; حوار مع الأستاذ عبد السميع المصري حول: أزمة الاقتصاد المصري وطرق علاجها | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع الأستاذ عبد السميع المصري حول: أزمة الاقتصاد المصري وطرق علاجها

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 750

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 14-يناير-1986

القاهرة: من مراسل المجتمع

الاقتصاد المصري يعاني من كثير من المتاعب، فعلى المستوى القومي ارتفعت الديون غير العسكرية إلى ما قيمته نحو ٢٤ ألف مليون جنيه مصري، بينما وصلت الديون العسكرية إلى أكثر من نصف هذا المبلغ، وارتفعت نسبة خدمة الدين العام الخارجي في الموازنة العامة للدولة إلى حوالي ٢٣٪ من إجمالي الدخل القومي. وهذا وضع خطير بالطبع.. وما زال التحسن في الوضع الاقتصادي يسير ببطء شديد، بل يقول البعض إنه يسير من سيء إلى أسوأ.

وتنعكس آثار هذا الوضع الاقتصادي المتردي على الأفراد، ففي السنوات الأخيرة، ارتفعت الأسعار إلى الضعف أو الضعفين أو حتى الثلاثة، وهذا يسبب إرهاقًا شديدًا لمحدودي الدخل من الموظفين والعمال وهؤلاء يشكلون نسبة ضخمة من سوق العمالة في مصر، لا سيما إذا علمنا أن ما يقرب من ثلث السكان هم دون الخط الذي اصطلح على تسميته بخط الفقر، وارتفاع الأسعار الشديد يسبب كثيرا من القلاقل والمتاعب للحكومة، ويعتبر د. علي لطفي رئيس الوزراء الحالي وهو أستاذ سابق للاقتصاد من مؤيدي النظام الاقتصادي الرأسمالي، ومن هنا فإنه يحاول رفع الدعم الحكومي عن كثير من السلع شيئا فشيئا، بينما لا يقابل ذلك مثلا، زيادة معقولة في مرتبات العاملين بالحكومة والقطاع العام، مما يسبب وضعا حرجًا للغاية.. ولا تكاد تذهب إلى أي مكان في مصر، إلا وتسمع مر الشكوى من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات، مما يدفع إلى ازدياد الخلل الاجتماعي داخل المجتمع.. والسؤال المطروح الآن: ما هي أسباب هذا الخلل الاقتصادي؟ وهل سيستمر هذا الوضع كثيرا؟ وما السبيل إلى حل هذا المأزق؟

التقت «المجتمع» بالمفكر الاقتصادي الإسلامي الأستاذ «عبد السميع المصري» وطرحت عليه هذه التساؤلات..

لا بد من الاقتصاد الإسلامي

·  إلى أي الأنظمة الاقتصادية ينتمي النظام المصري؟ وما رأيك في قول سابق للدكتور علي لطفي قبل أن يتولى رئاسة الوزارة، إنه ليس مهما الآن الإجابة عن هذا التساؤل: هل النظام الاقتصادي في مصر اشتراكي أم رأسمالي؟

- النظام الاقتصادي المصري، لا هو رأسمالي، ولا هو اشتراكي، فهناك أشياء في منتهى الاشتراكية، وأشياء أخرى هي قمة الرأسمالية.. وعندما مثل رئيس الجمهورية عن نوع النظام الاقتصادي في مصر، قال إنه يتوخى مصلحة مصر، وأنا أعتقد أن مصلحة مصر هي أن تأخذ بالنظام الإسلامي في الاقتصاد.. لأنه ليس واجبًا من الوجهة الدينية فقط، بل هو أنسب الحلول وأفضلها على الإطلاق.. لهذا، فإن كنا فعلا نتوخى مصلحة مصر فعلينا أن نأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي.

· الاقتصاد المصري يعاني الآن من الخلل، ترى ما هي أسباب هذا الخلل، ومتى بدأت؟

- الأسباب كثيرة.. وبدأت منذ فترة تزيد على الثلاثين سنة، وأخطر أسباب الخلل الاقتصادي الحالي من وجهة نظري، هو ما استتبع قوانين سنة ١٩٦١ الاشتراكية، التي بمقتضاها سيطرت الدولة على كل شيء، حتى المحلات الصغيرة وورش الخراطة.. حتى إنها دخلت في أنشطة البقالة ومحلات التجزئة.. وهذا ليس نشاط الدولة إطلاقا. قوانين سنة ١٩٦١ الاشتراكية هذه، كانت قاتلة لحوافز الإنتاج.

السبب الثاني هو تلك الحروب الكثيرة التي خضناها وأنهكت اقتصادنا، الحروب الحديثة مكلفة جدا.. وانظر إلى عدد الحروب التي اشتركنا فيها، وحركات التحرر التي أيدناها.. في الجزائر في الكونغو!! وغيرها من دول العالم الثالث.. كل هذه الحروب أنهكت الاقتصاد.

السبب الثالث هو إغفال الصيانة والإحلال والتجديد في المصانع، وهو ما انعكست آثاره على الاقتصاد الآن، وما تشكله من ضغوط بسبب استهلاك الآلات في المصانع، وما يستتبعه من قلة الإنتاج..

والسبب الرابع.. الانفتاح الذي أعلنا عنه في عام ٧٤، وفتح باب الاستيراد على مصراعيه، دون تخطيط ودون ضوابط.. وعندما قلنا انفتاح إنتاجي لم يكن الواقع يؤيد ذلك.. فالفكرة كانت صائبة، ولا بد من الانفتاح، لكن التنفيذ كان يعاني من الثغرات التي أضرت بالاقتصاد ضررًا كبيرًا..

سداد الديون

· هل تظن أن الحملة القائمة الآن لسداد ديون مصر تثمر في تخفيف عبء الديون الثقيل؟

- الحكومة نفسها تقول إن ذلك لن يحدث، لكن الدعوة لسداد الديون، غايتها تنبيه الناس وإيقاظ الشعور الوطني لديهم، كي يشعروا أنهم شركاء في مسئولية سداد ديون مصر، وشركاء كذلك في صنع مستقبل مصر.. مستقبل أولادنا وأحفادنا.. وإشعار الناس أنه لا بد من المساهمة، حتى نتخلص من هذا القيد الثقيل، فذلك أهم من خصم يوم أو يومين من مرتب الموظفين والعمال وغيرهم.. فالمحصلة النهائية لمساهمات الديون لن تكون كبيرة، لكن هدفها يجب أن يكون إيقاظ الشعور الوطني، وإحساس المواطن بمسئوليته نحو بلده.. وإذا تم ذلك، فستنجح حملة سداد الديون.

تفاؤل بشروط

· هل أنت متفائل بشأن حل الأزمة الاقتصادية في مصر في وقت قريب؟

- لا بد أولا من التيسير على رجال الأعمال والذين يريدون أن ينتجوا لصالح بلدهم، لا بد من حمايتهم من الروتين وعصابات الأرض، التي تفرض سيطرتها على أراضي الدولة دون وجه حق.. هذه نقطة أولى.. أما الثانية، فإن علماء الاقتصاد الرأسمالي يقولون الآن إنه لا بد من تخفيض سعر الفائدة لأدنى حد، حتى يتشجع صاحب رأس المال، ويعمل وإن كان لديه مصنع يطوره ويوسعه، فيزداد حجم القوى العاملة. وهناك من يرى كذلك أنه لا بد أن تنزل سعر الفائدة إلى الصفر، بل لا بد من أخذ مقابل تخزين عن هذه الأموال المودعة، لأنها عبء.. إن هذا يختلف مع المفهوم الإسلامي الذي تحدد منذ أربعة عشر قرنًا

إن أهم شيء في النظام المالي الإسلامي، هي فرض الزكاة وإلغاء الربا، فيخرج المال للعمل، والزكاة، ليس فقط ستخرج المال للعمل، لكن أيضا ستوسع قاعدة الاستهلاك، وتوجد التكافل الاجتماعي.. وقاعدة الاستهلاك المحلية هي أضمن الأسواق.. فعندما تصرف الزكاة للفقير والمسكين وابن السبيل وفي سبيل الله.. ستوجد رواجا بين الناس، علمًا بأن حصيلة الزكاة أكبر من حصيلة الضرائب كلها مجتمعة.. ثالثًا.. مصر كدولة مدينة، وفي معركة متصلة.. نحن لم ننته من الحروب حتى الآن.. إن لم تكن في الميدان ففي الداخل ضد المخدرات والغزو الثقافي والإعلامي.. نحن في جهاد.. فكيف تدفع الحكومة فوائد على ودائع أبنائها؟!! المفروض أن أتبرع بمالي، وهذا أضعف الإيمان.. كيف تقوم الدولة بعمل شهادات الاستثمار، وتحمل في سبيل إصدار شهادات استثمار البنك الأهلي المصري، ما لا يقل عن ٢٠ % من قيمتها؟! كيف يحدث هذا؟! أنا لا أكاد أصدق.. كيف يقبل المواطن هذا؟

· هل الدولة تهدف من ذلك إلى جذب المدخرات لدى الأفراد؟

- إذن فلنعترف أن الوازع الوطني والديني ضعيف عند هؤلاء الناس.. والمفروض أن الوالي أي ولي الأمر، إذا عجزت موارد الدولة، أن يستكمل النقص بفرض ضرائب على الأغنياء، حتى تكتفي الدولة وتسدد ديونها، وأظن أن الثروات الموجودة الآن تكفي والإسلام يقول «إذا مات امرؤ جائع فلا مال لأحد».. فلا مال لأحد في كل بلاد المسلمين.. وفي العام الماضي ١٩٨٥ مات حوالي ٤ مليون مسلم في أفريقيا من الجوع، وبعض المسلمين يملكون آلاف الملايين من الدولارات في بنوك أوروبا وأمريكا! فأين الإخاء الإسلامي؟! ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ (المائدة: 2).. وحديث آخر رواه البخاري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ما معناه: «إن الأشعريين كانوا إذا أرملوا «صاروا فقراء وانتهى بعض زادهم» أو قل من أيديهم الطعام جمعوا ما معهم في ثوب واحد، ثم اقتسموا فيما بينهم، فهم مني وأنا منهم»

إذن في حالة الأزمة، كلنا نقتسم الموجود بيننا من رزق الله، ولا يتميز واحد عن الآخر.. وهذا هو ما طبق عمليا في عام الرمادة، عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الوالي، آخر من يأكل وآخر من يشبع وأول من يجوع، وحرم على نفسه السمن والشحم، حتى اسود وجهه، كان لا يأكل حتى يطمئن أن كل أهل المدينة لديهم ما يقتاتون به، فإذا تأسينا، كما تأسى الأشعريون، أو قريبا منهم، لأنه من الصعب الوصول إلى مستواهم.. أظن لا تبقى بعد ذلك ديون على مصر أو غيرها من الدول الإسلامية الأخرى.. الحلول وضعها الإسلام، فقط علينا أن نطمئن ونؤمن ونصدق ونتوجه بشجاعة نحو هذا الحل.

البنوك الإسلامية تجربة ناجحة

· هناك سؤال يطرح نفسه بالنسبة للاقتصاد الإسلامي، هل هو من الوضوح والتحديد، بحيث يمكن أن تقبله الدولة وتنفذه بدون أية مشاكل؟

- كما بدأت تجربة البنوك الإسلامية، والأوضاع تختلف من دولة إلى أخرى، وعندما تتفق قوانين الدولة مع نظام البنك الإسلامي، فإنه ينجح نجاحًا كبيرًا، وتكون التجربة صحيحة وسليمة، والبنوك الإسلامية الآن في حوالي عشرين دولة أو أكثر، ويجب أن ندرس في أي البلاد نجحت، وما هي أسباب ذلك النجاح، ونحاول أن نعمم التجربة، ويكفي أننا بدأنا في أحد جوانب الاقتصاد الإسلامي -وهو البنوك- وأثبت نجاحا في كل البلاد، وليس هناك ما يمنع أن نطبق بقية النظام، حتى يتكامل النظام الاقتصادي ولا يصبح نشازا.. وأنا أعتقد أنه إذا خلصت النية، وصلحت العزيمة، سينجح تطبيق النظام الإسلامي نجاحًا باهرًا.

· مسألة التنظير أي وضع نظريات في الاقتصاد الإسلامي، هل هي موجودة؟

- «التنظير» موجود. وفي القديم نقرأ كتاب الخراج وكتاب الأموال والكتب التي كتبت في السنوات العشرين الأخيرة فقط، مئات في موضوع النظريات.. والتنظير ليس مشكلة وكتب الفقه مليئة وبها شروح وافية وأكثر من وافية في هذا الموضوع.

- المجتمع: شكرا للأستاذ عبد السميع على هذا اللقاء الطيب وكلنا أمل ورجاء أن يطبق النظام الاقتصادي الإسلامي في القريب العاجل ليعمم الأمن والرخاء في ديار المسلمين وليس ذلك على الله بعزيز.

الرابط المختصر :