; الخبير الاول بمجمع الفقه الإسلامي الدولي: نحن الدعاة نستطيع أن نقلل من السرقة دون حاجة إلى قطع الأيدي | مجلة المجتمع

العنوان الخبير الاول بمجمع الفقه الإسلامي الدولي: نحن الدعاة نستطيع أن نقلل من السرقة دون حاجة إلى قطع الأيدي

الكاتب غازي كشميم

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 75

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 16

السبت 07-مارس-2009

حذر د. أحمد الريسوني من الصراعات العديدة في المجتمعات الإسلامية سواء الصراعات بين الإسلاميين والعلمانيين أو بين الحكام والإسلاميين، مشيرا إلى أن مثل هذه الصراعات تنهك وتستنزف قوى الأمة الإسلامية، وأن الأمة إذا لم توقف هذه الأمور، وتوجد صيغاًمشتركة للعمل فستظل على ما هي عليه. ويرى د. الريسوني - الخبير الأول بمجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة بالمملكة العربية السعودية ورئيس حركة التوحيد والإصلاح المغربية سابقا - يرى أنه ليست هناك ضرورة لأن يتنازل أي حاكم مستبد عن كرسيه بشرط تنازله عن استبداده، وأنه إذا تنازل كل حاكم عن نصف استبداده فسيجد تجاوبا لأن مطالب الشعوب الإسلامية الآن ليست كبيرة حيث إن سقف مطالبها أصبح محدودا وفيما يلي نص الحوار:

حاوره في «جدة»: غازي كشميم 

-سبق لكم طرح نظرية أصولية مقاصدية هي نظرية «التقريب والتغليب»، وكتبتم فيها مؤلفا، هل لكم أن توضحوا لنا باختصار مدى أهميتها في الواقع المعاصر ؟ نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية هذه أطروحتي لنيل دكتوراه الدولة، وهي في كتاب ذي طبعات عدة، والمقصود بهذه النظرية أن ما نعتقد وما نعمل به في ديننا وما نجده وما نستنبطه وما نفهمه من القرآن والسنة ومن أحكام الشرع.. هذه الأمور كلها في فهمها واستنباطها والعمل بها قد نصل إلى درجة اليقين الكامل فيها، وقد لا نصل. والأغلب أنه في الأصول لابد أن نصل وفي الفروع قد لا نصل.. ولكننا نصل إلى ما يقارب الجزم واليقين من الناحية النظرية والعقدية فنقبل به، ومن الناحية العملية نصل إلى ما يقارب الشيء المطلوب في صورته الكاملة، فيأتي تطبيقنا قريبا من الصورة الحقيقة شبيها بما هو مطلوب، وهذا يكفي في الدين

• أيعني هذا أن النظرية تُحرّر الفقه الإسلامي - شيئا ما - من التردد في البت في كثير من القضايا الشائكة، خاصة في مجالات مثل المعاملات المالية والمصرفية؟

- هذا موضوع كبير جداً لكن أقول: هذا يحرر العقل المسلم ويحرر القدرة على المبادرة، فبعض الناس مثلا يمنعون ويغلقون كثيراً من الأبواب على بعض المصالح الكبرى؛ لأن في ثناياها وفي طريقها شيئا مما لا يُحمد أو لا يُقبل شرعاً فيعطلون المصالح والأعمال، لكن النظرية تقول لك: إنه ليس بالضرورة تحصيل المصالح الخالصة ولا درء المفاسد بصفة تامة، بل تدرأ المفاسد في غالبها، وتجلب المصالح الغالبة ولو كان فيها بعض الضرر وبعض المضاعفات الجانبية. 

هذه النظرية، ألا تتعارض مع  نظرية سد الذرائع والاحتياط في دين الله؟

- الفكر المقاصدي والأصولي الذي أؤمن به يضع كل شيء في موضعه فالاحتياط لا يقوم به العلماء؛ لأن من شأنهم أن يقوموا بالتحقيق لا بالاحتياط أما الاحتياط فهذا للمكلف في تصرُّفه، إذا شك في الأمر: أهو مصلحة أم مفسدة؟ خير أم شر؟ يُرضي الله أم يُغضبه؟ ولم يجد من يوضح له الطريق ويعطيه الجواب الشافي وكان هذا الأمر ليس من ضروريات حياته؛ فالأفضل له أن يختار الاحتياط، خاصة في الأمور التي فيها خيارات عدة، وفيها مخارج.

• أيعني هذا أن المفتي لا يأخذ بنظرية الاحتياط وإنما يأخذ بتغليب المصالح؟

- المفتي لا يلجأ إلى الاحتياط إلا إذا عجز عن الإفتاء؛ لأن الاحتياط معناه أن الأمر لم يتبين له كما في الحديث: «الحلال بين، والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» هذه الأمور المشتبهات على المكلف لا على الفقيه، ولذلك قال: «لا يعلمهنَّ كثير من الناس»، ولم يقل : لا يعلمها أحد من الناس. فعلى الفقيه أن يميز هذه المشتبهات، أهي من الحلال أم من الحرام؟

والناس لا يسألون عن الحلال البين والحرام البين وإنما يسألون عن المشتبهات الملتبسة، وهذه يعرفها الفقيه، أما إذا عجز فالاحتياط له ألّا يفتي، وليُحِل الناسَ إلى غيره لا أن يفتي الناس بالتشدد والاحتياط كي لا يتحول الدين كما قال بعض العلماء إلى مجموعة من الاحتياطات.

فتح الذرائع

• بعض الباحثين في الآونة الأخيرة نادوا بفتح الذرائع في مقابل سد الذرائع الذي انتشر بين أوساط العلماء.. فما رأيكم؟ فتح الذرائع لا يحتاج من ينادي به اليوم، وإنما هو موجود دائما، والإمام «القرافي» وشيخه «العز بن عبد السلام» هما أكثر من أصلا هذا الموضوع؛ إذ قالا : «إن الذرائع كما يجب سدها يجب فتحها». و«ابن القيم» يقول في عدد من كتبه: «ما حُرِّم للذريعة يُباح للحاجة»، وهذا هو فتح الذرائع، وهو شيء معروف في الفقه والذرائع التي تسد هيا المباحات التي تمنع، وفتح الذرائع: هي الذرائع التي منعت الشرع لأسباب عرضية أو ذرائعية، فيمكن أن تفتح وتباح عند الحاجة.

  • لكن مادام الأمران موجودين في الشريعة، فلماذا انتشر سد الذرائع

أكثر من فتحها ؟

- هذا قد يكون صحيحاً؛ لأن الفقه الإسلامي عموما في القرون الأخيرة غلب عليه التشدد والاحتياط، ومازالت هذه الآثار موجودة، وإن كانت المسألة تختلف من فقيه إلى آخر، لكن الغالب على الفقهاء أن سد الذرائع محبب إليهم أكثر من فتحها لأنه الأسهل، ويعتقدون أن هذا هو حفظ الدين.. لكن حفظ الدين ليس في التشدد ولا في الانحلال، حفظ الدين هو أن تتحرى العدل والاعتدال والتوازن وتتحرى ما قصده الشرع، سواء أكان فيه نوع من العزيمة أم كان فيه تخفيف وترخيص.. وقد يكون حفظ الدين بالتخفيفوالتسهيل؛ لأن التشدد أحيانا يصرف فئات عريضة من الناس عن التدين.. وأن يكون عندنا بعض التخفيف والتسهيل فنحفظ ملايين الناس في نطاق التدين خيرٌ من تشدد يُبعد هؤلاء عن التدين.

الإسلاميون والحكومات

• الصراع بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية عائق كبير جداً في طريق التقدم، فما المخرج إذا من هذا الصراع، خاصة أن الحكام لن يتنازلوا عن كراسيهم، والإسلاميون لن يتنازلوا عن مبادئهم ومطالبهم ؟

 - لا أرى حاجة لأن يتنازل أي حاكم عن كرسيه بشرط أن يتنازل عن استبداده وأعتقد أنه إذا تنازل كل حاكم عن نصف استبداده فسيجد تجاوباً؛ لأن مطالب الشعوب الإسلامية الآن ليست كبيرة؛ إذ أصبح سقف مطالبها محدوداً . . لكن حركات إسلامية كثيرة بدأت تسعى إلى الحكم!

- هذا موضوع آخر، لكن إذا أتيح قدر يسير من الحرية فسوف ينخرطفيه هؤلاء الإسلاميون بشكل كبير وبارتياح.

 ثم يفوزون وبالتالي ينافسون علىالحكم، وهذا ما لا يريده الحكام !

هذا صحيح، لكنرغم هذا نجد أن الإسلاميين في كثير من الحالات يقبلون حلولا متدرجة ولا يرفضون التعاون..

 هذا على المدى القريب.. أما على المدىالبعيد فهناك مطالب أخرى، أليس كذلك؟!

المستقبل البعيد ليس لأحد أن يتحكم فيه، فنحن نضع القطار على طريق القضبان، وفي محطة ما من القرن القادم مَنْ الذي سيقوده؟ هذا شيء آخر.. الآن نضع الأمور ونرسيها، أما إذا كان الحاكم نفسه يفكر لحزبه أو ذريته أو ذويه على مدى قرون مقبلة، فهذه مشكلة إضافية يكفيه أن يحل مشكلات زمنه ومرحلته وليترك الزمان القادم لأهله لتُرشد فيه الأمور. عـلـى أيـة حـال، هناك صـيـغ كثيرة للعمل والتوافق وهناك الآن - للأسف - صراعات في المجتمعات الإسلامية، بين الإسلاميين والعلمانيين، وبين الحكام والإسلاميين، وبين الحكام واليساريين وبين القوميين والوطنيين.. هذه صراعات موجودة يتم تغذيتها داخلياً وخارجياً باستمرار، وتنهك قوى الأمة وتستنزف عافيتها لصالح أعدائها.. وما لم نوقف هذه الأمور، ونوجد صيغاً مشتركة للعمل، فسنظل على ما نحن عليه، وهذا أقوله للعالم والداعية والسياسي، أقول لهم جميعا : يجب أن نسعى إلى نوع من التعاون والتنسيق، فالقبول بأنصاف الحلول خير مما نحن فيه، والقبول بأرباع الحلول خير مما نحن فيه أيضا .

الدولة الإسلامية

• أثرتم قضية الدولة الإسلامية وقلتم : إن أحكام الشريعة أو أغلبها ليست بحاجة إلى دولة لإقامتها، وإنما هي وسيلة من الوسائل قد تقوم غيرها مقامها.. ألا يبتعد هذا الطرح كثيرا عن آمال الحركات الإسلامية وتطلعات أبناء الصحوة الإسلامية؟ - نعم لا يبتعد، فإني أعتقد أن هذا سيفتح لهم أفقا جديدا؛ ليطبقوا الشريعة دون أن يكونوا رؤساء ولا ملوكا ولا وزراء . 

• أليست الدولة الإسلامية ضرورة وإحدى ثوابت الدين أم أنها وسيلة من

الوسائل؟

- الحكم.. سواء أكان سياسياً أم قضائياً يجب أن يكون منطلقاً من الإسلام. 

• المقصود إذا دولة إسلامية أم المقصود أنه ليس بالضرورة أن يتولى الإسلاميون السلطة؟

- لقد قلت: إن تسعة أعشار الشريعة يمكن تطبيقها بدون الدولة بدون أن تكون الدولة هي المطبقة بنفسها وأجهزتها لو وجدت مثلاً دولة محايدة ليست إسلامية، وليست ضد الإسلام.. لكن هناك أموراً تعتمد على هوية الدولة؛ كالنظام الاقتصادي، والنظام التعليمي، أليس كذلك؟! - قرأت قبل أيام فقط عن تسابق الدول الأوروبية لاجتذاب رؤوس أموال المسلمين عن طريق المعاملات المصرفية الإسلامية فهل هذه الدول هويتها إسلامية؟! لا، لكن نجاح العمل والتجربة يجعلها تقول: تعالوا تفضّلوا .. وهناك دول إسلامية لا تستطيع أن تفعل هذا !

. أتقصد أنه لو فتحت أجواء الحرية والاختيار فإن الإسلام سيحكم على كل حال؟

- ما معنى سيحكم ؟ يعني سيلتزم الناس به، وهذا هو المقصود .. وطبعاً أنا قلت: تسعة أعشار، ومن ثُمَّ بقي العشر الذي لا يمكن أن تقيمه إلا الدولة: كالقضاء والأمن وإقامة الحدود، لكن أنا كشخص من المجتمع أستطيع أن أخدم قضية الحدود بطريقة أو بأخرى؛ لأن الدولة حينما تقيم حد السرقة تقلل من السرقات وهذا هو المقصود .. ونحن الدعاة نستطيع أن نقلل حوادث السرقة دون اللجوء إلى قطع الأيدي، مثلاً بالتربية وبالتنشئة وبالتنمية وغيرها. .

 لكن الرسول  أسس مفهوم الدولة في الإسلام، فأين نضع هذا المفهوم؟!

- أنا لا أنكر الدولة الإسلامية وفائدتها ووجوبها، لكني أقول: «في ظروف معينة»، بل حتى في ظل الدولة الإسلامية الأولى أو النموذجية لم تكن الدولة تتولى كل شيء؛ لأنها إن تولت كل شيء أماتت الأمة والمبادرة والحريات والابتكار؛ فالمجتمع يجب أن يكون حياً يساهم في أمنه، واقتصاده، وتعليمه، ودينه .

اتحاد إسلامي دولي

  • وإذا لم تكن دولة إسلامية ألن تكون هناك خلافة إسلامية إذا ؟!

- «الدولة الإسلامية»، و«الخلافة الإسلامية» هذه مجرد أسماء، وأنا لا أريد التشبث بالأسماء ولا بالأشكال، فالأصل في المسلمين أنهم أمة واحدة ودولة واحدة حتى في تاريخنا الإسلامي القديم كانت هناك دول لا ترتبط بالخلافة إلا بالاسم .

 لكن ما الذي سيربط المسلمين بعضهم بعضاً ؟

- للأسف، نحن مضطرون لأن نعطي القدوة والمثال بغير المسلمين مثل الاتحاد الأوروبي، ولتكن منظمة المؤتمر الإسلامي مرشحة مثلاً فأدعوها إلى أن تحذو حذو الاتحاد الأوروبي.. أو فلتكن جامعة الدول العربية هي المرشحة أو مجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد المغرب العربي.. وربما بعد عشرين أو ثلاثين عاماً يكون عندنا «الاتحاد الإسلامي الدولي»، فيكون له أمين عام ينسق بين الرؤساء، وله مؤسسات موحدة، وعملة موحدة .

-إذا تنازل كل حاكم مستبد عن نصف استبداده فسيجد تجاوباً لأن مطالب الشعوب أصبح سقفها الآن محدوداً.

-تسعة أعشار الشريعة يمكن تطبيقها بدون الدولة.. والحركات الإسلامية يمكنها تطبيق الشريعة دون أن تكون في الحكم.

-الصراعات في مجتمعاتنا الإسلامية تستنزف قوى الأمة لصالح أعدائها .. ويتم تغذيتها داخليا وخارجيا.

-أن يكون لدينا بعض التخفيف والتسهيل فتحفظ ملايين الناس في نطاق التدين.. خير من تشدد يبعد هؤلاء عن الدين.

 فتح الذرائع لا يحتاج لمن ينادي به اليوم فهو موجود دائما ... والإمام «القرافي» وشيخه «العزبن عبد السلام » هما أكثر من أصلا هذا الموضوع.

-نظرية «التقريب والتغليب» تحرر الفقه الإسلامي شيئا ما من التردد في حسم كثير من القضايا الشائكة .

الرابط المختصر :