العنوان حول الاستخلاف والتسخير
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1648
نشر في الصفحة 66
السبت 23-أبريل-2005
لقد استخلف الله سبحانه الإنسان في هذا العالم وأناط به مهمة تطويره وإعماره وتذليل صعابه والاستجابة لتحدياته من أجل تسوية أرضيته كي تكون أكثر ملاءمة لحياة مطمئنة تعلو على الضرورات، بعد أن تتحرر منها، وتكون أكثر قدرة على التوجه إلى السماء، إلى خالقها جل وعلا، دون أن يحني ظهورها ثقل الجاذبية وضرورات المادة الصلبة.
إن مبدأ الاستخلاف يتكرر أكثر من مرة في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ (فاطر: 39)، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 165).
ومسألة الاستخلاف تبدو من خلال هذه الآيات مرتبطة بالخيط الطويل العادل من طرفيه: العمل والإبداع ومجانية الإفساد في الأرض من جهة، وتلقي القيم والتعاليم والشرائع عن الله سبحانه، والالتزام الجاد بها خلال ممارسة الجهد البشري في العالم من جهة أخرى.
والعلاقة بين هذين الطرفين علاقة أساسية متبادلة بحيث إن افتقاد أي منهما سيؤول إلى الخراب والضياع في الدنيا والآخرة، ويقود إلى عملية استبدال للجماعة البشرية بغيرها ممن تقدر على الإمساك بالخيط من طرفيه: العمل والجهد والإبداع، والتلقي الدائم عن الله لضبط وتوجيه هذا العمل والجهد في مسالكه الصحيحة التي تجعل الإنسان يقف دائمًا بمواجهة خالقه، خليفة مفوضًا لإعمار العالم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61)
ولن يكون بمقدور المسلم تنفيذ مطالب مهمته الاستخلافية ومنحها الضمانات الكافية، وإعانتها على تحقيق أهدافها، ما لم يضع خطواته على البداية الصحيحة للتحضر، فيكشف عن سُنن العالم والطبيعة ونواميس الكون القريب من أجل الإفادة من طاقاتها المذخورة وتحقيق قدر أكبر من الوفاق بين الإنسان وبين محيطه. وبدون هذا فإن مبدأ الاستخلاف لن يكون بأكثر من نظرية أو عقيدة تسبح في الفراغ.
ويرتبط مبدأ التسخير بسابقه أشد الارتباط ويعد بدوره ملمحًا أساسيًا من ملامح التصور الإسلامي للكون والعالم والحياة والإنسان، ويتطلب اعتماد مناهج العلم وآلياته لتحويله إلى أرض الواقع، والتحقق بعطائه السخي.
إن العالم والطبيعة، وفق المنظور الإسلامي، قد سخّرا للإنسان تسخيرًا، وإن الله سبحانه قد حدد أبعادهما وقوانينهما ونظمهما وأحجامهما بما يتلاءم والمهمة الأساسية لخلافة الإنسان في العالم وقدرته على التعامل معه تعاملًا إيجابيًا فاعلًا. وهناك آيات ومقاطع قرآنية عديدة تحدثنا عن هذا التسخير، وتمنحنا التصور الإيجابي لدور الإنسان الحضاري، ينأى عن التصورات السلبية للعديد من الفلسفات والمذاهب الوضعية التي جردت الإنسان من كثير من قدراته الفاعلة وحريته في حواره مع كتلة العالم، وتطرف بعضها فأخضعه لمشيئة هذه الكتلة وإرادة قوانينها الداينامية الخاصة التي تجيء بمثابة أمر لا راد له، وليس بمقدور الإنسان إلا أن يخضع لهذا الذي تأمر به.
إننا نشهد في كتاب الله صيغة أخرى للعلاقة بين الإنسان والعالم تختلف في أساسها، صيغة السيد الفاعل الذي سخرت له وأخضعت مسبقًا كتلة العالم لتلبية متطلبات خلافته في الأرض وإعماره للعالم على عين الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ (النحل: 12)، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ (النحل: ١٤)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ (إبراهيم: 32 ،33)، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36)، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (لقمان: 20).
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: 61).
إن «التسخير» هو الموقف الوسطي الفعال الذي يقدمه القرآن الكريم بصدد التعامل مع العالم، بدلًا من الخضوع والتعبد أو الغزو والانشقاق اللذين هيمنا على المذاهب الأخرى.