; قصة العدد.. لحظات من العمر | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد.. لحظات من العمر

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978

مشاهدات 77

نشر في العدد 418

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 31-أكتوبر-1978

بعد صلاة الفجر تأتي تلاوة القرآن في نفس الركن الذي قام فيه يصلي، هكذا يبدأ نهاره كل يوم. ثم ينهض إلى نوع من الرياضة الخفيفة، يكسب بها جسمه نشاط الحركة، ويفتح بها بابًا لطعام الإفطار، فلا يخرج إلى عمله إلا بعد أن يعد نفسه تمامًا للخروج. لا يوجد في الوجود شخص يعيش بهذا النظام الدقيق إلا نفر قليل، هم هؤلاء الذين فهموا كيف تكون الحياة سعيًا في سبيل الله، وبمفهوم الإسلام الذي يجعل الإنسان عبدًا لله في كل شيء. 

استقبل الطريق بوجه بشوش، واتجه إلى سيارته يركبها، وينطلق بها إلى مقر عمله الواقع في منطقة الشويخ. ذهبت السيارة تشق طريقها تحت قطرات المطر، وتحركت المسَّاحات فوق الزجاج، وأخذ الحرص يطل من عينيه خوفًا من وقوع حادث مؤسف.. كان الطريق مزدحمًا مشغولًا بالحركة، مبلولًا بالمطر.

يجب أن يعطي الطريق حقه فيلتزم بآداب المرور وقوانينه. هذا ما يفعله في كل الظروف، وأولى به أن يفعله في ذلك الظرف الحرج، وساعدته السيارات بحركتها المعتدلة، ولكن سيارة صغيرة ظهرت فجأة خلفه ظلت تشعل مصباحيها وتطفئهما ليفتح لها الطريق وتعبر مسرعة. لم يستطع أن يجنح إلى الجهة اليمنى وإذ بالسيارة الصغيرة تصرخ بنفير مزعج، وتهجم عليه وتكاد تصطدم به، وكأنها تريد أن تضطره إلى الجنوح والخطأ. أعطى إنذارًا بالميل إلى اليمين، لعله ينجو من شيطان خلفه. وما إن كسرت سيارته خط السير حتى حدث ما كان يخشاه.

اصطدام بمؤخرة سيارته، واضطراب في حركة المرور.. ووقفت السيارات وأطلت الوجوه من النوافذ، ونزل ينظر إلى ما حدث، وبحث عن السيارة الصغيرة التي دفعته إلى ذلك التصرف، فلم يعثر لها على أثر، وفوجئ برجل يقبل نحوه ويقول:

- هل أنت أعمى؟

عرف أنه صاحب السيارة التي ضربته من الخلف. قال الرجل:

- أنت مخطئ بشهود كل هؤلاء.
قال باعتذار:

- ربما أخطأت..  غير أني اضطررت.

- أرجوك تعترف بالخطأ.. يكفي الغرق تحت الماء. 

قال وهو يدير عينيه حوله:

- تعال نقف على جانب الطريق.

- لا.. وألف لا.. لن أذهب قبل مجيء الشرطة

- ألا ترى أننا نعطل حركة المرور؟

- بلی.. هذا أفضل من اتهامي بما لم أرتكبه.

- يا أخي أنا معترف لك رغم كل شيء.. ويعلم الله أني بريء.. أعطيتك إشارة قبل كل شيء.

وجاءت سيارة الشرطة، وأعادت المرور إلى سيرته الأولى، وسجلت الحادث كما رأته، وكما نطق به الاثنان.. واستأنف سيره بعد تعطيل طويل.. وشرح لرئيسه أسباب التأخر، وقد شهدت معه ملابسه المبلولة. وانصرف إلى عمله بصدر يضيق، لولا استسلامه المطلق لإرادة الله، واستغفاره الدائم، ما شعر بالاطمئنان.

عندما حان وقت العودة، رجع في نفس الطريق. وكانت الشمس قد سطعت وطلعت من وراء السحب، وكان الجو يميل إلى الصيف أكثر من ميله إلى الشتاء. وكانت السيارات تطوي الطريق طيًّا، كأنها طائرات فوق الأرض توشك أن تحلق. آثر السير في أقصى اليمين. وسمع صوت نفير سيارة، علق بصره بالمرآة، رآها قادمة تحاول أن تخرج من بين السيارات. لا شك أنها هي السيارة الصغيرة التي رمته فيما يكره. عرفها بعد أن اقتربت، وتأكد منها. ولا يدري كيف أطاع وسوسة النفس. نسي تعاليم المرور، وحق الطريق، ولجأ إلى الجهة اليسرى من أجل أن يسد الطريق على السيارة الصغيرة. كانت لحظة من اللحظات التي يتسلل فيها الشيطان إلى نفس المسلم ويغريه بالسقوط، ويزين له ما يفعل، وفي نفس اللحظة اصطدمت السيارتان وأوشك أن تقع الضحايا، إلا أن ذلك لم يقع.

ونزل من سيارته يعرج. ألم شديد في ساقه، وراح يبحث عن السيارة الصغيرة فلم يجدها. إن الصدمة في سيارة أخرى. وصارت مؤخرة سيارته لا تصلح لتكون مؤخرة. وصاح صوت صاحب السيارة الثانية، وكانت المشكلة لا تحل إلا في المخفر. وثبت أنه ارتكب خطأين في ساعات قليلة، ومن العجيب أنهما متشابهان.

في الليل وفي صمته وهدوئه، جلس مع نفسه يحاسبها، كان معذورًا فيما يبدو في المرة الأولى، فما عذره في المرة الثانية؟ 

هو واحد من هؤلاء الذين يسلمون أنفسهم لله وقت الأزمات. قام يصلي في ركنه المفضل، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. أتت زوجته قائلة:

- على أي حال.. الحمد لله على سلامتك.

رفع بصره قائلًا:

- من العجيب.. بل من الغريب أني لا أعرف كيف نجوت.

- الأعمار بيد الله.. وبصراحة.. لا تكرر ذلك أبدًا.. مهما كانت السيارة خلفك تثيرك.. أو أنت تثير غيرك كما كنت تنوي أن تفعل بعد الظهر في أثناء العودة.

سألها:

أنام الأولاد؟

أجابت بقولها:

- نعم، ولكن يبدو أنك أنت لن تنام.

- حقيقة.. سهرت في هذه الليلة.. أحس بجفوني مفتوحة ولن تغلق.. طار النوم.. ومع ذلك ينبغي أن أقوم إلى الفراش لأتمكن من الاستيقاظ مبكرًا.. فصلاة الفجر وتلاوة القرآن في ذلك الوقت لم أقطعهما منذ عشرة أعوام. 

قالت:

- لم يحدث منك ما حدث طوال تلك المدة.

- قولي لم تظهر لك سيارة صغيرة مجنونة في الطريق.. إنه الشيطان الذي كان يركبها.

- من البشر شياطين.

- هذا صحيح. أما أنا.. فأين كان عقلي؟

- لكل إنسان لحظات لا يدري فيها ما يصنع.

- أي لحظات مرت بي!

- إن الحسنات لها لحظات هي الأخرى.

- بل يجب أن تكون لها ساعات. قالت وهي تدخل إلى حجرتها:

- سأنام.. وحاول أن تساعد نفسك على ذلك فقد انتصف الليل. 

قال بعد أن عاد يدير وجهه إلى القبلة:

- هذا ما أريد.

واستغرق في الاستغفار. وقام يصلي ويقرأ القرآن بصوت خفيض يفيض بالخشوع وطلب الرحمة. 
لم يشعر بدموعه لحظة سقوطها.. شعر بها بعد أن فرغ من الصلاة. 

هذا الكون يستحق تأمل الإنسان وتفكيره. إن ذلك من العادة.. تحدث أشياء كثيرة في حياة الإنسان دون أن يتحكم فيها. أيوجد إنسان آخر في داخله؟ وأين يوجد الشيطان؟

استلقى فوق فراشه وجعل يفكر في ملكوت الله، ثم حرك لسانه بالشكر للخالق على نعمة العفو والمغفرة. 

وأخذ يدعو ربه: اللهم أنت ربي خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. أعوذ بك من شر ما صنعت.. أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

وأغلق عينيه، وغرق في نوم عميق.

تمت

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 122

211

الثلاثاء 17-أكتوبر-1972

ورتل القرآن ترتيلا

نشر في العدد 118

92

الثلاثاء 19-سبتمبر-1972

تلميذتي

نشر في العدد 356

111

الثلاثاء 28-يونيو-1977

المجتمع المحلي  (356)