العنوان حوار مع اليونسكو 2
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 02-يناير-1996
عندما تقطع يد في حد سرقة كما أراده الله في شريعتنا الإسلامية، فإن ذلك الحد ينشأ عنه إنسان معوق واحد، بما كسبت يداه، ويمكن أن يرجع هذا الإنسان إلى مجتمعه؛ ليصبح إنسانًا صالحًا، لكن تطبيق هذا الحد يحفظ عشرات بل مئات من الناس من أن يصبحوا معاقين نتيجة تلك السرقة.
البديل الوضعي في مثل هذه الجريمة في أمريكا كان السجن هو الحل، فهل استطاعت السجون أن تحمي المجتمع الأمريكي من السرقة ومن نتائجها المروعة من قتل وإعاقة الأبرياء، فالكثير من عمليات السرقة لا تصل إلى سجلات الإحصاء، ومعظمها لا يتم إلقاء القبض على أصحابها، فمن بين «500» جريمة خطرة تبقى «٤٠٠» جريمة بلا حل، والمائة الأخرى منهم «٦٥» من البالغين و « ٣٥» من المراهقين و «۳0۰» حالة من المراهقين ترفض المحكمة النظر فيها، وتسجن «5» منهم، هذا ما أورده الأستاذ مختار المسلاتي في كتابه «أمريكا رأيتها»، بالنسبة للبالغين ترفض المحكمة النظر في «٣٥» قضية، وتحيل «٤٠» لهيئة المحكمة.
«٦» حالات يرفضها القاضي، وتبدأ المحكمة في دراسة «٣٤» قضية بعد ذلك يتم إدانة «32» مجرمًا يتم الاستئناف ليحكم «20» بالغًا و «٥» مراهقين، أي بنسبة «1-20».معظم المجرمين لن تتمكن الأجهزة المختصة في إلقاء القبض عليهم، فحوالي ربع الذين يرتكبون أعمال السرقة كل عام ونصف الذين يقومون بالسطو على المنازل والمغتصبين، لن تتمكن أجهزة العدالة من ضبطهم بسبب شعور الضحايا بالخجل، أو عدم جدوى تبليغ البوليس؛ حيث إن البوليس تمكن فقط من إلقاء القبض على ٢٥ من مرتكبي جرائم السرقة و 15% من جرائم السطو على المنازل عام ۱۹۷۹م فقط، حتى بعد إلقاء القبض على المجرم، فالفرص متاحة لتبرئتهح حيث يلقى القبض كل يوم على « ۱۳۰,۰۰۰» مرتكب الجريمة في نيويورك وحدها، لكن من يدخل السجن والسرقة في الضواحي بمعدل ۱۳% خلال سنة ١٩٨٠م. في المقابل امتلأت السجون بالولايات المتحدة بالنزلاء مسببين أزمة كبيرة، فعلى امتداد الولايات المتحدة، فإن السجون تستقبل «۱۷۰۰» سجينًا كل يوم، وتضاعف هذا العدد الآن، فمن بين كل 600 أمريكي سجينان، وهي أعلى نسبة في العالم، هذه الزيادات المتنامية أصبحت تكلف الحكومات الفيدرالية تكلفة عالية جدًّا ففي ولاية نيفادا تم بناء سجن في عام ١٩٨٢م. بلغت تكلفته 37000 دولار للزنزانة الواحدة، وسجن آخر تكلفة الزنزانة الواحدة ٧٨,٣٠٠٠ دولار، والحكومة تحتاج المبلغ 15000 دولار لتطعم حارس وسجين في السنة الواحدة، وقد خصصت ولاية تكساس عام ۱۹۸۲م، مبلغ ٩٦.٥ مليون دولار لبناء سجن واحد، كما تبلغ تكلفة السجين في دلوارا ۳۰,۰۰۰ دولار سنويًّا، وفي تكساس بلغ عدد المسجونين الذين ينامون على الأرض ۲۰۰۰ فرد بسبب عدم توفر مساحة كافية، واضطر المسؤولون بعدم قبول المزيد من المجرمين، وإطلاق سراحهم، وفي متشجن وولايات أخرى هناك قانون يقضي
بالسماح بإطلاق سراح المسجونين بصورة أوتوماتيكية عند الازدحام. أما الإرهاب والعنف وأعمال الشغب في السجون فحدث عنها ولا حرج، ففي إحدى عمليات الشغب في السجون قتل خلالها (۳۳) شخصًا، وجرح ٤٠ كما حدثت أعمال شغب في سجون عديدة منها سجن سانتافي بنيومكسيكو، وسجن أتيكا بنيويورك، وسجن أتلانتا بجورجيا. ومنذ عام ١٩٧٦م منذ أن أعلنت نيويورك حربها على إرهاب المدن، فإن أحكام السجن زادت، إلا أن الأحكام فشلت في تخفيض معدل الجريمة، وسببت ازدحام السجون، بحيث أصبح السجناء في حالة متوترة، ولا إنسانية، والسؤال الذي نطرحه على اليونسكو: أيهما أفضل أن تقطع يد سارق تعدى على حق الناس والمجتمع وأصبح عبرة لغيره أم أن يسجن وفي السجن يتعلم الجريمة ويتشكل نفسيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا في إطار شخصية الجريمة يتعلمها، ويتقنها من أقرانه، ويتغيب فيها عن رعاية أسرته وعائلته؟ كم عدد الأرواح التي أزهفت والنفوس البريئة التي أعيقت بسبب التطبيق لنظام العقوبات الوضعي، وكم من التكلفة المالية الهائلة التي صرفت للحارس والسجين والشرطي، والقاضي والمحامي وشركات الأمن والأطباء النفسيين، وغيرها، وما يتبع ذيول جريمة السرقة وحدها فقط، وذلك بسبب عدم الحسم الحقيقي مع ذلك المجرم، وأنا أقول: لو طبقنا حد السرقة على ۱۰۰۰ فرد بقطع أيديهم بعد ثبوت الجناية عليهم، ثم أطلقناهم ليعودوا إلى أسرهم، ويعطيهم المجتمع فرصة التوبة والعمل والإنتاج والتعلم، هذا أفضل أم أننا نسجنهم لسنوات عديدة بتكاليف مادية ومعنوية ونفسية وصحية؛ ليعودوا بعد ذلك محترفين للجريمة، وحاقدين على المجتمع؛ لأنه عزلهم ومنعهم من حقهم الاعتباري، أما المعاقين ورعايتهم في الإسلام فله حديث آخر.
وللموضوع صلة إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل