العنوان حوار مثير مع منتظري ثورتنا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980
مشاهدات 116
نشر في العدد 470
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 19-فبراير-1980
من الصعوبة أن يرضى الشعب الإيراني برئيس جمهورية غير شيعي
طالبت الحكومة بإمداد الثوار الأفغان بالسلاح
ثورتنا ثورة إسلامية.. لا شيعية ولا سُنية
من الممكن مشاهدة الخميني ولكن من الصعب جدًا إجراء لقاء صحفي معه، فالخميني مريض جدًا لا يتحمل الحوار والمناقشة، كما أنه لا يستطيع إرهاق نفسه بالتفكير، وكما صرح لنا آية الله خلخالي بأن أحداث تبريز الأخيرة والنقاشات الحادة مع شريعة مداري هي سبب الأزمة القلبية للإمام الخميني..
المرض فوت علينا فرصة اللقاء مع أقوى رجل في إيران.. وقائد الثورة.. ورأس السلطة.. وأبرز مرجعية فقهية.
فالفقه الجعفري يجعل تقليد الفقهاء أمرًا حتميًّا لقبول العمل والسعي عند الله.. فلا تقبل صلاة ولا صيام ولا جهاد إلا بتقليد مذهب أحد الفقهاء المعاصرين.. وهؤلاء الفقهاء المعاصرون يسمون مراجع دينية يرجع لهم الناس في أمور دينهم.. والمراجع هم مجتهدون لهم مقلدون وأتباع.. أما إذا لم يكن للمجتهد أتباع ومقلدون فيبقى مجتهدًا ولا يصبح مرجعًا.. والخميني أكثر المراجع أتباعًا في إيران.
ما يعنينا من هذا كله أن المادة السابعة بعد المئة تجعل ولاية الأمر كله بيد المرجع الأكثر قبولًا عند الناس.. إنها تقول: «إذا عرفت وقبلت الأكثرية الساحقة من الشعب بمرجعية وقيادة أحد الفقهاء، جامعة الشرائط المذكورة في المادة الخامسة من هذا الدستور كما هو حادث بالنسبة للمرجع الديني الكبير، قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى الإمام الخميني، تكون لهذا القائد ولاية الأمر وكافة المسؤوليات الناشئة عنها...»، هذه النقطة كانت من أكثر النقاط جدلًا في مجلس الخبراء الذين وضعوا الدستور.. وهي النقطة التي وقف أمامها بصلابة آية الله شريعة مداري، لأنها تفقده سيطرته السياسية على أتباعه ومقلديه.. اليوم في إيران ولي الأمر مريض.. ولا يتساءل عن المرشح لخلافته إلا الغريب، فالكل في إيران يشير إلى آية الله منتظري كخليفة للخميني، فهو تلميذ الخميني وصديق نضاله وأوثق الناس إليه.. فبعد أن قتل مطهري ومات طالقاني لم يبق إلا منتظري في العد التنازلي... لذا طلب الخميني من منتظري أن يترك طهران وإمامة الجمعة فيها ويستعد لمرجعية أتباعه في الحوزة العلمية في «قم».
منتظري مجتهد وليس مرجعًا، ولكنه بعد فترة -الله أعلم بمداها- سيكون مرجعًا لأتباع الخميني.. فاليوم ترى صور منتظري في كل مكان مع صور الخميني، وصار منتظري يلتقي بالوفود الرسمية في «قم» بدلًا من الخميني.. والكل يهتف باسم منتظري كهتافه باسم الخميني...
ومنتظري أحد الفقهاء المجتهدين والمعتبرين في المذهب الجعفري الإمامي الاثنا عشري.. وقد ترأس مجلس الخبراء الذي وضع الدستور، وعاش جميع تفاصيل الخلاف على الدستور.. كما أنه قضى فترات من حياته منفيًا في مناطق أهل السنة من الأكراد... فعندما استشرت العلماء في إيران في مقابلة أقوى رجل بعد الخميني أشاروا علي بمنتظري...
في حواري «قم» وأزقتها تمامًا كأزقة الكويت القديمة بيت على الطراز العربي مفتوح من الداخل إلى السماء، مقفول من الخارج عن الأعين تتكاثر فيه الستائر والأبواب لستر الحرم عن الداخلين في البيت.. وفي إحدى الغرف المتواضعة جدًا كان منتظري يفترش الأرض متربعًا بجوار المدفئة.. وكم من ألف شاه في عالمنا هذا يتربع فوق الحرير وعروش الذهب.. وبعد أن تبادلنا التحية والسلام، بدأت الحديث كعادتي بخطبة الحاجة بالحمد والاستعاذة والشهادة والتحذير من البدع والضلالات وتوجهت إليه سائلا:
- فضيلة الشيخ؛ فرضت الثورة الإيرانية نفسها على الجميع كحقيقة واقعة ومثيرة، ونحن في الجزيرة العربية معظمنا يتبع المنهج السلفي، أو ما تسمونه أنتم «الوهابي»، وكما تعلم أن السلفية تواجه الشيعية بحدية شديدة، وفي إيران اليوم ثورة ودولة تثير فضولية الرافضين لمعرفة الخلفية الفكرية لهذه الثورة، كيف يفكر الشيعة؟ وما مسافة الخلاف بيننا وبين الشيعة؟ وهل ثورتكم طائفية أم إسلامية؟
قبل أن يجيب الشيخ نظر إليّ قائلًا:
الظاهر أنك كنت خطيبًا للجمعة....
وبعد أن اشترك الجميع في الضحك تحول إلي قائلًا:
- أولًا نحن مثل سائر المسلمين نعتقد بالقرآن وبعدم تحريفه.
كما أننا نوحد الله وملاك فقهنا الكتاب والسنة، ونعتمد الكتاب والسنة والإجماع الكاشف عن السنة والعقل القديم كمصادر للتشريع، أما القياس والاستحسان فلا نقبله...
والسنة التي نعتمدها يجب أن تكون من طريق صحيح أو طريق العترة الشريفة، أما إذا جاءت عن طريق العترة الشريفة فإننا نعتمدها، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر عن السنة والشيعة «إني أوشك أن أبعث فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا... كتاب الله وأهل بيتي»، فالرسول صلى الله عليه وسلم جعل التمسك بالعترة كالتمسك بالكتاب، والسنة التي تأتي عن طريق العترة هي معتبرة عندنا، ذلك لأن العترة لا يحدثون إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أئمتنا عليهم السلام: «إن كل ما ننقله هو عن النبي صلى الله عليه وسلم».
ولنا حديث صحيح عن جعفر الصادق عليه السلام: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم».
كما أننا نعتقد أن لعلي عليه السلام كتابًا خطه بيده وفي إملاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم...
لذلك نرى أن فقهنا مأخوذ عن أهل البيت وأن لقولهم حجية، اعتمادًا على حديث الثقلين المروى عند الفريقين والموجود في صحيح مسلم.
خلاصة القول: إن الكتاب والسنة النبوية وسنة الأئمة المعصومين بالإضافة إلى الإجماع الكاشف عن السنة والعقل القديم هم مصادر تشريعنا، أما فقه أهل السنة فيستند إلى الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك.
عمومًا نحن في إيران لا نقول ثورة شيعية ولا إيرانية، بل ثورة إسلامية وشعارات شبابنا لا تزال تدوي: الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكل الناس يعلمون أن شبابنا كانوا يطالبون بحكومة إسلامية لا شيعية.
إننا نحب المسلمين جميعًا سنة وشيعة أتباع مالك وزيد وأبي حنيفة والشافعي، ففي البند «من القانون الأساسي استندنا إلى الآية الكريمة ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: 92)، لكم نقول: «المسلمون أمة واحدة، وعلى حكومة جمهورية إيران الإسلامية إقامة سياستها العامة على قاعدة ائتلاف الشعوب الإسلامية، وأن تواصل جهودها من أجل تحقيق وحدة العالم الإسلامي السياسية والاقتصادية والثقافية».
إننا بالذات نحب العرب ونعشقهم، العرب مهد الإسلام أنا عندما كنت صغيرًا كلما شاهدت عربيًا أشعر بكل مشاعر الحب نحوه، لأنني أراه من أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما إننا نحب اللغة العربية لأنها لغة القرآن، ولغة العلوم والمعارف الإسلامية، ولأن آداب اللغة الفارسية متداخلة معها بشكل كامل، لذلك نص الدستور في المادة 17 على تدريس اللغة العربية بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والحقول الدراسية.
نحن ثورة إسلامية، ولا ننكر أن فقهنا فقه جعفري، كما أن هناك فقهًا حنفيًّا وشافعيًّا، ولربما كان الاختلاف بين الشافعي والحنفي أكثر منه بين الشافعي والجعفري، الاختلاف في الفقه لا يوجب الاختلاف في أصل الدين، الذين يريدون تشويه ثورتنا هم الذين يقولون إن الثورة إيرانية شيعية.
- فضيلة الشيخ، لو فرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانينا ونظر إلى هذا الدستور فهل سيعتبره الدستور الإسلامي المنشود؟
- لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانينا ورأى دستورًا ذكر في إحدى مواده أن الفقه الحنفي هو الفقه المتبع... أكان يقبل ذلك؟! نحن نعتقد جميعًا بأنه لم يكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أية مذاهب، ونعتقد أيضًا أن الفقه الجعفري حق، ولنا روايات في ذلك، ولقد أثيرت نقطة حساسة وهي أن كلمة «الشيعي» كلمة مستحدثة، فنحن نجزم بعدم صحة هذا القول مستندين على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه «يا علي أنت وشيعتك هم الفائزون -واستل كتاب الدر المنثور لابن الجوزي وأخذ يقرأ منه- عن ابن عساكر وعن جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (سورة البينة: 7)، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية. وأخرج ابن عدي عن ابن عباس عندما نزلت هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين. وأخرج ابن مردوية عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة: 7)؟ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم على الحوض إذا جيئت الأمم للحساب تدعون الغر المحجلين. فلفظ «الشيعة» ليس بلفظ مستحدث، بل بحسب الروايات هي لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكننا مع ذلك نحن نرى حديث الثقلين أن العترة مثل الكتاب وهي بمقتضى الحديث حجة، فنحن نأخذ بالكتاب والسنة: سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إما بالطريق المستقيم أو طريق العترة، وعلى هذا الأساس صرح في الدستور أن المذهب الجعفري هو المذهب الرسمي.
- دستوركم الجديد يحرم على السني أن يكون رئيسًا للجمهورية أو رئيسًا للوزراء .
- قاطعني بشدة
رئيسًا للوزراء.. لا.. لا
رئيسًا للمحكمة العليا ورئيسًا.. قاطعني بإصرار شديد:
لا.. لا.. لا.. فقط رئيسًا للجمهورية وهذا أمر طبيعي فالناس في الكويت أو في السعودية أو في أي مكان آخر فيه أكثرية سنية، فقطعًا أنهم لن يقبلوا أن يكون رئيس الجمهورية شيعيًا، كانت الأغلبية عندنا من الشيعة، فإننا لا نستطيع أن نحارب عواطف الناس، لأن الناس غير مستعدين لأن يكون رئيسهم من فرقة لا تؤمن بفقههم الغالب الذي نص عليه الدستور أنه المذهب، والفقه الشيعي هو المذهب الذي نؤمن بحقانيته، فبشكل طبيعي أن يكون هذا الرئيس من الأغلبية، وإن كنا لم نشترط في رئيس الوزراء وبقية المقامات الأخرى مثل هذه الشروط، وأنه هنا في الدستور السابق ذكر كلمة «الحق»، يعني أنه -بدأ يقرأ من الدستور السابق- المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري الحق، ونحن هنا حذفنا كلمة «الحق» وذكرنا بقية المذاهب أنه يعمل بها في المناطق التي تكون أغلبيتها من هذا المذهب، إضافة إلى أننا هنا حذفنا كلمة «الحق» لاعتقادنا بأن كل مذهب يرى في نفسه أنه الحق، ومع ذلك تحركت عواطف الناس وبدأت المسيرات في بعض الأماكن بسبب ذلك الحذف، وكانت قناعتنا أن هذه الكلمة ربما تكون تعريضًا بالمذاهب الأخرى أنها غير حق.
- فضيلة الشيخ.. لو قامت دولة مسلمة في بلد أغلبيته من السنة، فهل ترضى أن يحرم الشيعي من أن يكون رئيسًا للجمهورية؟
- نعم.. نعم لأن عواطف الغالبية محترمة.
- ولكن العقل يقول الحق أولى بالاتباع من العاطفة والهوى.
- قلت لك إن العواطف لا بد من اعتبارها.. وإلا فمن أين الدليل الشرعي على أن يكون رئيس الجمهورية إيرانيًّا.. الإسلام يقول إنه ممكن أن يكون عراقيًّا... ولكن لا بد من اعتبار العواطف في الشرائط.
- لماذا لم تحوِ اللجنة التي وضعت الدستور رجلًا سنيًّا واحدًا؟.
- اللجنة كان فيها ثلاثة... اثنان استطاعًا أن يتواجدا حتى آخر جلساته، والآخر كردي سني لم يتمكن من المشاركة بسبب أحداث كردستان.. وكنت حينها رئيسًا لمجلس الخبراء ودعوته في التليفزيون الإيراني وتحادثنا.
- هل بالإمكان أن يشترك أحد رجال السنة في لجنة المحافظة على الدستور التي ينص عليها دستوركم؟
- لا.. هذه اللجنة يجب أن يكون فيها متخصصون بالمذهب الرسمي.. فمن الطبيعي أن يكونوا من الشيعة.. بل من المجتهدين أيضًا.
- المادة 72 صفحة 39 من الدستور الجديد تقول: «لا يستطيع مجلس الشورى الوطني أن يسن القوانين المغايرة لقواعد وأحكام المذهب الرسمي للدولة». ألا ترى أن هذا تضييقًا على الأمة.. ألا ترى أن مجلس الشورى سيواجه مشاكل عصرية معقدة تحتاج المرونة في الفقه.. وهذا لا يتوفر في فقه واحد.. بل يتوفر في كل المذاهب المقبولة...
- الشعب أكثريته يرفض الأخذ بأي مذهب غير المذهب الجعفري.. وهذه رغبة الشعب.
- هل فضيلتك مقتنع بهذه النقطة شخصيًّا؟
- في رأي الشخصي.. أنا أؤمن بحقانية المذهب الشيعي، وما يقوله فقهه هو الصحيح.. ولكن هذا لا يعني أن أرفض بقية المذاهب.. وكلهم مسلمون... والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: اعملوا بمذهب مالك أو قلدوا أبا حنيفة.. ولكنه قال: تركت فيكم الثقلين.
- لو علمنا أن هذا مذهب جعفر وأنه لا يروى إلا عن الرسول صلى الله عليه وإله وسلم لكنا أولى منكم بالاتباع.
- شفت الشافعي.
- أنا في الأصل شافعي... ولكني لم أره.
- كيف عرفت مذهبه؟
- من الرواية.. ونحن بيننا وبينكم الرجال.. فنحن نثق فقط برجالنا.. وأنتم تثقون فقط برجالكم وطالما أن معظم الأمة تثق برجال الشافعي وتروي عنه بطريق -صحيح- فنحن نتبع الشافعي في فقهه أن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- نحن أيضًا لا نقول اعتباطًا، إنما نحن أيضًا عندنا رجال وروايات بعضها صحيح وبعضها ضعيف، ولدينا موازين لمعرفة الرجال، ومقاييس تبين الرجل العدل الثقة.. تصور أن نهج البلاغة لا نعتمد عليه بالفقه، بالرغم من أنه متواتر عن الشريف الرضى بأنه عن علي عليه السلام... ذلك لأنه غير مسند إلى علي عليه السلام برجال متصلين.
- بحر الأنوار هو الأصل عندكم؟
- لا.. لا.. بحر الأنوار فيه روايات ضعيفة.
- الكافي كله صحيح عندكم؟
- لا.. لا.. ليس كله.. فيه روايات كثيرة.. وفيه الضعيف.
- فضيلة الشيخ.. الدستور الجديد لم يميز بين الأجنبي المسلم والأجنبي غير المسلم... لقد حرم الدستور على الأجنبي المسلم أن يقيم مؤسسات تجارية واقتصادية، مما يتنافى مع روح الإسلام، كما حرم على الحكومة الإسلامية أن تستفيد من خبرات الأجنبي، سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم، إلا بموافقة مجلس الشورى... فما تعليقكم على ذلك؟
- لا يوجد في الإسلام حدود، ولكن في الشرائط الفعلية توجد حدود، لا بد من اعتبارها.. الأصل أننا لا نؤمن بالحدود مطلقًا.. بل إننا ننتظر ذلك اليوم المشرق السعيد -إن شاء الله- الذي تكون فيه حكومة إسلامية وترفع من بينها الحدود.. لكن لا بد من التعامل مع الواقع الفعلي الذي يتحكم فينا وهو وجود حدود ودول.. معظم الدول الإسلامية لا تزال مرتبطة بالاستعمار... ونحن خوفًا من تسلط القوى الاستعمارية وتسربها إلى بلادنا من جديد، وضعنا هذه الضوابط في الدستور.. ما الذي يمنع أن تأتي أمريكا بصورة مباشرة أو عن طريق عملائها المسلمين وتقيم مؤسسات اقتصادية وتأخذ امتيازات في بلادنا.. ما الذي يمنع أن تأتي عن طريق بعض الملوك والرؤساء وتستثمر كما تشاء..
- إن هذه الحدود وقتية.. وإن شاء الله في الوقت الذي تكون فيه حكومات إسلامية لن تجد هذه الحدود إطلاقًا.. إن المرارة التي نعيشها بسبب الاستعمار وتدخلاته هو الذي صنع هذه الحدود... بينما الأمة الإسلامية واحدة.
- إنني أعلنت في إحدى خطبي في صلاة الجمعة في طهران أن ثورة إيران لم تكن ثورة إيرانية ولا ثورة شيعية.. بل ثورة إسلامية... ونحن لا نطمع في شبر من أراضي البلدان المجاورة.
- طرحنا سؤالًا حول أوضاع المسلمين في أحد البلاد العربية التي يضطهدون فيها بسبب الطائفية.. ونظرًا لظرف قانون المطبوعات لم نستطع أن ننشر كل ما قال... ومما قاله: إنه يؤيد المسلمين في هذا البلد ويشجب السلطات بشدة.. وقال: «على أي حال نحن ندين هذا الاضطهاد، ونحن الذين صحنا بوجه عبد الناصر عندما أعدم سيد قطب رحمه الله.. وأذكر وأحذر هؤلاء الطغاة أن يعتبروا بما جرى لطاغوت إيران، ولا يشددوا على شعبهم المسلم، وألا يبيعوا شعبهم للإمبريالية الأمريكية ولا يذلوا لهم رقابهم».
- فضيلة الشيخ: لم تتحركوا بقوة لقضية أفغانستان سوى التصريحات المؤيدة لهذه القضية، مع أنها تحتاج إلى إعلان الجهاد وتحرك فعال؟!
- هذا العمل يجب أن تقوم به الدولة ككل. أما عن تحركي الشخصي فقد قمت بمساعدة الثوار ماديًّا بغض النظر إلى أنهم شيعة أو سنة. كما أنني دعوت وطالبت في المجلس الإسلامي الثوري بضرورة إمداد الثوار الأفغان بالأسلحة.
- فضيلة الشيخ: عندكم قصة تاريخية عن شخصية في التاريخ اسمها بهلول اشتهر بالبلاهة والجنون.. وفي رواياتكم تقول: إن بهلول لم يكن مجنونًا.. بل كان تقيًا ورعًا ذكيًا.. وكان يؤدي هذا الدور لكي يغطى على دور خطير يؤديه وهو دور الحلقة الواصلة بين موسى الكاظم السجين وبين أتباع موسى خارج السجن.. وتوصيل الفتاوي والأوامر والتوجيهات لأتباعه.. يقال: إن ابنك محمد المنتظري يؤدي دورًا مشابهًا للخميني.. هل هذا صحيح؟
- لا.. لا يمثل هذا الدور من أجل الإمام.. والإمام لا يوحي له بشيء.. ولكن حقيقة الرجل أنه مجاهد ظل في السجون طيلة 15 عامًا، وعانى الكثير من التشريد والتعذيب من أجل الثورة الإسلامية الأصيلة.. ولكنه كأي شاب يمكن أن توجد عنده أحيانًا نوع من الحدة أو التسرع.. حتى إن السيد الإمام لا يوافقه في كثير من أعماله التي تأخذ طابع الحدة والشدة، فلا يحمل عمله على أنه نوع من البهلولية التي تحدثتم عنها.
- فضيلة الشيخ تقول الطائفة الشيعية في بلدنا: أنه لا مانع من أن يتحد بعضنا مع بعض، ولكنهم يرون أن تكون مساجدهم تختلف عن مساجدنا ولا يصلون معنا. وكذلك مقابرهم غير مقابرنا. فهل يشك الشيعة فينا؟... فلا يدفنون موتاهم مع موتانا؟
- لا..
- إذن.. فأين مجهود العلماء عندكم في هذه القضية؟؟ ولماذا لا يوجهون العوام بضرورة اتحاد المسلمين، فتكون مساجدنا وقبورنا واحدة؟
- إن للعوام تفكير خاص بهم ولا يمكن توجيههم ومخاطباتهم بشكل عفوي صريح، وإنما يجب التخطيط وإيجاد الوقت المناسب لتفهيمهم. ولذلك عندما وجد الإمام الخميني أن هذه السُنة صالحة ومناسبة جدًا، أصدر بيانًا للحجاج الشيعة أن يشتركوا مع إخوانهم السنة في صلاتهم ومساجدهم وشعائرهم.
- فضيلة الشيخ ما حقيقة الخلاف بين آية الله شريعة مداري وآية الله الخميني؟
- في الحقيقة الخلاف صغير. ولكن هناك بعض الأيدي الخفية حاولت توسيع هذا الخلاف، إذ إن للإمام شريعة مداري أتباعًا ومقلدين مخلصين. وفي الوقت نفسه له حاشية تحاول أن تصور له المسائل بشكل يثير الغضب وسوء النية.
- هل هذا يا فضيلة الشيخ جواب دبلوماسي؟
- ..............
- هل صحيح ما يقال -إن شاء الله بعد عمر طويل للإمام الخميني- أنك أنت مرشح لخلافته في القيادة؟
- الأمور بيد الله تعالى وكل هذا رجم بالغيب. أما عند ذهاب القائد ورحيله إلى الله تعالى، فالقانون ينص على أن تجتمع لجنة من الخبراء «مجلس خبراء» من كل المناطق في البلاد وهم الذين يرشحون من يجدون فيه الكفاءة... فالأمر لا يرجع إلى فرد واحد بل إلى مجموعة شورى.
- أخيرًا.. لا أود أن أثقل عليك فضيلة الشيخ.. وجزاك الله خيرًا أن أتحت لنا فرصة التحدث معك، وأرجو من الله U أن يوحد كلمة المسلمين وينصر كلمة الدين.
- مسؤوليتكم كأصحاب قلم مسؤولية ثقيلة، ويمكنكم أن تقدموا خدمات جليلة للأمم، كما أنه في الوقت نفسه إذا شط القلم يمكن أن تصيبوا الإسلام بضرر كبير، فينبغي أولًا تحري الحقيقة، وأن تشاهدوا القضايا بأم أعينكم ولا تستمعوا إلى كل ما يشاع وما يقال؛ لأن الأعداء يتربصون بنا وبكم، فهم الذين يوجهون أنظارهم إلى ما عندنا من ذخائر ومعادن وخيرات ونفط وغاز، ومن مصلحتهم أن يوجدوا لنا إسرائيل وأمثالها، وأن يلقوا الاختلافات فيما بيننا. ولذلك يجب عليكم أنتم أصحاب المطبوعات والصحف والمجلات تحري الحقيقة دائمًا. ولا تلتفتوا بما تسمعون وما يشاع حتى عندما تعلمون الحقيقة، فبعض الحقائق ليس من مصلحة المسلمين بثها، وإشاعتها كالخلاف بين شريعة مداري والخميني مثلًا، فما كل ما يعلم يقال، وما كل ما يقال يكتب في الأوراق، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»
- جزاك الله خيرًا.