العنوان حول التعريب المزعوم في الصومال
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1981
مشاهدات 181
نشر في العدد 528
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 12-مايو-1981
فشلت كل الحكومات المتعاقبة في الصومال في حربها ضد اللغة العربية ولم ينجح إلا اليسار الصومالي الشيوعي.. فضرب الإسلام والعروبة
من المعروف أن الشعب الصومالي تربطه بالأمة العربية روابط دينية ولغوية وعرقية قيد التاريخ، وكانت اللغة العربية هي التي تستعمل في المعاملات المالية والاجتماعية، وهي لغة الكتابة والرسائل والتعليم وغيرها من الأمور الخاصة والعامة، وقد استمر هذا الوضع حتى جاء الاستعمار الأوروبي فحاول جاهدًا أن ينال من تلك الرابطة بين ذلك الشعب وبين بقية الشعوب الإسلامية واستخدم في سبيل ذلك كل الوسائل المتاحة لديه وما أكثرها.
محاولات ضد عروبة الصومال
وكان آخر ما عمله أن كتب اللغة الصومالية بالحروف اللاتينية، فعرضها على الشعب قبل الاستقلال فقوبل ذلك بالرفض الشديد، ثم عرضها على المسؤولين بعد الاستقلال فرفض ذلك أيضًا بشدة، ولم يزل هذا الاستعمار بقيادة ما يسمى «بالسوق الأوروبية المشتركة» يقدم هذه اللغة اللاتينية كلما تغيرت القيادة الصومالية، مع إغراء في تقديم المعونات السخية إذا نفذ هذا المشروع، وبالمقابل كانوا يظهرون صعوبة أن تكون الصومالية مكتوبة بالعربية؛ لعدم توفر الآلات الكاتبة وما يشبهها من الوسائل الحديثة بالنسبة للغة العربية، وبالتالي كانوا يعرقلون كل مشروع يساعد في اتجاه هذا الشعب الوجهة الصحيحة نحو لغته الأصلية، التي يعتقد أنها جزء لا يتجزأ من دينه وعقيدته.
الشيوعيون الصوماليون ألغوا العربية
جاء النظام الشيوعي الذي ضرب رغبة الشعب عرض الحائط، فأعلن حربه ضد كل ما هو إسلامي، وفي احتفاله الثالث بعيد ما يسمى بـ«ثورة ۲۱ أكتوبر» أعلن إلغاءه للحرف العربي واستبداله بالحرف اللاتيني، وفي هذه الأثناء جمد هذا النظام مشروع الجامعة الإسلامية التي تقرر تأسيسها من قبل الجامعة العربية، ورصد لها مبلغ عشرين مليون دولار، وذلك بعد اختيار المكان الذي كان ستقام عليه في ضاحية من ضواحي مقديشو، وأمَّم جميع المعاهد والمدارس الإسلامية والعربية، وتكونت عقب ذلك لجان على مستوى الجمهورية، تقتصر مهمتها على تصفية الألفاظ العربية من اللغة الصومالية وأحلوا محلها كلمات لا يعرفها الناس إلا بعد تعلمها، ومن المعلوم أن نسبة الألفاظ والكلمات العربية في اللغة الصومالية تصل إلى ٥٠% تقريبًا، وأنفقت آلاف الشلنات في سبيل التصفية المذكورة ضمن مشروع صوملة اللغة والتعليم.
محاولات خادعة
وفي السنين والشهور الأخيرة بدأ النظام القائم في الصومال ينادي بإعادة اللغة العربية وجعلها اللغة الرسمية في البلاد، وأنه ستقوم هناك حملة لتعريب البلاد، ولكن هذه النداءات وهذه الخطب والوعود التي تسمع وتنشر في إذاعة مقديشو لم تكن لها أي نتائج في عالم الواقع والحقيقة، وإذا سألت عن السبب في ذلك فإن الجواب العفوي الفوري- الذي يأتيك من رجل الشارع قبل المثقف- هو أن قضية التعريب لا يقصد منها إلا اجتذاب المزيد من المعونات المالية من قبل الدول العربية والجامعة العربية، فهي حيلة اكتشفها النظام الشيوعي هناك لكسب الأموال الإضافية التي ينفقها في برامجه الخاصة، ونحن نعرف أن الحكم القائم هناك يعادي لغة الإسلام العربية.
الدليل على ما نقول
هناك أدلة تؤيد ما نقوله وهي:
1- أن برامج التعريب التي تقال وتنشر وتكسب من ورائها أموال طائلة لم ترَ النور بعد، فالمدارس مازالت خالية من العربية، اللهم إلا مادة اللغة العربية والدين، وهما حصتان فقط في الأسبوع وليستا ملزمتين للطالب، والدوائر الرسمية بمختلف مرافقها خالية كذلك من اللغة العربية، حتى دوائر القضاء والشؤون الدينية.
2- هناك عدد لا بأس به من الأساتذة والمدرسين الذين انتدبوا من بعض الدول العربية والجامعة العربية لمساعدة تعريب الصومال، وهم لا يجدون ما يكفيهم من التدريس والعمل، بسبب المعوقات التي تجعلها الحكومة أمام مهمتهم.
3- أن أساس التعريب في الصومال كان بحلقات المساجد ومدارس تحفيظ القرآن، فأما حلقات المساجد فقد حظرها النظام فأصبحت المساجد التي كانت جامعات تخرج آلافًا من الشباب، بعد أن تزودهم بمختلف العلوم الإسلامية والعربية بشكل لا مثيل له أصبحت هذه المساجد معطلة وخالية من تلك الحلقات المذكورة، اللهم إلا ما يقوم به العلماء الموالون للحكومة، وهي تخدم النظام أكثر مما تخدم الإسلام، وأما مدارس تحفيظ القرآن فقد هدمت مئات منها من قبل الحكومة، تحت مبررات تجميل المدن وتطويرها، وما تبقى منها يلاقي المضايقات والمعوقات، ومن هذه المعوقات اشتراط الحكومة جعل اللغة الصومالية المكتوبة باللاتينية حصة رسمية، على المدرس أن يدرسها للأولاد وإلا تعرض للعقوبة.
4- هناك منح دراسية تقدمها مختلف الدول العربية وجامعاتها إلى الحكومة الصومالية؛ لتوفد طلابًا صوماليين يتعلمون في تلك الجامعات، ولكن الحكومة الصومالية تجمد كل المنح ولا تبعث أحدًا إليها؛ وذلك حتى لا يكثر عدد المتخصصين باللغة العربية والعلوم الإسلامية.
وهنا نذكر قصة واقعية تشهد لما نقوله، وهي أن الحكومة السودانية أرسلت إلى الصومال قبل سنتين، ثلاثين منحة دراسية في جامعة الخرطوم، وعندما وصلت هذه المنح إلى يد وزير التعليم العالي في الصومال وهو شيوعي معروف قال: «نحن لا نرسل أحدًا إلى جامعة الخرطوم أو الجامعات العربية الأخرى لأن هؤلاء سيعودون متعصبين للغة العربية والإسلام وهذا ما لا نرضاه أبدًا».
نداء إلى الجامعات العربية
ومع هذا فإن هذه الحكومة تسعى دائمًا إلى جعل المنح الدراسية المقررة للصوماليين في جميع الدول العربية في يدها، وذلك لنفس الغرض الذي أشرنا اليه وهو احتكارها وتجميدها حتى لا يستفيد منها الطلبة الصوماليون، الذين يتقدمون إلى تلك الجامعات بطلبات شخصية، والهدف الأول والأخير من كل هذا هو حصر الثقافة العربية والإسلامية.
ومن هنا نوجه إلى تلك الجامعات التي التزمت بإرسال المنح إلى الحكومة الصومالية وليست إلى الطلاب الذين يرغبونها نداء بإعادة النظر في قرارها السابق، وأن تعتبر المنح التي أرسلتها هذه الجامعات إلى الصومال ثم تعطلت لسنوات عديدة؛ مما جعل بعض هذه الجامعات تكاد تخلو من الصوماليين الذين كانوا يلتحقون بها في السابق بأعداد هائلة، ونخص بالذكر جامعة الأزهر التي دأبت على إرسال ما لا يقل عن ثلاثين منحة دراسية سنويًّا إلى الصومال، ثم تنتهي السنة دون أن يأتي من الصومال أحد.. أليس من الأفضل للأزهر وغير الأزهر أن يقبلوا الطلبات التي تقدم إليهم من قبل الطلاب الراغبين في الحصول على المنحة دون أن تشترط عليهم موافقة الحكومة؟
5- إذا كانت الحكومة الصومالية صادقة فيما تدعيه فلماذا لا تسمح بإعادة معهد التضامن الإسلامي بمقديشو التابع للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ليؤدي رسالته في نشر التوحيد والوعي الإسلامي الصحيح واللغة العربية؟ ولماذا تمانع في إعادة أو افتتاح المعاهد والمدارس الإسلامية والعربية الأخرى؟ ولماذا لا يعاد دراسة اللغة العربية في المدارس الحكومية بشكلها الطبيعي؟
إن هذا النظام أنفق ملايين الدولارات في تنفيذ وتعليم اللاتينية المكتوبة بها الصومالية، ونشر ذلك ونفذه في فترة زمنية وجيزة، ولكن عندما يتعلق الأمر باللغة العربية التي يعرفها معظم الشعب كتابة وقراءة فإن الأمر يحتاج إلى سنين عديدة ومساعدات مالية كبيرة وتمهيد زمني طويل.
اتفاقية سرية
6- إن الحكومة الصومالية وقعت اتفاقية سرية مع قسيس بلجيكي مبعوث من مجلس الكنائس العالمي بتسليم ثلاثين ألف طفل صومالي إليه ليُعدَّهم للتنصير، وهذا أمر تحرص الحكومة الصومالية على سريته بشدة- ولا سيما قبل تنفيذه- لعله من الآثار السيئة على الأوضاع الداخلية والخارجية، ولكن إذا طلب منها عدد أقل يتعلم اللغة العربية ويتفقه في دينه فلا تسمح بذلك مهما كانت الظروف والأحوال.
وفي الختام نقول: إن اللغة العربية في الصومال رغم الضغوط والمخططات التي خططت ضدها مازالت بخير، ومازالت هي لغة الشعب الصومالي، ومازالت تقرأ أمهات الكتب فيها، في البادية وتحت الأشجار والخيام؛ لأنها لغة القرآن ووعاؤه. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (سورة الرعد:17)
ومن هنا نود أن نقدم شكرنا وتقديرنا لبعض المسؤولين في بعض الجامعات الذين لم يلبوا طلب الحكومة الصومالية في جعل المنح في أيديهم.. والله الموفق.
جماعة الإصلاح الإسلامية في الصومال
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل