; حياة القلوب (2) | مجلة المجتمع

العنوان حياة القلوب (2)

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008

مشاهدات 81

نشر في العدد 1784

نشر في الصفحة 59

السبت 12-يناير-2008

روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه».

  ما أعظم هذه الوصفة الطبية النبوية للقلوب في زمن الفتن، تلك الوصفة التي تحصن القلوب من الموت، بل تحصن الجسد كله بسائر جوارحه ألم يقل رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «إن في الجسد المضغة لو صلحت الصلح سائر الجسد».

  إنني لا أقصد بحياة القلوب هنا تلك الحياة التي تشاركنا فيها سائر الكائنات الحية، بل أقصد بها حياة الروح، لا أقصد بها الحياة الدنيا، بل أقصد بها حياة أرقى هي الحياة العليا، تلك الحياة التي عبر عنها القرآن الكريم في سورة الأنفال، حيث يقول رب العزة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 24).

علامات القلب الحي:

1. اجتناب المعاصي: فكما هو واضح من الحديث الشريف السالف الذكر فإن الإنسان الذي يبتعد عن المعاصي ويحذرها صاحب قلب صاف نقي، تدب فيه الحياة، على عكس ذلك القلب الذي غرق صاحبه في المعاصي، وغاص في مستنقع الذنوب وأوحالها، وغطاه الران، حتى أغلق جميع مسامه، فأصبح لا يحس ولا يشعر، وقد قال رب العزة في صاحب هذا القلب ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة المطففين: 14) لذا فقد روى أحد السلف الصالح، قال: كنا عند مجاهد، فقال: القلب هكذا وبسط كفه ثم قال، فإذا أذنب الرجل ذنبًا كان قلبه هكذا، وعقد إصبعًا واحدًا، ثم أذنب وعقد اثنين، وهكذا ثلاثًا وأربعًا، ثم رد الإبهام على الأصابع في الذنب الخامس، ثم يطبع على قلبه، ألا فليحذر الإنسان من أن يطبع على قلبه إذا تتابعت معاصيه، وكثرت ذنوبه وهو لا يشعر.

2. كثرة الذكر: فقد أخبر رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أن مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت.

3. خشية الله -تعالى- عند ذكره: وفي ذلك يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (سورة الأنفال: 2).

4. زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات: وذلك ما نلمحه في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (سورة الأنفال: 2).

5. حسن التوكل على الله: فقد ذيلت الآية الكريمة السابقة بقوله -عز وجل-: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الأنفال: 2).

6. الرفق بالناس: قال -تعالى- واصفًا حبيبه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران: 159) وعلى العكس من ذلك، أخبرنا القرآن الكريم أن القلوب التي طبع عليها هي قلوب المتكبرين الجبابرة قال -تعالى-: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (سورة غافر: 35).

7. الثبات عند البلاء: قال -تعالى- في وصف حال أم موسى بعد فراق وليدها: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة القصص: 10)

8. الإقبال على تدبر القرآن: قال -عز وجل-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (سورة محمد: 24)، وقال في سورة البقرة عن بني إسرائيل، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة البقرة: 88).

9. تجنب الغل والحسد: فمن دعاء المؤمنين ذوي القلوب الحية ومن صفاتهم ما أثبته القرآن الكريم عندما وصف المهاجرين بقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة الحشر: 10).

10. الشجاعة عند ذكر الجهاد: حيث وصف الله -عز وجل- أصحاب القلوب المريضة بقوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (سورة محمد: 20)، وقال في شأن اليهود الجبناء، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (سورة الحشر: 2).

11. ذكر الموت: إن الموت حقيقة لا شك فيها قضية موجبة لا استثناء فيها، قال -تعالى-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (سورة آل عمران: 185)، وقال -تعالى-: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (سورة الرحمن: 26- 27)، لذا فأصحاب القلوب الحية هم الذين فقهوا هذه الحقيقة، فجعلوا الموت نصب أعينهم، ومن ثم قصرت آمالهم، وصلحت أعمالهم، وحيت قلوبهم، ونطقت أعمالهم وألسنة أحوالهم بهذا القول البليغ:

نسير إلى الآجال في كل لحظة
 
وأيامنا تطوى وهن مراحل
  
ولم أر مثل الموت حقًا كأنه
 
إذا ما تخطته الأماني باطل
  
وما أقبح التفريط في زمن الصبا
 
فكيف والشيب للرأس شاعل
  
ترحل من الدنيا بزاد من التقى
 
فعمرك أيام وهن قلائل
  

  ليست هذه دعوة لليأس من الحياة أو التشاؤم، بل هي دعوة لإحياء القلوب، ومن ثم إحياء الأرواح والأجساد، وتذكير بما نحن مقبلون عليه لا محالة، حتى تعيش قلوبنا حية راضية، زاهدة في الدنيا، راغبة في نعيم الآخرة كالحبيب الذي ينتظر حبيبه على شوق، أو كالغريب المشتاق إلى وطنه وأحبابه فيتمنى أن تنقضي غربته، وتقطع به الطائرة الصحراء القاحلة والفيافي الممتدة، فليس بينه وبين محبوبه إلا أن يتجاوز هذه العقبة، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف نحيي قلوبنا؟

هذا ما سأتناوله في المقالات المقبلة بمشيئة خالق القلوب ومحييها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1041

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 197

80

الثلاثاء 23-أبريل-1974

الغذاء الروحي

نشر في العدد 391

167

الثلاثاء 21-مارس-1978

الحياة الطيبة