على تحجيم دور الطائفة السنية المعادية تاريخيًا للعدو الإسرائيلي... إلخ، فماذا يمكن لمؤتمر لوزان أن يحقق من نتائج؟ 

    إن الإجابة الطبيعية الملائمة أن مؤتمر لوزان لم ينعقد أصلًا من أجل تحقيق نتائج يمكن أن تنعكس على القضية اللبنانية، بل إنه انعقد فقط من أجل تهدئة الوضع توطئة لكتابة الفصل الأخير من المسرحية اللبنانية. 

     وأكثر الظن أن المراقب الأمريكي، والمراقب الإسرائيلي في مؤتمر لوزان قد شرعا فور انتهاء المؤتمر بكتابة الفصل الأخير وتسليمه للمخرج.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

179

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)

نشر في العدد 193

198

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)