الثلاثاء 06-سبتمبر-1983
هل ينجح الفلسطينيون في معركتهم السياسية؟ أم أن عليهم أن يستأنفوا بفكر جديد وأسلوب جديد؟
بدأت يوم الاثنين الماضي 29/ 8/ 83 اجتماعات المؤتمر الدولي لنصرة فلسطين في جنيف. وقد حضر المؤتمر ممثلون عن (۱۳۷) دولة منها عشرون دولة أرسلت وزير خارجيتها كالهند وكوبا والنمسا وبعض الدول العربية. وقد ترأس وفد الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الإعلام، كما حضر مندبو حوالي مائة منظمة بصفة مراقبين في المؤتمر.
هذا وقد ترأس المؤتمر وزير خارجية السنغال مصطفى نياز ومن المقرر أن يستمر المؤتمر لمدة عشرة أيام. ومن الجدير بالذكر أن الدول الأوروبية قاطعت المؤتمر وحضرته بصفة مراقب فقط.
وتحدث في الجلسة الأولى دي كويلار السكرتير العام للأمم المتحدة فأشار إلى صعوبات حل مشكلة الشرق الأوسط، وانتقد بناء المستوطنات اليهودية وأضاف أن مصير الفلسطينيين أخذ أبعادًا خطيرة في حرب لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، وشدد على أن جميع أعضاء المجتمع الدولي يشاركون في إلزام واضح لحل القضية المركزية المتمثلة في الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كما تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي وأمين عام المؤتمر الإسلامي الحبيب الشطي. وعرض منظمو المؤتمر الدولي على المشاركين مشروع بيان ختامي يدعو مجلس الأمن إلى عقد مؤتمر جديد حول الشرق الأوسط مع منظمة التحرير الفلسطينية بهدف التوصل إلى حل عادل. وأوصى بإجراء مناقشات
جادة في أقرب وقت ممكن.
وفي بداية الجلسة الثانية أعلن رئيس المؤتمر أنه «بالرجوع إلى قرارات الأمم المتحدة والتشاور مع الوفود المشاركة فإنه قد تقرر أن تكون منظمة التحرير عضوًا مشاركًا كامل العضوية في المؤتمر وذلك على قدم المساواة مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة». ثم ألقى فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية كلمة فلسطين، فدعا إلى فرض عقوبات صارمة على إسرائيل والولايات المتحدة وذلك «ضمن سلسلة من الإجراءات لجعل إسرائيل تضع نهاية لسياستها العنصرية والتوسعية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة». وأكد على «استمرار الكفاح المسلح للشعب الفلسطيني ورفض فكرة اليأس من إيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية».
ودعا إلى عقد مؤتمر دولي حول أزمة الشرق الأوسط تحضره كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في سبيل «تسهيل تحقيق السلام العادل الذي تدعو إليه المجتمعات الدولية» لأن عقد أي مؤتمر تحت إشراف الأمم المتحدة سيواجه «بالفيتو» الأمريكي. وذكر قدومي أن منظمة التحرير تقبل فكرة إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من فلسطين تُخليه إسرائيل لكنها ترفض مقترحات ريغان لتجاهلها الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. وقال: إن إسرائيل تحاول جاهدة تحويل الضفة الغربية إلى منطقة يهودية بحتة «وتحبذ احتلال كل فلسطين خالية من الفلسطينيين». وأضاف: أن السياسة التي ينتهجها الصهيوني مناحيم بيغن والتي تعتمد على التصفية السياسية واستعمال القوة ضد الفلسطينيين لن تمحو الشعب الفلسطيني كشعب أو تضعف عزيمته، وهاجم الولايات المتحدة التي تدعم بشكل دائم الاستيطان الصهيوني وتحاول تدمير الهوية الوطنية الفلسطينية بالإضافة إلى تشريد الشعب الفلسطيني وأشاد بازدياد الدعم الذي تقدمه كل من اليونان والنمسا وإسبانيا والبرتغال والسويد إلى الفلسطينيين.
وفد إسرائيلي
هذا وقد حضر المؤتمر وفد إسرائيلي غير رسمي أطلق على نفسه اسم «المجلس الإسرائيلي للسلام الفلسطيني الإسرائيلي» يضم كلًا من بيليد وزخروني وأفنيري وكيس. وأصدر الوفد الإسرائيلي بيانًا مكتوبًا رحب فيه بخطاب قدومي وهنأه على كلمته وما جاء فيها من إشارات حول ضرورة «تحقيق سلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني» واتجه عدد من أعضاء الوفد إلى حيث يجلس أعضاء الوفد الفلسطيني لمصافحتهم.
هذا وقد التقى الوفد الفلسطيني مع وفود كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية ورومانيا و يوغسلافيا وأفغانستان و باکستان وماليزيا.
وفي كلمة أمام المؤتمر أعلن وزير الخارجية السوري «أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني» وإنها ستظل مرتبطة بالأهداف التي حددها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي ينُص على حق تقرير المصير.
وما إن غادر وزير الخارجية السوري جنيف حتى حضر رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وصرح فور وصوله بأنه يرفع «غصن الزيتون والبندقية في يديه» وأن الهجمة الاستعمارية لم ترهقه، وأكد أن الأهداف الاستراتيجية واضحة أمام عينيه. هذا وقد أجرى عرفات مباحثات مع رئيس الوفد الكويتي الشيخ صباح الأحمد الجابر.
ومما يلفت النظر أن الجنرال بيليد أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي «المراقب» يضع على صدره شعارًا صغيرًا يمثل علم فلسطين وعلم إسرائيل متلاصقين وبينما كانت أفكار المؤتمر تتجه نحو التحديد في «حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وتقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة» وفي نفس الوقت «دعوة إسرائيل إلى إيقاف بناء المستوطنات والانسحاب من كافة الأراضي التي احتلتها بعد عام ١٩٦٧ والاعتراف بالحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني» في هذا الوقت كانت بعض الصحف السويسرية تتحدث عن «الإرهاب الفلسطيني» والأغرب من ذلك قول صحيفة «جنيف تريبيون» إن السبب الأساسي في مأساة الفلسطينيين هو معاناتهم في الدول العربية التي لا تحسن معاملتهم وتعاملهم بعدائية!! ثم تخرج مجلة «فيلتغوش» السويسرية بمقابلة مع العقيد أبو موسى يقول فيها إنه «يرفض محاولات السيد ياسر عرفات حل المشكلة الفلسطينية من خلال الدبلوماسية» ويقول «إن المعارضين يريدون أن تتخلى المنظمة عن الإجراءات السياسية السلمية وتستخدم القوة لتحقيق أهدافها» ونحن كإسلاميين نرفض الصلح مع إسرائيل جملة وتفصيلًا ونؤمن بالجهاد سبيلًا إلى تحرير فلسطين ولكن من حقنا أن نسأل «أبوموسى»: هل أطلق رصاصة واحدة بعد «حركته الإصلاحية» على قوات العدو الصهيوني أَم أن كل سلاحه موجه إلى صدور إخوانه الفلسطينيين؟ ثم إن «المنظومة الاشتراكية» وبعض الأنظمة العربية التي يطالب بالتحالف الاستراتيجي معها هل هي تؤمن بضرورة تحرير فلسطين كلها بقوة السلاح؟ وهل تعمل فعلًا -إن كانت تؤمن- لتحقيق هذا الهدف؟!
فكرة المؤتمر
والفكرة لعقد هذا المؤتمر الدولي حول القضية الفلسطينية ظهرت في العاشر من ديسمبر ١٩٨١ في الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة وذلك بغرض:
-زيادة الوعي الدولي بالحقائق المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
-كسب مزيد من التأييد الحكومي وغير الحكومي للطرق والوسائل الفعالة التي تساعد الشعب الفلسطيني على ممارسة حقوقه الثابتة في فلسطين.
ولقد كان من المقرر أن ينعقد المؤتمر في باريس في وقت لا يتخطى عام ١٩٨٤م إلا أن هذا الوعد قد تغير بقرار من مؤتمر تحضيري انعقد في كوالالمبور عاصمة ماليزيا بين الثالث والسابع من مايو ۱۹۸۳ وكان الغزو الإسرائيلي للبنان وما نتج عن ذلك من مذابح صبرا وشاتيلا ثم خروج الفلسطينيين من بيروت من العوامل التي دعت المؤتمر التحضيري المذكور إلى الإسراع في عقد المؤتمر بعد أن تكشفت معالم المؤامرة الدولية لتصفية القضية الفلسطينية بمعزل عن منظمة التحرير الفلسطينية بل بالقضاء على القوة الضاربة للشعب الفلسطيني قبل عام ١٩٨٤ كما ذكرت «المجتمع» في عددها (628) بتاريخ 5/ 7/ 83 تحت عنوان «أزمة فتح.. المؤامرة الرهيبة تسير بخطى حثيثة فمن يوقفها» ثم ذكرت «المجتمع» في مقال لاحق أن خطة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية كان من المقرر لها أن تنجز قبل شهر سبتمبر الحالي ولكن يبدو أن المنظمة استطاعت حتى الآن أن تتجاوز كافة الأعاصير التي تهب للقضاء عليها عسكريًا ومن ثم سياسيًا فهل تنجح في ذلك؟
تضمنت التوصيات التي أصدرها المؤتمر التمهيدي في كوالالمبور «توصية للأمم المتحدة باتخاذ إجراءات فورية وحازمة وفعالة تضمن تأسيس دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة» واشتملت التوصية على «نداء كوالالمبور الموجه إلى بني الإنسان الداعي إلى حشد كافة الجهود لضمان عودة الشعب الفلسطيني لوطنه وممارسته لحقوقه غير القابلة للتصرف» ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤتمر ضم دول شرق آسيا والباسفيك وحضره ١٤ وزير خارجية.
مؤتمر الشارقة
ولقد سبق هذا المؤتمر التمهيدي مؤتمر تمهيدي آخر عقد بالشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ 25– 28/ 4/ 1983 وضم هذا المؤتمر دول غرب آسيا ولم يشارك من الدول العربية إلا ١٤ دولة ولم يحضر وزير خارجية عربي واحد باستثناء وزير الدولة المضيفة. ولقد تضمنت توصيات مؤتمر الشارقة: «التسليم بحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير في فلسطين بما في ذلك الحق في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم 11/ 1 الصادر في 29/ 11/ 1947 والذي أكدت عليه الجمعية العمومية للمنظمة الدولية في دورتها السابعة والثلاثين الماضية».
وقبل ذلك عقد مؤتمر تمهيدي آخر لهذا الغرض في ماناغوا بنيكاراغوا ضم دول أمريكا اللاتينية وقد اختص بالنظر في القضية الفلسطينية في إطار القانون الدولي. وفي 29/ 3/ 83 عقد المؤتمر التمهيدي الأول لمؤتمر جنيف الحالي وقد ضم ذلك المؤتمر الذي انعقد في مدينة أروشا بتنزانيا دولًا إفريقية ودرس الظروف الاقتصادية والمدنية والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني..
وبين الثالث والسابع من شهر تموز «يوليو» انعقد في جنيف المؤتمر التمهيدي الخامس والأخير للمؤتمر الدولي حول قضية فلسطين وقد ضم هذا المؤتمر دول القارة الأوروبية بمعسكريها الشرقي والغربي وما بينهما من دول محايدة وغير منحازة مثل يوغسلافيا وقبرص ومالطة وفنلندة، ولقد حضر من الدول الغربية اليونان والسويد وأيرلندا وإسبانيا والبرتغال.
أما بريطانيا التي كانت أساس البلاء في فلسطين فلم تحضر. وأما فرنسا التي رفضت أن يكون المؤتمر الدولي في بلادها رغم أنه تحت علم الأمم المتحدة فلم تحضر أيضًا، وقد درس هذا المؤتمر التمهيدي السمات السياسية والدستورية للقضية الفلسطينية.
هذه المؤتمرات الإقليمية التمهيدية جميعًا استهدفت ضمان المشاركة الفعالة من قِبَل الحكومات المهتمة في المرحلة التحضيرية للمؤتمر ووضع مؤشرات لسير المناقشات وخطوط التوصيات النهائية في المؤتمر الدولي الذي يعقد حاليًا في جنيف والذي من المقرر أن ينتهي في 7/ 9/ 83 فهل ينجح الفلسطينيون في معركتهم السياسية بعد أن استطاعوا حتى الآن المحافظة على جزء كبير من قوتهم العسكرية؟ هل يستطيع الفلسطينيون بعد كفاحهم الطويل المرير أن يقيموا لهم كيانًا مستقلًا على تراب وطنهم فلسطين دون أن يعترفوا بحق اليهود في بقية فلسطين؟ أَم أن عليهم أن يستأنفوا المقاومة المسلحة ولكن بفكر جديد وتحالفات جديدة وأسلوب جديد؟ هذا ماستكشف عنه الشهور القادمة.