; حوار في الفضاء | مجلة المجتمع

العنوان حوار في الفضاء

الكاتب محبوب عالم خواجه

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 898

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 03-يناير-1989

 

  • الفتاة المسلمة مسلمة في تفكيرها مثلما هي مسلمة في سلوكها
  • المرأة ذات الحجاب متعلمة وذكية ومتفتحة مثل كل المتنورات والتقدميات في هذا العالم

نحاول في الحوار التالي مناقشة الانطباع الغربي عن المرأة المسلمة المتحجبة المتمسكة بتعاليم دينها وذلك من خلال حوار شامل، وفي الوقت نفسه نحاول طرح خيارات متعددة للمبادئ والمنطق والمعتقدات.

نأمل أن يقدم هذا خدمة جليلة للمرأة المسلمة المثقفة بشكل خاص ولكافة المسلمين بتعاليم دينهم بشكل عام.

أثناء السفر على رحلة السعودية من نيويورك إلى جدة: نظرت السيدة الغربية إلى المقعد القريب، وتعجبت من الجلباب الأسود الذي يغطي المسافرة التي تجلس عليه، أو هكذا ظنت تلك المسافرة الفتاة: الطالبة السعودية التي تعود الآن إلى أرض الوطن.

الفتاة: هل أضايقك؟

السيدة: أه كلا كلا كنت أتعجب من الغطاء الأسود الذي وضعته على رأسك، ومن خمارك. هل تشعرين بالخجل؟

الفتاة: الخجل– الحياء هو السمة الحقيقية للفتاة المسلمة، ألا تعرفين ما معنى الحياء؟

السيدة: كلا، لا أعرف!

وتدرك الفتاة التوتر في الموقف، وتبادر بتفسير معنى «الحياء».

الفتاة: كما تعرفين، فإن الإسلام يعلمنا أن نغطي وجوهنا، وأجسامنا، «حتى لا نكشف» أنفسنا أمام الغرباء، إن لباسنا هو طريقنا في الحياة. ولأني مسلمة فإن ملابسي تمثل عقيدتي وعرفي وطموحاتي.

السيدة: ما أغرب ما أسمع! إننا في بلاد الغرب لا نقبل مثل هذا التفكير البدائي. فلقد تغير الزمن وعلى النساء المعاصرات أن يفكرن بانفتاح واتساع، حتى يحصلن على الحرية والنجاح. 

الفتاة: ألا تعتقدين بأننا حرات وناجحات أيضًا؟ هل تعتقدين أننا متخلفات وأسيرات خلف الجدران؟ خذيني مثالًا، أنا أتلقى العلم في أمريكا، والدي رجل أعمال، لا تنقصني الحرية، ومتوفر عندي كل أسباب الراحة والسعادة، ومع كل ذلك، فأنا أرغب في المحافظة على هويتي كفتاة مسلمة. إنني أحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها، وأقرأ القرآن وأعبد الله وأبر بوالدي– هل يبدو ما قلته غريبًا؟

السيدة: أفعلًا أنت حرة في تقرير أي شيء تريدين في حياتك؟

الفتاة: نعم إنني أملك كل الحرية التي يمكنك تصورها، لكن المشكلة أنك غير قادرة على استيعاب طبيعة حريتي.

السيدة: لماذا؟

الفتاة: لأن عليك ممارستها أولًا، ولأنك نشأت في بيئة ثقافية مختلفة. إنك تصدقين ما تنقله وسائل إعلامكم عن أخبار النساء المسلمات. إن أخباركم في الأغلب تكون متحيزة وتعطي انطباعا غير حقيقي عنا. وعلى سبيل المثال، فقد نجحت وسائل الإعلام في إقناعك أن تغطية الجسم رمز للتخلف والعبودية. وفي حقيقة الأمر، فإن وضعنا للحجاب وتغطيتنا للجسم هو رمز لهويتنا. إن الطرق التي نتخذها في حياتنا تتوافق تمامًا مع طبيعة المرأة ودورها في بيئة اجتماعية صحية.

 السيدة: أتقصدين أن المرأة الغربية بعيدة عن طبيعتها ودورها الحقيقي في المجتمع؟

 الفتاة: إني أترك لك الحكم بعدما نقارن بين الدورين الاجتماعيين فأنا أعتقد أن المرأة في المجتمعات الغربية قد انشغلت تمامًا في الأعمال والمهن، حتى أصبحت في ذلك مثل الرجل. لقد فقدت هويتها وتركت لباسها وهجرت منزلها وعائلتها، وأصبحت تبدو كالرجال، وتتصرف بعدوانية، وهكذا، فأين ما يميز الرجال عن النساء؟

السيدة: ما ذلك التمييز الذي تشيرين إليه؟

 الفتاة: التمييز الطبيعي، الذي يجعل الرجل يبدو مثل الرجال، والمرأة تبدو مثل النساء.

السيدة: ومرة أخرى، فأنا أقول إنك تحبين الأشياء القديمة. إنني أعتقد أن على المرأة أن تتحرر من هيمنة الرجال، وأن تعيش مستقلة وتناضل من أجل حقوقها.

 الفتاة: إن هذه حرية زائفة، ولأكن صريحة معك فأنا أعتقد أن المرأة في المجتمعات الغربية ليست حرة. إن حريتها مجرد أسطورة وبكلمات أخرى، فإن الرجال عندكم قد حرموا النساء حقهن، عندما جردن من طبيعتهن الحقيقية: الفطرة، ومن مكانها الطبيعي في المجتمع، عن طريق استغلالهن بطريقة منظمة فهم يقدمون المرأة في مختلف جوانب الحياة كرمز للجنس، ولا شيء آخر. وأما في مجتمعنا، فإن صورة المرأة ليست للتجارة، فهي رافد مهم من ضمن الروافد التي تشكل القيم، وهي محبوبة من أبويها وإخوتها وأخواتها، وتجد رعاية من زوجها وتتمتع بمكانة واحترام حقيقيين في مجتمعها، ومنذ نعومة أظافرها يتولى تنشئتها بعناية خاصة فيربي أخلاقها، ويدربها على أعمال النظافة والتقوى وبسلوكها نعمل على توثيق علاقتها بالله، والوالدين والمجتمع إن الفتاة المسلمة مسلمة في تفكيرها مثلما هي مسلمة في سلوكها. وعلى ذلك، فإن مجتمعكم لا يربي أخلاق الفتاة، فلا أحد يتكلم عن الحياة، والعائلة، واحترام الوالدين والعطف على الصغار، بينما تشكل نفس هذه السمات نظامنا القيمي. والآن أخبريني ألسنا أقرب منكن إلى الطبيعة والحرية أم لعلك تعنين بهذه المفاهيم شيئًا آخر؟

السيدة: إن هذا سؤال افتراضي.

الفتاة: كلا كلا هو سؤال حقيقي، ولقد قصدته. السيدة: لماذا يضرب الزوج السعودي زوجته قبل عشاء الفراش في منتصف الليل؟ 

الفتاة: هذا أمر لم أسمع به.. إنها مجرد نكتة من نكات بعد الأكل عندكم فقط لتملأوا بها فراغًا في جدول نكاتكم.

السيدة: حسنًا، أخبريني بصراحة، أنت فتاة صغيرة فهل تخرجين؟

الفتاة: نعم، مع والدي وإخوتي وأخواتي 

السيدة: لا، لا أنا أقصد شيئًا آخر. فكما تعلمين يخرج الشباب لقضاء أوقات لطيفة مع بعضهم! الفتاة: حسنًا، أنا أعرف ماذا تعنين ولأني مسلمة فأنا أؤمن بالله، وأحب والدي وإخوتي وأخواتي ومقدار المتعة التي أشعر بها وأنا أقضي وقتي مع الله ومعهم لا يمكنك تصورها.

السيدة: من المؤكد أستمتع بآرائك، لكني غير مقتنعة أن النساء الشرقيات هن مثلما قلت. ومن المؤكد أنك على وعي وبقيمك الثقافية. هل تتكلم أغلب النساء في بلدك عن حقوقهن وقضاياهن؟

الفتاة: إن النساء في بلدي لا يجتمعن في مؤتمرات، ولا يجتمعن من أجل التظاهر والمناداة بالقضايا، هذا غريب عن عاداتنا وقيمنا. ويكفي القول إن المرأة في المجتمع الإسلامي تتمتع بقدر كبير من الاحترام والحب والتعاطف، وسواء أكانت أمًا، أم بنتًا، أم أختًا، أم زوجة، فإن لها دورها الهام في صنع القرارات العائلية، ولهذا فإن علاقتها بالعائلة هي علاقة وطيدة الأركان، وبخاصة مع والديها، وإخوتها، وأخواتها، وزوجها، وأبنائها وكنتيجة لذلك، فهي في سلام مع نفسها بسبب تلك العلاقة الطبيعية، وتسهم في الانسجام والسلام في تنمية الحس الاجتماعي بسيادة السلام. ولا يعني كل هذا أن النسوة السعوديات خلو من المشكلات، فالمشكلات موجودة، ويتعاون المجتمع مع أفراد العائلة في حلها. والآن فالأمر عائد لك حتى تستنتجي إن كان علينا أن نعلن مشكلاتنا على الملأ، أو نحاول حلها ضمن أنفسنا.

السيدة: هل تعتقدين أن على المرأة الغربية أن تلف نفسها وتتبعك أنت وذلك السلام الخفي؟

الفتاة: حسنًا، أنا لم أقل إن عليك إتباع قيمنا رغمًا عنك. فإن كنت تشعرين أننا لسنا في صراع مع طبيعة المرأة ومع مكانها الحقيقي في المجتمع، فإن عليك بعد أن تقرري: مع السلام أو الصراع.

السيدة: إن كانت قيمكن الاجتماعية على هذه الدرجة من التقدم والانسجام، فلماذا لم تخرجن من جدران الحجب وتطورن إمكاناتكن من أجل تربية أفضل وحياة أغنى؟

الفتاة: مع أنك لم تقولينها بصراحة، إلا إنك أردت القول إن كل النساء المحافظات متخلفات وجاهلات. 

السيدة: لم أقصد كل ذلك، لكن مازال على أولئك النساء التقدميات المتلفعات بالسواد، أن يقدمن الكثير.

الفتاة: أراك كونت رأيك هذا متأثرة بمفهوم وسائل الإعلام الغربي عن المرأة المسلمة، وهو غير صحيح. وأؤكد لك أن المرأة ذات الحجاب الأسود متعلمة وذكية ومتفتحة مثل كل المتنورات والتقدميات في هذا العالم... اعلمي أن مفهومنا للتقدم يختلف عن مفهومكم: ففي الوقت الذي تركز نظريات تقدمكم على الأشياء المادية وتهمل الإنسان، فإن الإنسان في مجتمعنا هو المحور الرئيسي لكل تقدم. إذ تعمل مختلف المؤسسات الاجتماعية على تربية قدراته وإمكاناته وتدريبها تدريبًا يمكنه من حسن القيام بدوره الاجتماعي. ولا قيمة للأشياء المادية من غير إنسان يستخدمها. وتفقد الأشياء المادية أي معنى أن لم يترابط بها إنسان متعلم. ومن غير ذلك، سيبقى الصراع مستمرًا بين الآمال الإنسانية وطبيعة الأشياء المادية.

وبوجه عام، فإننا لا نعطي للأشياء المادية تلك الأهمية التي تجعلها الغاية الكبرى في حياة الإنسان، ولكنها أوجدت لتساعدنا على العيش بسعادة وسلام حسب قوانين الله. ونتج عن ذلك ارتباط يتم بالتوازن والانسجام بين الإنسان وطبيعة الأشياء. والآن فهل مازلت على اعتقادك بأننا مجموعة من النسوة المتخلفات؟

السيدة: أنا لا أشك بحكمتك، ولكن يبدو لي الأمر كأني أخدع ذاتي أن غطيت جسمي أو أخفيته. هل عرفت ما أقصد؟ إنني أريد أن أعرف الناس على نفسي.

الفتاة: ليس صحيحًا ما ذكرته عن دور الحجاب في خداع الذات. ويبدو أنك لا تعرفين هدفنا من إخفاء الجسم أو وضع الحجاب وإلا فأخبريني، لماذا يتوجب إن أعرض جسمي على الآخرين؟ هل يتوقع الآخرون أن تعرضي عليهم أجزاء جسمك؟

 السيدة: حسنًا، فلنقل إني أريد أن يعرفني باقي الناس كفرد، إنسانة امرأة.

الفتاة: إنني فرد وإنسانة وفتاة، ويعرفني الناس أيضًا. وأعتقد أن مفهومك عن معرفة الآخرين أو تعريفهم بك يبدو غريبًا. فلماذا أعرض جسمي أو أجزاء منه على الآخرين؟ ألم ير الآخرون أجسامهم؟ ألم ترين نفسك كإنسانة؟ إن أجسامنا يشبه بعضها بعضًا، أليس كذلك؟

السيدة: يا صديقتي أنت صغيرة على المناقشات الفلسفية. ومع ذلك فأود أن تعلمي أن الكثير من آرائك ليس لها معنى عندي أو لعلها لا تتوافق مع طبيعتي ومزاجي.

الفتاة: لماذا؟ هل غيرت طبيعتك؟

السيدة: كلا، ولكن أنت التي غيرت طبيعتك عندما غطيت جسمك بهذا الغطاء الأسود.

الفتاة: إنني أتعبد إلى الله بذلك، فأنا مسلمة، ولا أريد أن أغير من طبيعتي فإنها الحياة بالنسبة لي.

السيدة: أخبريني كيف تعبدين الله؟

الفتاة: نحن نعبد الله بإطاعتنا لأوامره، واجتنابنا لنواهيه. ونحن نؤمن بأن الله واحد، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله.

السيدة: أخبريني المزيد ما معنى ذلك؟

الفتاة: إنني أعني أن الله واحد ليس له شركاء، رب هذا العالم، وعالم الحياة الأخرى. ونحن كلنا مخلوقاته ولقد خلقنا لنعبده وحده، ولا أحد سواه. وأما نظام العبادة فقد وضحه لنا رسول الله محمد، منذ أربعة عشر قرنًا فوصل إلينا من خلال الصحابة والتابعين كاملًا غير منقوص أنه نظام حياتنا الذي يسير سلوكنا.. وها أنذا فسرته لك بأبسط صورة.

السيدة: وما الذي سيحدث لو لم تعبدي الله؟

الفتاة: سأضيع حتمًا، لأني سأكون في صراع مع طبيعتي ونفسي وبيئتي، فلن أشعر بأي سلام في حياتي إذا لم أؤد الصلوات الخمس في أوقاتها. أو لم أقم بالأعمال التعبدية الأخرى.

السيدة: كيف تصلين لله؟

الفتاة: نحن نعبد الله بنفس الطريقة التي وضحها لنا محمد رسول الله بأن نتوضأ للصلاة، ثم نقف جميعا خاشعين مواجهين الكعبة الشريفة في مكة المكرمة وننوي للصلاة، ثم تبدأ بتلاوة سور وآيات من القرآن الكريم، ثم نركع ونسجد ونجعل جبيننا ملامسًا للأرض ذلالة على خضوعنا الكامل لله رب العالمين. إن كل المسلمين في كل أنحاء العالم يصلون إلى الله بنفس هذه الطريقة.

السيدة: بماذا تشعرين بعد أداء الصلاة؟

الفتاة: إن عبادتي لله، تجعلني أشعر أني إنسانة، فأشعر بالسلام مع نفسي وما يحيط بي، وأشعر بالسعادة تغمرني أتريدين أن تجربي ذلك يا سيدتي؟

 السيدة: من المؤكد أني قد استمتعت بحديثك لكني لست واثقة من قدرتي على فهم كل ذلك.

وتبدأ الطائرة السعودية البوينج (٧٤٧) بالهبوط وتضيء الإشارات ويستمع المسافرون إلى قائد الطائرة وهو يقول: سيداتي وسادتي نحن نقترب الآن من مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة.

الفتاة: أما زلت متعجبة مني؟

السيدة: حسنا أن العالم ملئ بالغرائب والعجائب

بعضها يثير الاهتمام والكثير منها غير قابل للتفسير. 

الفتاة: «مقاطعة» أنه ليس شيئًا غريبًا أو غامضًا، فهو نظام قيمي وطريقة حياتي وأنا أعيش بمعتقداتي.

 السيدة: على العموم، فقد سعدت بالحديث معك.. إن اسمي «ماري».

 الفتاة: أه، يا للمصادفة، وأنا أسمي مريم – الترجمة العربية لـ «ماري»

السيدة: حقًا أنا لا أصدق

الفتاة: إنه كذلك. فنحن كلنا سواء في إنسانيتنا ومختلفون في أفكارنا وقيمنا.

نحن نطيع الله. وأنت حرة في اتباع آرائك الخاصة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

472

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الأسرة - العدد 6

نشر في العدد 8

500

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال