; حول مهمة ماكفرلين: وجه جديد لسياسة قديمة | مجلة المجتمع

العنوان حول مهمة ماكفرلين: وجه جديد لسياسة قديمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1983

مشاهدات 58

نشر في العدد 633

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 16-أغسطس-1983

  • ما مغزى تغيير فيليب حبيب؟

  • مسيرة التقسيم للبنان أين وصلت؟

  • هل يمكن لسوريا أن تتدارك مواقفها السابقة؟

     المبعوث الأمريكي الجديد للمنطقة روبرت ماكفرلين، والذي أتى ليواصل مهمة سلفه فيليب حبيب- تراهن عليه كثير من الجهات في المنطقة العربية، وتعتبره فتحًا جديدًا ومبشرًا بانتقال إلى مرحلة أكثر إيجابًا في حسم القضايا المعلقة في لبنان، خصوصًا وفيما يصطلح عليه الغربيون بمنطقة الشرق الأوسط على العموم.

الاختيار الجديد:

     تحاول مجموعة من الصحف اللبنانية أن تسوق صورة مضخمة للسفير الأميركي الجديد، فهي تخلع عليه صفات الحزم والذكاء الحاد، والذاكرة الحديدية، والإرادة الصلبة، والمقدرة على برمجة الأهداف و... و.. إلخ، المعزوفة المعروفة سلفًا عن «السوبرمان» الأمريكي، والتي نحتت في العقلية العربية المعاصرة نحتًا، والحق أن هذه صفات تسمعها كثيرًا من الأبواق الصحفية التي لا خلاف على ولائها الغربي، وإنما الحيرة في تحديد مدى ما تريده للمنطقة العربية الإسلامية ومواطنيها. 

     نقول إن هذه الصفات هي في حقيقتها «بدلة»، ولكنها أمريكية المقاييس، دائمًا يلبسها كل مبعوث أو سفير منها، وتسبقه دعاياتها دائمًا أمامه، وبغض النظر عن المجادلة في صحة خصوصية صفات المبعوث الأمريكي الجديد فإننا نود التنويه بحقيقتين تأبى عقلية العجز والاستسلام المسيطرة الآن في ساحتنا- قبولها:

أولهما: إن السياسة الأمريكية وأهدافها في المنطقة لا تتغير بتغير الأشخاص، والأمر ليس على ما عندنا في ذلك، من ثم فإن التفاعل بتغير الوجوه الأمريكية والمراهنة عليها وفقًا لذلك هو ضرب من التغافل المتعمد من الواقع. 

ثانيهما: أن نجاح الأهداف والسياسات الأمريكية في المنطقة أمر لا تملك أمريكا وسائله بقدر ما نملكها، فإنه أمر متصل بنا، ولولا البنية المساعدة والظروف الملاءمة في أوساطنا لما أصابت السياسة الأمريكية أهدافها، وبأكثر مما تتوقع في جعل محاولاتها إن لم تكن كلها.

مبررات تغيير حبيب:

     على أن تغيير فيليب حبيب ووضع مكفرلين في مكانه لم يكن عبثًا من جانب السياسة الأمريكي الواقعية والعملية، فقد أوحت الأجهزة المسؤولة بأن تغيير مبعوثها أتى مراعاة لجانب الطرف السوري الذي لا يمكن تجاهل دوره في لبنان والمنطقة، وقد أبدت السلطات السورية استياءها من حبيب، فأتت المبادرة الامريكية بإبداله بهذا.

      وهذه المقولة -إن صحت- تدل على أن الدبلوماسية الأمريكية صارت رقيقة في تعاملها مع العرب، فهي تقدر مشاعرهم وحساسيتهم تجاه الأشخاص الذين لا يرتاحون للتعامل معهم، وتستجيب لإرادتهم في ذلك. 

     وقد لا يستبعد صحة ذلك في الأساليب السياسية عمومًا، والأمريكية منها على وجه أخص، ولا يستوقفنا التحقيق في صحة الزعم كثيرًا أو قليلًا بقدر ما يهمنا الجانب «التهويلي» الذي يساق به، وكأن الجانب العربي يستطيع فرض شروطه على أمريكا، والتي إن طالت الأشخاص فليس بعيدًا أن تؤثر في قلب السياسات الأمريكية وخططها الأساسية في المنطقة.

     والتعليل المقبول والمعقول في هذه النقطة واحد من شيئين: إما أن الأمريكان بخبرتهم للعقلية العربية التي خبروها والمسترضاة بأبخس الأثمان دائمًا كما ثبتت تجاربهم في المنطقة، تسترضيها عملية التغيير هذه، وتشبع غرورها، وتجد نفسها محرجة أمام هذا الكرم الكثير؛ فتستجيب، وتتنازل عن «تعنتها».

      أو أن ريغان -كما ينوه بعض المراقبين- أراد أن يفرغ يديه من مسألة الشرق الأوسط هذه بكلمة نهائية وحاسمة -سلبًا أو إيجابًا-، تجعله يتفرغ لجولته الانتخابية القادمة، والتي تفوق أهميتها لديه ألف مسألة شرق أوسط أو تزيد.

أمر محسوم

     والفرضية الأخيرة المتصلة بقرب الانتخابات الأمريكية تشكل مؤشرًا واضحًا إلى أنه لن يتم شيء في غير صالح "إسرائيل"، وفي هذا الوقت بالذات الذي يسبق معركة الرئاسة في أمريكا.

     ذلك أن أي «تهاون» من رئيس أمريكي ينوي العودة للبيت الأبيض في استرضاء "إسرائيل" -وفي هذا الوقت بالذات- تعني سقوطًا مؤكدًا له، وليس سرًا أن اللوبي الصهيوني هو الذي يحكم اللعبة السياسية في أمريكا.

     والمتبارون في انتخابات الرئاسة الأمريكية واحد من رجلين، إما مرشح جديد طامع بالوصول إلى البيت الأبيض، ولا يمكنه أن يتلاعب في ولائه "لإسرائيل" ومصالحها، وإما رئيس يأمل أن يجدد، وعليه أن يثبت واقعًا لا وعودًا ولاءه "لإسرائيل" الذي يجعله جديرًا بالعودة إلى كرسي الرئاسة مرة أخرى، وكثيرًا ما تفضل "إسرائيل" الإتيان بوجه جديد يحقق لها خططها المرحلية؛ حتى إذا أحست منه تهاونًا في الالتزام بمطالبها استبدلته بالمناسب في الجولة القادمة.

     ومن هنا فإن طمع ريغان في العودة لا يجعله يتهاون في تبني مصالح "إسرائيل" والمزايدة عليها، وفي هذا الوقت بالذات، فضلًا عن المعلوم عنه من ولائه ودورانه في فلك الصهيونية وقبل قدومه إلى البيت الأبيض بكثير.

     هذه الحقائق تشكل مؤشرًا على نوع النتائج التي يمكن لمكفرلين تحقيقها في هذا الأوان، وهي ثمن مزايدة واستماته على المصلحة "الإسرائيلية"، وعدم التفريط في أي من شروطها؛ لأن ذلك يشكل خطرًا على مستقبل رئيسه ريغان في الانتخابات القادمة، فكأن الأمر محسوم بواحد من شيئين: إما بقاء الأوضاع متجمدة في المنطقة، تتطور تطورها التلقائي، أو حسمها لمصالح "إسرائيل" وبصورة واضحة.

واقع التقسيم أم شبحه؟

     قال وزير الخارجية الفرنسي شيسون إن هناك شبح تقسيم يخيم على لبنان، والحق أن واقع التقسيم مكرس اليوم وبصورة ماضية خاصة من جانب الكتائب التي صرح قائدها العسكري قبل أيام عن وجوب التقسيم للبنان، كما وأن تصرفات الكتائب في عمومها تبين عن تخطيطها لذلك، فقبل فترة قليلة استقبل ببير الجميل رئيس الحزب أريل شارون وزير الدفاع "الإسرائيلي" السابق -الذي عاد للأضواء مجددًا- والمراقبون يجزمون بدلالات ذلك؛ فشارون معروف بخطته العملية تجاه لبنان وتقسيمه، فنظرية أمن "إسرائيل" قائمة عنده على ذلك.

     وأكثر ما يكرس هذا ويوضحه فرض الرائد سعد حداد، واشتراط وجوده كحزام واقي "لإسرائيل"، وحليف مباشر تثق في قدراته، والمفاوضات "الإسرائيلية" اللبنانية شهدت جولات كثيرة من الجدال والمناظرة حول وضعية سعد حداد، وقد فرض واقعًا وهو يتلقى أوامره من "إسرائيل" مباشرة، ولا يمضي أسبوع دون التقائه بواحد من المسئولين هناك.

     ثم إن حزب الكتائب فيما يبدو يتخوف من مستقبل لبنان الموحد، ويزعم خوفه من تزايد الصحوة الإسلامية في المنطقة، والتي ستشمل لبنان على ما يرجح، وهو يخشى من وضعية لا يرضاها لنفسه حال تطبيق الشريعة الإسلامية -راجع عدد المجتمع الماضي- ويزايد على ذلك كثيرًا، ولعل الكتائبيين يعملون بحس الحرص على الحياة، الذي يملي عليهم إمضاء خطة التقسيم للنجاة بأنفسهم، وفيما يرون؛ إذ أن الذي ارتكبته أيديهم في حق المسلمين، وخاصة الفلسطينيين منهم لا تجعلهم يطمئنون إلى مصيرهم فيما إذا تغيرت الأحوال، وسادت موازين قوية جديدة في لبنان والمنطقة الإسلامية.

     ولن تواتي الكتائب فرصة مثل التي في أيديه الآن، فهو القابض على الأمور الرئاسية في شخص أمين الجميل، وحليفه معه في داره "إسرائيل"، والقوى الخارجية من صالحها كل تفتيت داخلي، فهي ستصمت على تمريره إن لم تدعمه بكل ما تستطيع.

والدور السوري:

     وقد كان لسوريا القدم المعلى في إيصال الأوضاع إلى ما وصلت إليه، ونحن لا نفتري عليها شيئًا؛ فالحقائق تشهد بأنها طوال الحرب الأهلية اللبنانية أوجلها كانت تؤيد الكتائب -المارون- بل إنها ما دخلت لبنان إلا استجابة لهم. 

     وقد ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في إضعاف القوى الإسلامية في لبنان، برفعها لقوة المارون حتى أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه، وبوقوفها ذلك الموقف السلبي المشهود والمعروف إبان الغزو "الإسرائيلي" للبنان.

     فمعلوم هو موقف سوريا في ذلك الوقت؛ إذ تركت الفلسطينيين يقاتلون وحدهم دن أن تبادر بأي موقف، بل إنها صرحت في ذلك الوقت بأنها ليست المسئولة عن العرب أو الفلسطينيين، وأنها لا تنوب في القتال عن الآخرين.

     وهي المسؤولة عن خروج وتهجير القوات الفلسطينية من لبنان بموقفها السلبي ذاك، ولا شك أن خروج الفلسطينيين من لبنان أخل بتوازن القوى فيه كثيرًا، ومهد لكل التمادي "الإسرائيلي"، وإن مثلوا اليوم موقف التآبي عن الاستجابة للمبادرة الأمريكية، ومهما عارضوا الاتفاقية اللبنانية "الإسرائيلية".

في الصيف ضيعت اللبن:

     إن المسؤولية السورية عن الأوضاع الحالية تكاد تكون كاملة، وقد أضاعت سوريا فرصًا ذهبية للحد من التدهور الذي وصل إليه لبنان بمراهنتها على الكتائب أولًا، وباكتفائها بموقف المتفرج إزاء الفلسطينيين إبان غزو "إسرائيل" الأخير، وسكوتها على إخراجهم، وتبين أخيرًا لحركة الانشقاق في أوساطهم.

     ولم تغب عن أي مراقب للموقف أهمية الضلع الفلسطيني في اللعبة السياسية في لبنان والحد من صهيونيته؛ فقد كان الفلسطينيون حجر العثرة الأساسي أمام أي تقدم "إسرائيلي"، وإذ فرطت سوريا في الفلسطينيين ذلك التفريط الشنيع فلا جدوى من مأتمها الذي تقيمه اليوم على عروبة لبنان وضياع مستقبله.

والأطراف العربية الأخرى:

     لقد تأكد لأمريكا "وإسرائيل" أن الموقف العربي لن يكون جديًا في مواجهة أية سياسة يريدونها في المنطقة، ودليلهم الكبير على ذلك الموقف اللامبالي الذي وقفته القوى العربية قاطبة إبان الغزو "الإسرائيلي" للبنان، والمجازر التي أقيمت للفلسطينيين، وحملات التهجير، والتصفية لوجودهم التي تمت -وما زالت- في أوساطهم. 

     وبحسبات كل مقياس لن تستفز المشاعر العربية بأمر أصعب ولا أمر من ذلك الذي تم، وإذ قبلت الأوساط العربية ذاك في السابق، وأقرته وصمتت عنه -كما تقر اليوم تفتيت منظمة التحرير- فقد أيقن الأمريكان و"الإسرائيليون" بأن خططهم في المنطقة ستمر بسلام.

شاهد واضح:

     في مؤتمره الصحفي الذي عقده إبان زيارته تحدث مستشار السلطان قابوس بوضوح شديد عن عدم جدوى التمرد على الأمر الواقع كما سماه، وقد كان المستشار مفيدًا في صراحته؛ إذ وفر التحليل والاجتهاد لكل المتصدين عن مصير المنطقة، إذ ركز على وجوب القبول بخطة «السلام»، والسير على المنهاج المصري، أو الإتيان بالبديل الواضح، وإذ أنه لا بديل حتى هذه اللحظة، وإذ أن هذا واضح لدى الأمريكان ولدى "إسرائيل"، فستمضي خططهم، وتبلغ مرادها، وسيتبقى الأمر على الإخراج الذي يتعاقب حبيب، وشولتز ومكفرلين، ومن سبقهم، والبقية تأتي إن احتاج الأمر ذلك.

الرابط المختصر :