; حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون.. الحلقة الحادية عشرة | مجلة المجتمع

العنوان حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون.. الحلقة الحادية عشرة

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973

مشاهدات 13

نشر في العدد 137

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 13-فبراير-1973

  • الإيمان يبتسم للصعاب.. ويمزح في وجه الأهوال!
  • الظروف واحدة.. والفروق هائلة بين سكينة المؤمن.. وقلق الشيوعي!
  • تجريد «قوانين الجدل» من المادية الشيوعية.. وردها إلى مكانها الطبيعي!
  • وللفنان مجاله.. في النظرة للمشاهد.. وربط أجزاء الصورة

كان ليوم الجمعة في السجن وضعه المميز، فهو يوم الراحة الأسبوعية من العمل، وفيه يسمح بإخراج «النظام» أي البطاطين والأبراش لتنظيفها في الفناء الواقع بين عنبرنا وعنبر الشيوعيين.. وبجوار عملية التنظيف نظفر بطابور شمس نقضيه في السير أو في الألعاب الخفيفة حتى تحين صلاة الظهر.. فتدوي صفارة الدخول إلى الزنازين مباشرة لأنه لا يسمح لنا بصلاة الجمعة باعتبارها مظهرًا جماعيًا يلزم تفتيته في نفوسنا..

وكان هذا الطابور الصباحي الأسبوعي هو فرصتنا لاسترجاع أحداث الأسبوع والتندر بما جرى بيننا وبين رجال الإدارة وما قد يكون فيه من جديد في ندوتنا مع الشيوعيين وهو كثير دائمًا.. فكان يوم الجمعة موعد تنظيف عام وتنسيق لكل شيء ابتداء من البطاطين والأبراش حتى المواضيع والأفكار..

وكان ليوم الجمعة أيضًا سحره الخاص في حياتنا.. فهو المحطة الأسبوعية المضيئة التي يقف عندها قطار الزمن الذي يسير بنا وسط الأهوال إلى غاية واضحة في نفوسنا.. إحدى الحسنيين.. النصر أو الشهادة وكل يوم يمر علينا وسط هذا الجو الاستفزازي المشحون بالتوتر والإرهاب كنا نحمد الله على مروره بسلام وكانت أسعد لحظاتنا هي ساعة «التأمين» أي قفل أبواب الزنازين في المساء.. حتى إذا كان يوم الجمعة تضاعفت فرحتنا بمحطة النصر الكبيرة على أحداث أسبوع حافل بالطغيان.. وبعد لقاءاتنا مع الشيوعيين تضخمت قيمة هذه المحطة المضيئة إذ صارت محطة نصر فكري وعقائدي أيضًا..

كنا ونحن في بطن عربات قطار الزمن في أحسن الأحوال النفسية.. حتى إن الليل كان يحمل على أجنحته أصداء ضحكاتنا وسمرنا إلى فيافي الصحراء المحيطة بنا.. ولم نكن نتكلف هذه الحال، بل كنا على العكس نوالي التوصيات بالتخفيف من المرح لما يجلبه علينا في الصباح من مضاعفات.. لأن هدف التكديرات المستمرة هو جعلنا في جو نفسي كئيب يشيع اليأس في نفوسنا والسخط على مبادئنا والتنصل من إخوتنا مما ييسر مهمة المساومة على حريتنا وبثمن عدم انبعاث مثل حركتنا مستقبلًا...

وينفلت الزميل فوزي من طابور غير الشيوعيين ويثبت في طابور عنبرنا.. وفي نفسه سؤال حائر سأله لأكثر من واحد من الأخوة حتى جاء دوري فيه:

- يا أخي كيف استطعتم الاحتفاظ بروحكم العالية هذه السنوات الخمس(1) حتى إننا لنتعجب للضحكات المنبعثة من عنبركم بالليل، وكأنكم في حفلة ساهرة.. في الوقت الذي يخيم الصمت على عنبرنا، فلا تكاد تغلق أبواب الزنازين حتى يعيش كل منا في واديه ولا نجد ما يكون مادة لحديث مشترك طويل.. صدقني إذا قلت لك إن صبر كثير منا قد نفد على مدار العامين اللذين مرا علينا.. لقد أنشدنا في بدايتهما كل الأناشيد الحماسية حتى مللناها، ثم عقدنا الندوات السياسية حتى سئمناها.. والآن كرهنا حتى الكلام العادي.. والأيام تضغط علينا ككابوس ثقيل.. وأصبحت أخشى على نفسي الجنون.. صدقني.. لولا بقية علاقة معكم لفقدت صوابي.. وأرجو أن تجيبني على سؤالي.

- أنت تحيرني يا زميل بسؤالك هذا لأني كنت أظن إجابته بدهية عندكم.. ولو لم توافقونا عليها.. فأنتم معذورون فيما وصل إليه حالكم ونحن طبيعيون في حياتنا.. ومفتاح الإجابة هو في قضية الربح والخسارة.. من يربح يفرح، ومن يخسر يحزن.. فكل يوم يمر علينا تقتضيه مسؤولية الجهاد نعتبره غنمًا يضاف إلى رصيد حسناتنا أمام الله الذي سيتولى حسابنا في دار أخرى بعد هذه الدار.. ويعززنا في هذا المقام إيماننا بالله واليوم الآخر حتى ينتهي هذا العمر القليل حيث نعوض عن كل نصب فيه.. ويعززنا قول رسولنا الكريم: «كل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية».

ليس معنى هذا أننا لا نتألم، فنحن بشر، ولكن الرجاء في الله يخفف الألم فلا نصل إلى الصورة التي تصرحون بها... فهل تراني بهذا قد أجبتك..

الزميل: المهم أنكم متصالحون مع أنفسكم..

- عبارتك هذه ذكرتني بمعنى كنت أكتمه في نفسي.. والآن حانت فرصته.. وهو حول من يتصالح مع نفسه ومن يعيش في تناقضات. إنني وإخواني كثيرًا ما نرى لكم تصرفات تتناقض مع معتقداتكم، ولعل هذا أحد أسباب الصراع النفسي.. فأنتم برغم ادعاءاتكم المادية تأتون على غير وعي منكم بتصرفات عقائدية تكشف عن بذور القيم الفطرية في النفوس وأن هذه الأخلاق الفطرية أغلب من كل مجادلات اللسان ومن محاولات خنق الفطرة فيكم..

الزميل: لا أفهم قصدك.. أوضح!

- أعني أن المادي المثالي هو من يجعل إشباع رغباته وتحقيق مصالحه فوق كل اعتبار أخلاقي.. وأنتم لا تثبتون على حال فالأخلاق عندكم متغيرة ونسبية في مواجهة الغير كأفراد وكحزب.. أما ما يطالبكم به الحزب من انضباط وتضحية فإن تنفيذه من جانب أي فرد منكم نعتبره عملًا غير مادي في حق من يقوم به.. وبهذا يتناقض مع كل قيم الفلسفة المادية..

لأنه قبل التضحية المادية في سبيل شيء مثالي.. هو مصلحة الحزب.. وهو اعتراف ضمني بأن هناك ما هو أولى من الرغبات المادية بالعمل من أجله بصرف النظر عن كنه هذا الشيء.. حزبًا عندكم أو إلهًا عندنا.. ولم يعد تعريف السعادة هو إشباع الرغبات المادية بل قد يكون في التضحية بها، ولا تعريف الحرية هو تحقيق الضروريات بل قد يكون التضحية بها..

وعندما وقفت طابورًا طويلًا لعناق وتقبيل الزميلة التي حضرت لزيارة زوجها حتى ليُنتزع الواحد مها انتزاعًا أثار اشمئزاز الجميع حتى السجانة والنزلاء العاديين، كنتم في هذا الحال ماديين فعلًا.. ولكن عندما وقفتم عند حدود معينة مراعاة لاعتبارات أخلاقية خاصة بالظروف كنتم بهذا فطريين ولستم ماديين.. وكذلك عندما يتحرق الواحد منكم شوقًا إلى ابنه أو زوجته فإنما يكون بفطرته متناقضًا مع كل ما تدعون إليه من مشاعر جنسية مستشهدين بزوال هذه الروابط الأسرية في فجر التاريخ، وإن كان الهجوم المتواصل عليكم جعلكم تتلقونها في عبارة جديدة لا تلفت الأنظار هي المعاشرة الاختيارية.. ومقتضى هذه العبارة أو تلك ألا يكون لك تعلق بمدينة بعينها ولا بابن بعينه حتى لا ينحدر حب الملكية الخاصة إلى نفسك باعتبارها رجسًا اجتماعيًا واقتصاديًا.

وكذلك عندما تكلم ماركس وإنجلز عن المشاعية الجنسية كان كل منهما ماديًا حقًا.. ولكن عندما يظل كل منهما أبًا وزوجًا لآخر يوم في حياته فإنه يكون في هذه الحالة خاضعًا لتعلق فطري أقوى من كل مؤلفاته.. ألسـت ترى معي أن هذا التناقض بين النظرية والتطبيق هو من جهة دليل على عدم صحتها ومن جهة أخرى سبب قوي من أسباب الصراع النفسي الذي تتحدث عنه.. ألا يكفي برهانًا على صحة الإسلام خلو المؤمنين به من هذا التناقض في حياتهم.. وأنه لذلك دين الفطرة حقًا... يا زميل فوزي.. إنني لا أتعمد الهجوم ولكني شأن غيري نراقب ونحلل.. ولا نبخسكم مع هذا حقكم في أنكم من العناصر المتميزة عن غيرها من فئات الشعب التي لا تبالي فلا شك أن شيئًا فيكم جعلكم لا ترضون بالواقع الخاطئ، ولكنكم أيضًا أخطأتم الطريق..

ويمضي الزميل فوزي غارقًا في أفكاره وهمومه.. برغم حصوله على ليسانس الآداب قسم الفلسفة ويدرك أكثر من أي وقت مضى قيمة كنوز الإيمان في قلوبنا بل في قلب الأمة منا.. ومرة أخرى أقول إن الحكم هنا على انتشار الظاهرة لا على الحالات الفردية هنا أو هناك.

عين الفنان تكشف عن الحوار الكبير

وألمح من بعيد الفنان إبراهيم أبو العيش قابعًا كالقط بجوار سور السجن العتيد الذي يرتفع شاهقًا مزهوًا بأبراج حراسة من فوقه، وقد بني في أعقاب محاولة هرب من أحد النزلاء العاديين باءت بالفشل وانتهت بجلده في ساحة السجن ثم بالتضييق علينا..

اتجهت إلى أبي العيش برغبة قوية في أن أفضي إليه بالحديث الذي كان بيني وبين الزميل، وبرغبة أقوى في المزيد من العتاب لعدم مشاركته حتى اليوم لإخوانه هذه الجولات الفكرية.. ولكن بادرني بقوله:

- لقد جئت في الوقت المناسب.. وكنت أترقب أحد أعضاء الندوة بفارغ الصبر.. تعال أقدم إليك بعين الفنان شيئًا جديدًا.. دراسة من الخارج لا تقل أهمية عن دراستكم لأفكارهم وأنظمتهم من الداخل..

قلت: أتتهرب من هجومي المنتظر وهل مثلك يفتقد في هذه الجلسات.. إن أسلوبك الفني جدير بأن يعبر عن قضايا الإسلام لا من موقع الموهبة فقط بل من موقع الداعية أولًا.. الداعية المتبصر بجميع قضايا العصر لها وما عليها.

قال: ما غاب عني شيء من ذلك ولكني اخترت الثغرة التي أقف عليها.. ومعايشتي مع الرسامين منهم تكفيني.. وأعتبر أن نشاطكم فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وبعد فراغكم من هذه الجولات سأقرأها حرفًا حرفًا لألحق بكم مثلما تلحقون دومًا بما تسجله عين الفنان.. إنني معكم في الميدان بطريقتي الخاصة التي أراها الأولوية عندي.. قبل أن تتغير الظروف إلى الأحسن فنحرم هذه الفرصة.

لا تضيع وقتًا واجلس معي لتشاركني ما أرى وستجد أني أقوم بعملية تقييم للماركسية بطريقة جديدة.. تنبع من جميع الفروق بين مجتمعين على الطبيعة لم يتكلفا مظهرًا دعائيًا ولا خدعًا سياسية.. من خلال طابور الشيوعيين وطابورنا.. وضع في حسابك أيضًا أنهما ليسا في ظروف واحدة فأحدهما مضى عليه سنتان والآخر خمس وهم مجرد معتقلين، وطابورنا محكوم عليه بمدد طويلة...

أدركت أن أبا العيش قد نجح في إشغالي بملاحظاته المبتكرة كشأنه دائمًا في عمل الغرائب.. ولم نلبث أن انخرطنا معًا في التسجيل من برج المراقبة الدقيق بجوار السور الذي يتيح لنا رؤية الطابورين بصورة واضحة.. وأخذت أستمع إليه وهو يقول:

- اليوم موعد النظافة الأسبوعي بالسجن.. طابورنا كله تقريبًا قد أخرج النظام وملابس مغسولة منشورة هنا وهناك أما في طابورهم فلا نجد أثرًا لذلك، وتمر عدة أسابيع قبل أن تضطر إحدى الزنازين إلى القيام بعملية تنظيف واحدة..

قلت: ثم ماذا؟

قال: هنا أناقة المظهر ونظافة الملابس ملفتان للنظر وهناك لا تخطئ العين ملابسهم المغبرة وشعورهم الشعثة.. أليست نظافة الظاهر من نظافة الباطن؟!

قلت: هذه لها سبب عقائدي عندهم.. وقد لفت نظر بعضهم إليها فأخبرني أن الشخص الحركي هو الذي تشغله قضايا كبيرة عن الاهتمام بشؤون نفسه.. وبهذا فهم يتشابهون لاشعوريًا على صفة الحركية والجماهيرية ويخشى النظيف منهم أن يتهم بالميول البرجوازية والتطلعات الطبقية (وهنا استغرقنا معًا في ضحك طويل لما جرنا إليه الحديث من تعليقات متناثرة).. هات ما عندك يا فنان؟

قال: هنا يسير الطابور في مجموعات تتحدث وتتناقش وتضحك.. وخطاهم سريعة.. وهناك يفتقرون إلى هذا النشاط فأغلبهم جلوس بجوار الحوائط إلا القليل فيسيرون فرادى ولا تقع عينك على أكثر من اثنين يمشيان معًا مشية جنائزية.

قلت: هذه لك.

قال: انظر إلى رؤوسهم المطرقة وإلى كثرة المدخنين عندهم وندرتهم عندنا (وتذكرت عند هذه الملاحظة قصة السجائر معهم وطافت بذهني مشاهد كثيرة عن حالتهم البائسة التي كانت تدعوهم إلى التنقيب الجماعي عن الأعقاب المختلفة من سجائر السجانة.. وكيف فوجئنا مرة بمجموعة منهم خرجت من أرض الطابور وانقضت كالطيور الجارحة على فريسة وتكوموا فوق بعضهم محدثين غبرة شديدة.. والسبب عقب سيجار ألقى به أحد السجانة وكانوا يترقبون لحظة إلقائه.. وتذكرت كيف كان يتسابق بعضهم على العمل نوبتجيًا أمام باب ضابط العنبر من أجل عيون أعقاب السجائر وكيف كان بعضهم يجد متنفسًا لأزمته الدخانية في نباتات الصحراء البرية وخاصة نبات السكران وكيف كان إلحاحهم الشديد علينا يجعلنا نشفق عليهم فنحضرها على مضض لمن تفصح ملامح وجهه وعيناه المجهدتان عن المعاناة الشديدة.. وكيف كان الأخ البنان يعقد مسابقة في القصة القصيرة الفورية بالعربية الفصحى لمجموعة من الصحفيين منهم يكون نصيب الفائز سيجارة واحدة تكون عنده كنزًا ثمينًا.. وتحققت لأول مرة في حياتي أن السجائر تذل النفوس إلى هذا الحد.. واليوم يدخنون باطمئنان بعد أن سمح لهم بالكانتين).

أخرجني أبو العيش من خاطري قائلًا: لماذا سكت؟!

قلت: لا شيء.. هات ما عندك.

قال: أتذكر أن الإدارة أعلنت جائزة النظافة لجاويش عنبرنا في الوقت الذي تأففت اللجنة المشرفة على النظافة من رائحة عنبرهم ورجعت من منتصف الطريق.. وإنه لذلك كلما أعلنت الإدارة عن جائزة يتسابق السجانة على استلام عنبرنا لضمان الحصول عليها..

قلت: صدقت.. وقد ذكرتني ملاحظاتك الفنية بما هو أهم.

قال: ما هو؟

قلت: هو أن إدارة السجن برغم محاربتها المستمرة لنا إلا أنها تأمن لوضع مرافق السجن في أيدينا من مطبخ ومخازن وكانتين ومخبز وورش وتعترف لنا بالكفاءة والأمانة والقدرة على عدالة التوزيع بين فئات السجن المختلفة.. ولا تأمن لوضع شيء من ذلك في أيدي الشيوعيين..

قال: إذن فأنا على حق في جلستي هذه.. ألست ترى لذلك قيمة أخرى خلاف قيمة النظرية ومناقشتها.. أليست عين الفنان قادرة على كشف الزبد من الجوهر من أقصر طريق..

قلت: لقد نبهتني إلى شيء جديد.. هو أن الحوار يجري في الواقع بين حياتنا كلها وحياتهم كلها لا بين مجرد مجموعة من الأفراد.. وهو لا شك حوار صامت وعميق وكبير وكم أتمنى لو أتيح لكل من تبهرهم الماركسية في الكتب والمقالات أن يروها واقعًا مجسمًا على الطبيعة في أشخاص متهالكين في كل شيء إلا من القدرة على الكلام.. ولا أطالبك بعد الآن بشيء يا أبا العيش طيلة هذا اليوم.. فقد كسبت هذه الجولة..

مع «قوانين الجدل» في الحوار الصغير

عدنا في مطلع الأسبوع إلى الحوار الصغير.. حوار الأفكار مع الأفكار بعد أن شد أبو العيش اهتمامي إلى الحوار الكبير.. حوار المجتمع.

النموذج مع المجتمع النموذج أكثر من أي وقت مضى..

وكان تقريرنا بأن للإنسان منهجًا علميًا يختلف عن المنهج العلمي للأشياء قد أدى إلى توضيح أكثر لمدلول كلمة العلم بحسب موقعها من الاستعمال وألا تؤخذ على إطلاقها في كل حال.

فعندما يمتد مدلولها إلى الوحي السماوي يكون المقصود بها العلم الشرعي أو النقلي الذي بلغته الرسل عن الله عن طريق التجربة والعقل في الطبيعة والكيمياء والحيوان والنبات وخصائص المجتمعات وكل ما يقدم العمران.. بل إنه في داخل العلم الشرعي نفسه تقسیم آخر يبين أن العلم علمان: علم في القلب وعلم على اللسان وهو يخرج عن نطاق بحثنا ويدخل في مجالات التربية الخلقية..

والعلم بكل مدلولاته يسير دائمًا في ظل هداية المدلول الأول..

بهذه النظرة العلمية بأصدق معاني العلم نعالج كل قضايا الوجود ما يكون منها خاصًا بالإنسان وما يكون منها خاصًا بما سخره الله للإنسان في السماوات والأرض ونحن مطمئنون لأن معنا الميزان ومعنا النور.. ومن كان معه ذلك سار على صراط مستقيم..

وقوانين الجدل لا تتطلب لتقييمها أكثر عن العلم بمدلوله الثاني أي من خلال المنهج العلمي للأشياء.. مثلما كان هذا المنهج كافيًا لتفنيد ما سبق من قضايا المادية الجدلية ولا نحتج بالعلم بمدلوله الأول إلا على الذين يؤمنون بالرسالات السماوية حيث يكون بيننا وبينهم أكثر من سبب يجعلهم أقرب إلينا ويدعونا إلى عملية التصحيح في مناهجهم التي هي في الأصل ذات المنهج العلمي للإنسان..

أما هؤلاء الماديون فحسبهم في مواجهة فكرهم أن ننضي سلاح العلم بالمدلول الثاني وهو نقطة التقاء بيننا وبين البشر عامة... ومن عجيب أن العلم بمدلوله الثاني فقط كان لدحض ما توهموه علمًا من جميع قوانين المادة والجدل وكافٍ أيضًا لتوصيلنا إلى العلم الصحيح بمعناه الشرعي النقلي.

وبنفس المنهج العلمي للأشياء دون احتياج إلى أي منهج فوقه كان تناولنا لقوانين الجدل التي ضخموها في نفوسنا في البداية على غير أساس يستحق هذا التضخيم.. وانتهى الحوار حولها إلى سلبها صفة التقديس التي يخلعونها عليها فبعضها بديهي وبعضها بل والذي يعتبر أهمها في الوقت نفسه أكثرها خطأ من الناحية العلمية.. وفي أكثر من جلسة مع أكثر من زميل يسير نفس الحوار:

  • الزميل: قانون الترابط يعني أن جميع الظواهر المادية مترابطة يؤثر الكل في الجزء والجزء في الكل..

الأخ: هذه بدهية غير أنكم تقصرون التصور على المادة فقط، ولنا تصور أشمل وأوضح تدرجًا مستمد من عقيدتنا.

  • الزميل: قانون الحركة: يعني أن كل شيء متحرك..

الأخ: قانون الحركة يعني أن كل شيء متحرك.. وماذا أيضًا؟

  • الزميل: قانون التغير: الحركة تكون نتيجة صراع المتناقضات.. وإذا ما أضيف شرط خارجي إلى الحركة تبدأ ظاهرة التراكمات الكمية أو ما يسمى بالتغير الكمي إلى أن يتكون ما يسمى بالكم الثوري وعند لحظة الصفر يحدث التغير المفاجئ فنحصل على حالة من التغير الكيفي تسمى التطور.. وهكذا..

الأخ: مدلولات التغير، التطور، والتحول وأسبابها العلمية في جميع الظواهر المادية جديرة بالدراسة.. وهل لم يكن لهذه الألفاظ وجود قبل الماركسية.

  • الزميل: قانون التناقض: يفيد أن ظاهرة وجود الشيء ونقيضه في وحدة واحدة تسمى وحدة أضداد... وهذان النقيضان يتصارعان...

الأخ: قف.. هذا الكلام غير علمي على الإطلاق.. وإليك أكثر من سبب علمي..

كانت الأحاديث تسير على هذا المنوال.. هنا وهناك.. وكانت البدهيات والاكتشافات العلمية البسيطة كافية لدينا لتبديد سراب ما توهموه منهجًا جدليًا.. حتى وجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام القوانين النوعية لكل فرع من فروع العلم على حدة دون تصنع هذه النظرة العقائدية التي عاشوا في وهمها حتى اليوم نظريًا..

ولكن لم يكن الأمر يقتصر على ذلك بل أخذنا في توضيح مدلولات هذه الألفاظ من خلال المنهج العلمي للإنسان باعتبارها مفاهيم علمية. فألقينا الضوء على مفهوم الترابط والحركة والتغير والتناقض بصورة بسيطة غير معقدة مبنية على أصولنا العقائدية وطبيعة منهجنا.. وفيما بعد عندما أتيحت لنا رؤية علمية أوسع وجدنا ما زاد معلوماتنا توضيحًا وتأكيدًا على نفس ما أقمنا عليه حججنا ومن حصيلة ذلك نمر مرورًا سريعًا على هذه المفاهيم:

الترابط والشمول

أما عن القول بالترابط بين كل الظواهر المادية فهو قول بديهي أدركه الإنسان من يوم أن أدرك السبب والمسبب والمقدمات والنتيجة والعلة والمعلول.. ولم تخل فلسفة من الفلسفات ولا عقيدة من العقائد من توضيح ما بين الوجود من ترابط.. وفي ضوء المنهج العلمي للإنسان «العلم الشرعي» الذي كشف عن حقيقة تكوين الإنسان ومركزه في الوجود نرى أن القول بالترابط بين جميع الظواهر المادية هو قنطرة إلى إدراك لون أرقى درجة كامن في علاقة الإنسان بالكون المادي حيث يكون في مقام السيد الذي سخرت له كل هذه الأشياء التي يقف منها موقف الفاعل المؤثر في ترابطها بالتعديل والتغيير والتطوير.. ومن هنا يهتز المعنى الضيق للترابط أمام الإنسان المزود بهذه القدرات.. ولم يعط ذلك من خالقه عبثًا وإنما ليتم بها أمانة التكليف ومفهوم الاستخلاف.. وينفرد الإنسان بعنصر جديد يميزه على سائر المخلوقات الحية هو ما أودعه الله فيه من سر أو ما بث فيه من روح مدركة جعلته أهلًا لحمل أمانة التكليف..

وبهذا التركيب الفريد تظهر حاجاته المادية مرتبطة بحاجاته الروحية كل منهما يتأثر ويؤثر في الآخر وإن ظلت الروح في مركز القيادة.

ثم تأتي درجة أكبر يكون فيها الإنسان والكون كله في مقام العبودية لله الذي تفضل بالخلق وشمل بالعناية والرحمة جميع خلقه والذي كرم الإنسان وأعطاه قانونه بيده لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر..

وتعمل الهداية الربانية على جمع ذلك كله في دائرة الحب لا في دائرة التسلط والجبروت.. وبذلك تشيع العاطفة بين جميع جوانب الوجود إنسه وجنه حيوانه ونباته وجماده وتوجه كل ذلك لله بالحمد والتسبيح.. وما الصلاة في حياة المؤمنين إلا صلة مستمرة بواهب النعم ومعراج لأرواحهم إلى موئلها.. ومن كان كذلك قويت العاطفة بينه وبين ما بثه المنعم في الكون حتى إن رابطته بها لتستضيء هي الأخرى من صلته بمن فطره وفطرها فهي إما أن تكون له خيرًا وبركة وإما أن تكون عليه وبالًا.. وقد أدرك المؤمنون بقلوبهم من عمق هذه العلاقة ما صار مضرب الأمثال: فهذا أحد الصالحين يقول ما عصيت الله إلا وجدت أثر ذلك على دابتي.. وهذه امرأة تعذب في هرة، وهذا رجل يغفر له لسقيه كلبًا يلهث، وتلك نملة تقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (النمل: 18) وهذا هدهد يدرك قصة قوم على غير سبيل المؤمنين.. وعندما مر الرسول عليه الصلاة والسلام بأحد قال هذا جبل يحبنا ونحبه.. فهذا لا شك أمر عجيب ولكنه أمر طبيعي في حياة المؤمن الذي آمن بالمصدر وبرب الخلائق جميعًا فتشكلت من ثم نظرته للأشياء وتكيفت علاقته بها بالحب.. ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).

وحول هذا المعنى كتب الشهيد سيد قطب تحت عنوان الشمول في «خصائص التصور» يقول «تتمثل خاصية الشمول التي يتسم بها هذا التصور في صور شتى: إحدى هذه الصور وأكبرها رد هذا الوجود كله بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه.. إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة.. هذه الذات المريدة القادرة، المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون، ولكل شيء فيه، ولكل حي ولكل حركة وكل انبثاقة وكل تحور وكل تغير وكل تطور.. بقدر خاص وبمجرد توجه الإرادة... وهذه هي حقيقة التوحيد الكبيرة التي هي المقوم الأول للتصور الإسلامي».. إلى أن يقول عليه رحمة الله: «إن التصور الإسلامي عن طريق هذه الخاصية في صورتها هذه يمنح القلب والعقل راحة وطمأنينة واتصالًا بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود كما هي في علم الحقيقة والواقع - ويعفي الفكر البشري من الضرب في التيه بلا دليل ومن الإحالة على أسباب غير مضبوطة وأحيانًا غير موجودة كالإحالة على الطبيعة أو الإحالة على العقل أو الإحالة على كائنات أسطورية كالتي تصورتها الوثنيات وتلبست بها الفلسفات على مدار التاريخ..».

وما أعظم هذا الشمول في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (الحج: 18).

الهوامش

(1) كانت خمس سنوات حتى هذا التاريخ.. ثم بلغت ستة عشر عامًا للكاتب وأكثر من ذلك مع غيره.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 546

131

الثلاثاء 06-أكتوبر-1981

الملتقى التربوي:  الإيمان والإخوة

نشر في العدد 1159

115

الثلاثاء 25-يوليو-1995

استراحة المجتمع (1159)