العنوان حوار مع سيئة
الكاتب جاسم المطوع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 81
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
حوار مع سيئة
المعصية في الخلوة
والاستيقاظ الروحي
ليلة الجمعة.. وبالتحديد الساعة 11 مساء، انتهيت من كل أعمالي. ماذا أفعل؟
أين أذهب؟ لدي فراغ كثير. اختليت بنفسي.. وتركت أهلي وأصحابي.. وأنا أفكر ماذا
أفعل؟ خطرت لي خاطرة، عزمت على فعلها، وكانت الخاطرة سيئة. أغلقت الأبواب
والنوافذ وأطفأت الأنوار، وخيّم الظلام في غرفتي، وقلت للمعصية: هيت لك...
فسمعت صوتًا يُنشد يقول:
«أسفًا لعبد كلما كثرت أوزاره قل استغفاره، وكلما قرب من القبور قوي عنده
الفتور»
فانتبهت.. وخفت.. وتلفت حولي وأخذت أردد: يا ويلي! من صاحب الصوت؟! ماذا
أفعل؟ هل اطلع عليَّ أحد؟ ثم رأيت شيئًا لا أستطيع وصفه فقمت خائفًا وفتحت الأنوار
فرأيت شيئًا أسود لا أستطيع وصفه.
قلت: من أنت؟ قالت: أنا سيئتك.
الحوار حول أمان الحساب
قلت: وما سبب مجيئك إليَّ في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ السيئة:
جئت لأنصحك، وإن كان النصح لا يُقبل مني، ولكن الحق ما شهدت به الأعداء. قلت: هيا
تكلمي، ماذا عساك تقولين؟ السيئة: هل تظن أنك وحيد هنا؟! قلت: وماذا وراء
هذا السؤال؟ السيئة: إنني رأيتك مطمئنًا أثناء فعل المعصية، وكأنك أمنت من
حساب الله تعالى. قلت غاضبًا: هذا ليس من شأنك، ولا أحب أحدًا أن يتدخل في أمور
حياتي. السيئة مبتسمة: لقد قلت لك إني ناصحة، ويبدو أنك لا تريد النصيحة.
ثم تحركت السيئة خارجة من الغرفة وهي تقول:
توارى بجدران البيوت عن الورى *** وأنت بعين الله لو كنت تشعر
وتخشى عيون الناس أن ينظروا بها *** ولم تخش عين الله والله ينظر (2)
فتدبرت ما قالت وتأثرت به، وقلت لها: كرري عليَّ ما ذكرت. فأعادت الكلام
عليَّ حتى ندمت على ما كنت ناويًا فعله، فناديتها قائلًا: تعالي يا سيئة وهاتي ما
عندك. السيئة: وشرطي أن تسمع ما عندي، ولا تكون متكبرًا عليَّ، وعلى
نصيحتي. قلت: تفضلي.
آثار معصية الخلوة
السيئة: إني أراك كثيرًا ما تخلو بمعاصي الله، وهذه صفة سيئة
تفسد عليك علاقتك بالله تبارك وتعالى، وتُبطل أعمالك كما أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم. قلت مقاطعًا: وماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ السيئة: قال:
«لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء،
فيجعلها الله عز وجل هباء منثورًا». قال الصحابي ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا،
جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم؟ قال: «أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم،
ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». (3)
فسكتت السيئة وسكت عبد الله ثم قال: إنه لحديث خطير ومخيف. السيئة: نعم
ولهذا أنا أشفقت عليك وأردت نصحك قبل أن تكون أعمالك هباء منثورًا، فالحق بنفسك يا
عبد الله. ثم قالت: وكما أن فعل السيئة في الخلوة يفسد علاقتك بالله -كما أوضحنا–
فكذلك هي تفسد علاقتك بالناس. قلت: ولكن الناس لا يعلمون أني أفعل المعاصي؟ فكيف
تفسد العلاقة معهم؟ السيئة: هذا ما حكاه الصحابي أبو الدرداء –رحمه الله–
حين قال: «إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بُغضَه في قلوب المؤمنين
من حيث لا يشعر» (4). فانتبه لنفسك يا عبد الله، وأحكم زمام هواك، فلا تفلته
إلا لرضا مولاك.
خطورة استصغار الذنوب
قلت: ولكني وإن عصيت الله فإن أكثر أعمالي السيئة صغيرة، وأعتقد أنها لا
تؤثر في صحيفتي يوم القيامة. السيئة: لا تكن كتلك المرأة الجاهلة التي تركت
الغزل بحجة أنه ماذا يُفيدها نسيج خيط على خيط كل ساعة. وما علمت هذه
الجاهلة أن ثياب الدنيا قد اجتمعت خيطًا خيطًا. وأنا سيئة ولكني أعلم منك في مدى
تأثيري بصحائف الخلق يوم القيامة، وكما قيل: «النملة أعلم بما في بيتها من الجمل
بما في بيت النملة» (5) قلت متسائلًا: أين أنا من هذه المفاهيم؟ لقد كنت في غفلة
عمياء، وإني غُررت بالدنيا والله. السيئة: تحرك يا عبد الله وما زال
في الوقت متسع لتعوض تقصيرك بحق ربك. فأنا السيئة. أنا سبب هلاكك يوم القيامة. أنا
سبب بغض العباد لك في الدنيا. أنا سبب محق البركة من عملك. أنا سبب ضعف حفظك
وعلمك. قلت مقاطعًا: وكل ذلك من آثارك؟ السيئة: بل وأكثر من ذلك. فإنه يكفي
أن من آثاري أن تولد السيئة السيئة كما أخبرنا بعض السلف عندما قالوا: «إن من ثواب
الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها» (6).
باب التوبة والعمل الصالح
قلت: وما العمل الآن، وقد نويت فعل السيئة وأحكمت غلق الأبواب والنوافذ. السيئة:
اعلم أن العبد إذا نوى السيئة فلم يفعلها، فإنه تُكتب له حسنة، إن تركها من
أجل الله تعالى، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عن ربه:
«ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة» (7). فتب إلى الله يا
عبد الله، واستغفر لذنبك فإن الله غفور رحيم.. وأحكم غلق الأبواب والنوافذ، وأطفئ
الأنوار في غرفتك، ولكن لطاعة الله تعالى. فإن سيئة السر تمحوها حسنة السر، وهذه
بتلك.
(جاسم المطوع)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل