العنوان حوار في مجلس الدعوة: نِعمَ أجر العاملين
الكاتب د.علي العمري
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 68
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 57
السبت 19-سبتمبر-2009
لطالما أن الإنسان مكلف بتكليف رباني، فإن
هذه النعمة للمرء لا يصح أن تُزال بالامتهان أو القداسة لأحد!
فالمرء حر ذاته، وتصوراته، وقراراته،
وتطلعاته، وحريته في حدود مسؤوليته التي جعلها الله سبحانه لكل مكلف.
وفي ساحة الحياة ينظر الإنسان إلى كل شيء
حوله.. يرى ويسمع ويحس ويفكر ويتألم ويود ويحلم، إنه إنسان يتحرك كل شيء فيه طالما
أنه حي!
وهو بهذه الحياة الطبيعية المتجانسة، يختار
الطريق الذي يرى فيه الاختيار الحق.
يمكن أن يرى أمام عينيه طفلًا يقطع الطريق
وتكاد تؤذيه سيارة، فيتجه نحوه وهو يشعر بالخطر، لكنه يحس بالمسؤولية، فيحرص ما
استطاع النجاة من الخطر، وتدارك الأخطار.
هكذا هو الداعية باختصار.. يرى ويحس ويسمع
ويشارك - ولو بشعوره - الحياة من حوله، فيقرر المشاركة الدعوية، وتحمل المسؤولية
في برامج سلمية نافعة للعباد والبلاد.
يشارك ما استطاع بصوته، بقلمه، برأيه، بفكره،
بعلمه، بماله، بوجاهته، بقدراته، بعلاقاته، بأي شيء، المهم ألا يكون سلبيًا.
وفي حدود هذا الاهتمام يكون ممن قيل عنهم: ﴿وَقَالُوا
الْحَمْدُ لله الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ
الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِليِنَ﴾ (الزمر:74).
ولو تأملنا أعظم مسيرة عملية دعوية على وجه
التاريخ، لكانت مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع صحبه الذين رضي الله عنهم ورضوا
عنه ففتحوا البلدان، وأنشؤوا الحضارة، وساد الإسلام الحق بهم في كل مكان.
إن هذا الجيل كان يتحمل كافة مسؤوليات عمله،
كانت له قراراته، ووظائفه العملية التي يطالب بها كل فرد منه.
لم
يكن الدعاة في ذلك الجيل العظيم يعملون بمفردهم، أو يكتفون بمشاهدة حركة التاريخ
من حولهم، أو يعتزلون لمجرد عدم رضاهم عن قرارات مجلس شورى الصحابة، أو رأي أهل
الحل والعقد فيهم.
إننا لم نسمع عن شركة عملاقة تدار بغير
مسؤولية، ولا تتحمل التبعات، ولا يحدث بينها خلافات، أو تباين في الآراء
والاتجاهات والتطلعات.
لم تأتِ أي شركة ذات سيادة وقوة معجونة بلطف،
أو مخلوطة برفق!
إن الشراكة في أي عمل قوي وجبار ومؤثر تتطلب
قوة المبادئ، وقوة الاحترام، وقوة الحزم، وقوة الرأي، وقوة التقدير، وقوة العمل!
وهذه القوة ليست صياحًا، أو خصامًا، أو
تبادلًا للنقائص والفضائح، إنما هي المشاركة بالتي هي أحسن.
والعمل الفردي فيه خير، والنظرة الأحادية أحيانًا
لها مرتكزاتها ودلائلها وعمقها.
لكن لم يكن بحال من الأحوال عبر المعايشة
البشرية، وقوة المؤثرين في التاريخ أن يكون العمل الفردي متطلعًا لنهضة شاملة.
فالرؤية الفردية ما لم تتكامل وتتجانس وتستوعب
وتقارن وتحاط بما يدعمها لا تقوم لها أي قائمة.
إذن في النهاية العمل الفردي الناجح هو
المحاط بدعائم بقائه ونفوذه وتأثيره، سمي في المآل باسم صاحبه «فرديًا»، أو
بالمجموعة المحيطة به ليكون «جماعيًا».
وعندما يقرر القرآن هذه القاعدة العظيمة
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِليِنَ﴾ (الزمر:74) فهو يضعنا أمام أمرين كبيرين:
1-
أن «الأجر» الذي يسعى له الداعية يكثر مع من يعينه عليه ويشاركه فيه.
٢- أن
العاملين هم الذين يستحقون الإشادة والريادة.
إن
قراءة عابرة ومتأنية لنقاط القوة والنجاح والنفوذ في تيارات التاريخ الحديث فضلًا
عن غيره، لا يترك أمام الواعي أي مجال للحراك الفردي إن أراد البقاء والقوة، أما
من يبحث عن العمل الآني، ويكتم في نفسه كل صراخ داخلي من آثار التفرد، فالتاريخ
يحكي له أنه لا يرحم!!
(*) رئيس جامعة مكة المكرمة المفتوحة