العنوان حول عودة الحضارة الإسلامية
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2010
مشاهدات 71
نشر في العدد 1899
نشر في الصفحة 62
السبت 24-أبريل-2010
يشير المؤرخ البريطاني «أرنولد توينبي» في كتابه المعروف «دراسة للتاريخ» إلى حالات كثيرة تشد فيها الخبرة الإسلامية عن الخضوع لهياكله التنظيرية، ولكنه ينسى أن يشير وهو يؤكد فكرته باحتمال ابتلاع الحضارة الغربية المتفوقة للحضارة الإسلامية من بين ست حضارات أخرى يرى «توينبي» أنها تكاد تلفظ أنفاسها..
ينسى أن يشير إلى أن الحضارة الإسلامية من بين سائر الحضارات الأخرى تتأبى على الفناء ما دامت ترتبط في جذورها بعقيدة خالدة، وأن المسلمين مهما شذوا وبعدوا عن مطالب هذه العقيدة فإنه تظل لديهم صلة ما بها.. وبما أن الحضارة - في جانبها الثقافي - هي تعبير عن خصوصيات الأمم والشعوب، فإن هذه الخصوصيات الباقية ستظل تحفظ للمسلمين تعبيرهم الحضاري المتفرد بين الحضارات، وبالتالي تبقي على تميزهم الحضاري.
ويجب أن نعترف - ابتداء - بأننا في حالة وهن حضاري، وأن الحضارة الغربية المتفوقة قد تأتي عليه بحكم قوانين الحركة التاريخية، ولكن هذا لا يعدو الجانب التاريخي لخبرة الأمة، ويبقى هناك الجانب العقدي المتجذر في كتاب الله وسنة رسوله ، والذي سيظل يحتفظ - بوعد من الله سبحانه - بخصائصه وثوابته ومقوماته.. وبالتالي قدرته على بعث الأمة من جديد لكي تمارس دورها المنوط بها أمة وسطًا تشهد على مسيرة البشرية، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليها ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
وبغض النظر عن الزمن الذي يتطلبه هذا الانبعاث وموعده، فإنه آت لا محالة بحكم قوانين الحركة التاريخية نفسها، وحاجة البشرية إلى المنهج الذي يخرجها من المأزق الذي تعانيه، ويقودها إلى الصراط، ويمنحها الحضارة التي تليق بإنسانية الإنسان وكرامته التي قدرها الله سبحانه له يوم خلقه ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).
فإذا كان منطوق النبوات هو تعديل الوقفة الجانحة للأمم والشعوب ومنحها الصراط ومنهج العمل، وإذا كان الإسلام هو خاتم النبوات، والمنهج المكتمل الملائم تمامًا للإنسان والبشرية، وكانت هذه قد شذت عن الطريق، فإن المنطوق نفسه يقتضي عودة هذا الدين أو المنهج لحكم الحياة وبناء الحضارة التي تستمد نسقها وبنيتها من مفردات هذا المنهج لكي تكون - بحق - الحضارة الملائمة للإنسان والبشرية.
إن كبار قادة الفكر الغربي من أمثال «مارسيل بوازار» و رجاء جارودي»، و« ليوبولد فايس» «محمد أسد»، و «روم لاندو» و« لورا فاجليري»، و«كويلريونج»، و«مونتجمري وات»، و«أميل در منجهم »، و «جوستاف لوبون» و«موريس بوكاي»... وغيرهم كثيرون يعترفون ويؤكدون هذه الحقيقة، وأن الإسلام والحضارة التي يعد بها، سيجينان لكي ينقذا البشرية التي تفرقت بها السبل وقادتها إلى الطرق المسدودة، وأن ما يتميز به هذا الدين من لقاء الوحي بالوجود، والله سبحانه بالعالم، والسماء بالأرض، والآخرة بالدنيا، والروح بالجسد، والفرد بالجماعة، والعدل بالحرية والضرورة بالجمال والمنفعة بالقيم.. إلى آخر الثنائيات التي اصطرعت في المذاهب والأديان الأخرى، وتصالحت وتناغمت في الإسلام، هذه الميزة ستكون مفتاح الخلاص والدافع الملح الذي سيجعل البشرية تنتظر القادم الجديد وترحب به.
ويقف الغربيون طويلًا عند مسألة العلم والتكنولوجيا، وكيف أن الإسلام لا ينفيها، بل بالعكس، يقبلها ويحفز عليها وينميها ولكنه لا يتركها على عواهنها حيث يصير منطوق «القوة» المجردة عن القيم هو الحكم الفصل في مصائر البشرية.
إن العلم والتكنولوجيا يوم يلتزمان بالضوابط الدينية فإنهما سيكونان تمامًا في خدمة الإنسان والحياة، وليس العكس فيما شهده ويشهده العالم عبر القرون الأخيرة.
ولهذا السبب، فضلًا عن الأسباب التي أشرنا إليها بإيجاز، ستنبعث حضارة الإسلام مرة أخرى مهما طال السرى وادلهمت الخطوب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل