العنوان علي عزت بيجوفيتش شهادة على التاريخ والحضارة: حياة حافلة وسطور مضيئة
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003
مشاهدات 97
نشر في العدد 1574
نشر في الصفحة 38
السبت 25-أكتوبر-2003
رحم الله على عزت بيجوفيتش وادخله فسيح جنانه، فقد كان -يرحمه الله- ممن عاشوا للإسلام، فهو الشاب الذي نشأ في طاعة الله وهو الذي قدم كل حياته خدمة لدينه وشعبه وأمته، وشاب وهو على ذلك ولم يبدل تبديلًا، وخاض غمار النشاط السياسي والفكري منذ بواكير شبابه، ودافع عن الإسلام بأسلوب المفكر الذي يستقي الدلائل من مجريات الواقع، وطبائع الأنفس البشرية المختلفة.
لقد مات على عزت بيجوفيتش الجسد «78 عامًا»، لكن على عزت بيجوفيتش السياسي والمفكر والمصلح سيبقى في عقول ووجدان المسلمين في البوسنة وخارجها، فلولا الله ثم على عزت بيجوفيتش ما بقيت البوسنة والهرسك سنة ۱۹۹۲ عندما اتفق الصرب والكروات على تفتيتها.
قبل موته بنصف ساعة «كما قال الأطباء» قام على عزت بيجوفيتش من فراشه وتوجه نحو مكان الوضوء فتوضأ، ثم قام بغسل أسنانه لم يتعجب الأطباء من ذلك فقد كان في كامل وعيه. وكامل قوته العقلية والفكرية إلى آخر رمق.. ترى من أخبره بأن مأدبة في انتظاره مقام بالاستعداد لذلك؟ ترى ماذا كان ينتظره، ولماذا لم يذكر شيئًا.. أم هي شروط الضيافة لمن هو في مقامه؟.
وقد استقبل الشعب البوسني وفاة زعيمه ببالغ الحزن والألم وأتجه كثير من المواطنين وهم يذرفون الدموع إلى المستشفى المركزي بسراييفو بينما تسعر الآخرون أمام شاشات التليفزيون يشاهدون حوارات سابقة مع الزعيم الراحل في عدد من المحطات التليفزيونية المحلية واضعين رؤوسهم بين أكفهم حزنًا على رجل نذر حياته لخدمة دينه وشعبه وأمته والإنسانية جمعاء بما كان يدعو إليه من تعايش ومصالحة لكنه كان يؤكد أن التعايش والمصالحة يمران عبر استرداد الحقوق ومحاكمة المعتدين.
في اليوم الذي توفي فيه عزت بيجوفيتش والذي تلاه بدت السماء ملبدة بالغيوم.. الناس في وجوم تام، ولم يقدر الناس حتى خصومه من قبل إلا أن يعترفوا بأنه كان قائدًا ومفكرًا وسياسيًا بارعًا وصلًبا في الحق ومتسامحًا وشهمًا حتى مع خصومه.
وقد قال الرئيس الحالي سليمان تيهيتش في مؤتمر صحفي عقده بسراييفو بعد نبأ وفاة الزعيم: «إن على عزت بيجوفيتش كان مثالًا لكل شيء وإننا سنبقى أوفياء لخطه السياسي اعترافا بالجميل للرجل الذي لولا الله ثم هو ما كنا هنا اليوم» كان سليمان تيهيتش يخفي دموعه التي ملأت مقلتيه. وقال «كنت أستعد لأخبره بما حدث في المؤتمر الإسلامي بماليزيا وكنت أحمل إليه أخبارًا سارة، لكن أخبارًا أخرى أفضل قد وصلته، وعندما كنت استعد لمقابلته وصلني خبر وفاته».
لقد دارت الأرض بالجميع ووصف البعض ما حصل بالزلزال. فالدكتور مصطفى تسيريتش رئيس مشيخة البوسنة قال «وفاة على عزت بيجوفيتش كانت أسوأ خبر سمعته في حياتي، ولكن ما فعله للبوسنة يجب أن نحافظ عليه وما فعله للإسلام يجب أن نحافظ عليه وتواصل السير على الطريق الذي سلكه».
أما رئيس الوزراء الأسبق حارث سيلاجيتش وهو من الشخصيات البارزة التي عملت مع بيجوفيتش فقال «علي عزت بيجوفيتش هو الرجل الأول الذي وقف في وجه الإبادة، لقد عملت معه كوزير للخارجية ثم كرئيس للوزراء وناضلنا في خندق واحد من أجل الحرية والديمقراطية والتعايش، كان على عزت رئيسًا للبوسنة والهرسك في أصعب الظروف وأشد مراحل تاريخ البوسنة والهرسك، دافع عن بقاء البوسنة وعن السلام بعد انتهاء القتال، كان شخصية مرموقة ورجلًا شجاعًا ملتزمًا ومتوازنًا بعيد النظر حكيمًا هادئ الطبع وعميق التفكير، رئيسنا على عزت رحمه الله».
وقد كان موقف كل الأحزاب والمنظمات الدولية في البوسنة في نفس سياق ما ذكره سيلاجيتش.
لكن بقي القول إن وفاة على عزت تمثل أحد أبرز ما تم في تاريخ البوسنة، فقبل ألف عام تأسست البوسنة، وهذا تاريخ لا ينسى وفي عام ١٤٦٣ ميلادية دخل الأتراك البوسنة وهذا تاريخ لا ينسى، وفي سنة ١٩١٤ ميلادية قامت الحرب العالمية الأولى من سراييفو وهذا لا ينسى وسنة 1992م عمل الكروات والحرب على تقسيم البوسنة وارتكبوا المذابح بحق المسلمين وقاد عزت بيجوفيتش عمليات الدفاع وهذا لا ينسى. كما أن موت على عزت في ٢٣ من شعبان عام ١٤٢٤ من الهجرة الموافق ۱۹ أکتوبر ۲۰۰۳ م لن ينسى أيضًا.
إنه مرحلة تاريخية ومفصلية في حياة المسلمين في البوسنة.
من أقواله: على المسلم ألا يستغني عن أمرين.. الساعة والرزنامة.
وُلد على عزت بيجوفيتش -يرحمه الله- في 8 أغسطس من عام ١٩٢٥ في منطقة بوسانسكي شماتس التابعة لإقليم بوسانسكا كروبا شمال غربي البوسنة وهناك تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي، ثم انتقل إلى سراييفو ليكمل تعليمه في المرحلة الثانوية، وهناك تجلت سماته القيادية بعد انضمامه لجمعية «الشبان المسلمين» التي تأسست في سراييفو على غرار جماعة الإخوان المسلمين بمصر وعمره لم يزد في ذلك الوقت على ١٦ عامًا. وكان في ذلك الوقت يدافع عن العرب والمسلمين في وسائل الإعلام، وقد تمكن مع إخوانه من منع فيلم يستهزئ بالعرب داخل إحدى قاعات السينما بسراييفو.
وزادت دراسته للقانون من نبوغه وميزاته القيادية حيث كان قارئًا نهمًا ومحللًا سياسيًا لا يشق له غبار، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، وأنقسم الناس بين الحلفاء والمحور اختار عزت بيجوفيتش الحياد رغم احتلال الألمان للبوسنة سنة ١٩٤١م ووضعهم كرواتيا مواليًا للنازية على سراييفو.
وظل عزت بيجوفيتش وفيًا لأفكاره ومبادئه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥، ووجد نفسه مرة أخرى أمام عقبات كبيرة وهو في المراحل الأخيرة من الدراسة بكلية الحقوق حيث اعتقل عدة مرات وعُذب داخل السجون الشيوعية. وفي الوقت الذي كان فيه عزت بيجوفيتش يدافع عن حقوق المسلمين السياسية، كانت نشاطاته الفكرية وأخبار مناظراته الشهيرة تصل إلى جميع الكليات وأصقاع يوغسلافيا السابقة.
وبعد موت الرئيس اليوغسلافي تيتو سنة ۱۹۸۰ ضاعف على عزت من نشاطاته وكان لظهور كتابه «البيان الإسلامي» ردود فعل مزلزلة داخل الكيان اليوغسلافي وأتهم بأنه يعمل على بناء دولة إسلامية في المنطقة. وفي سنة ١٩٨٣ حكم عليه بـ ١٤ سنة، قضى منها خمس سنوات ثم أطلق سراحه سنة ۱۹۸۸، وخلال السنوات الخمس التي قضاها وراء القضبان ألف بيجوفيتش كتابه الشهير «الإسلام بين الشرق والغرب» الذي تم تهريبه من داخل السجن ليطبع في الخارج.
وعندما خرج بيجوفيتش من السجن كان العالم على مفترق طرق حقيقية حيث بدأ تفسخ المعسكر الشرقي. ولم يمض على سقوط تشاوسيسكو في رومانيا سنة ١٩٨٩ سوى بضعة أشهر حتى بدأ الاتحاد السوفييتي يفقد وحدته، ويوغسلافيا تتفكك، ففي تلك السنة (۱۹۸۹م) احتفل الصرب بمرور ٥٠٠ عام على هزيمتهم في كوسوفا، مما أثار مخاوف الجمهوريات الأخرى وخاصة كرواتيا وسلوفينيا وبقية الجمهوريات الستة. وفي سنة ١٩٩١ م أعلنت كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما.
كان بيجوفيتش واضحًا تجاه هذه التغييرات التي عصفت بيوغسلافيا وكان موقفه «يوغسلافيا موحدة كما تشكلت نهاية الحرب العالمية الثانية أو بوسنة مستقلة» وبما أن الصرب فقدوا الأمل في إخضاع كرواتيا وسلوفينيا فقد ركزوا كل جهودهم الحربية والسياسية على البوسنة، فكانت الدبابات اليوغسلافية تنسحب من كرواتيا وسلوفينيا وتتمركز في البوسنة. وقد أسهم بيجوفيتش في مطلع عام ١٩٩٠ في تأسيس حزب العمل القومي الذي أصبح من أكبر الأحزاب في البوسنة، وأصبح رئيسًا للحزب في مايو ١٩٩٠.
وفي مارس ۱۹۹۲ أجرى استفتاء في البوسنة على الاستقلال بناء على طلب الاتحاد الأوروبي وتحديدًا فرنسا ليتم الاعتراف بالبوسنة والهرسك وقد تم الاستفتاء الذي شارك فيه الصرب أيضًا. وقال 62,8%: نعم للاستقلال. وفي أبريل بدأت الحرب في البوسنة وخاضها عزت بيجوفيتش باقتدار، رغم أن موازين القوى كانت إلى جانب الصرب، وعندما جاءه وسطاء سنة ۱۹۹۲ ليخبروه بأن الصرب يحيطون بسراييفو من كل جانب وأن عليه التفاوض قال لهم «إنهم يريدوننا أن نستسلم» فقيل له كما روى في مذكراته «وماذا ستفعل»؟ قال «سنقاتل». وقد قاتل الرجل مع شعبه وحافظ على بلاده بعد أن قدمت البوسنة ثمنًا باهظًا، وهو ٢٠٠ ألف شهيد، ومليون ونصف المليون مهجر و١٥٠ ألف معاق وهدم ما يقرب من 90% من البنية التحتية.
اختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ليكون «الشخصية الإسلامية» للعام الهجري ١٤٢٢ الموافق ۲۰۰۱، باعتباره من المفكرين الذين أسهموا في دعم الفكر الإسلامي بعدة مؤلفات من بينها «البيان الإسلامي» و«عوائق النهضة الإسلامية» و«الإسلام بين الشرق والغرب» و«هروبي إلى الحرية».
وقد توفي بيجوفيتش عن عمر يناهز ۷۸ عامًا في مستشفى بسراييفو، حيث كان أدخل إليه في العاشر من سبتمبر الماضي بعدما أغمي عليه مما أسفر عن إصابته بكسور في أربعة من أضلاعه.
ومن أقوال بيجوفيتش: «على المسلم ألا يستغني عن أمرين: الساعة والرزنامة»
وعندما سألته عقب توقيع اتفاقية دايتون: هل انتهت الحرب؟ قال لي «انتهت حرب وبقيت حروب».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل