; الشاعر الدكتور محمد قطبة: حين أفكر أكتب شعرًا.. وورود الأمجاد تسقي بدماء الشهيد. | مجلة المجتمع

العنوان الشاعر الدكتور محمد قطبة: حين أفكر أكتب شعرًا.. وورود الأمجاد تسقي بدماء الشهيد.

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

على مدى عشرين عامًا وهو يهوى قرض الشعر سلاحًا مشرعًا في اليمنى يسطر به آهات أمته، ومع ذلك فهو يقول:

لا تظنوا هويت قول القصيد   

أنا شعري نسجته من وريدي

أبصرت عيني الحياة صغيرًا 

قيد هم على يميني وجيدي 

وهو شاعر يدرك مهمته، ويعي غايته، يزرع النور في القلوب، وينزع الشوك من جنان الورود:

وأحيك الأبيات من نبض قلبي  

عل صوتي يفل صمت الحديد 

من دمي صغتها وآهات نفسي  

هي أوزانها لنظم قصيدي 

إنه الشاعر القطري الأستاذ الدكتور محمد عبدالله قطبة، الأستاذ بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الإنسانيات بجامعة قطر، يتميز شاعرنا بتوجهه الأول نحو الأمة التي تفتحت عينه عليها كواحد من جيل المأساة فلم يقبل الجمود، بل تحرك بكلماته يحيك أبياته من نبض قلبه، ويعبر عن صوت الشباب خلف السدود، فلا يرثي مجد أمته، بل يرثي صموده، ويعرف الطريق.

فطريقي دين يعز شبابًا

يمنح النصر في ظلال البنود

وورود الأمجاد ترفض سقيا 

كل ماء سوى دماء الشهيد

إن الشاعر يقف فوق قمة متميزة، نسى فيها ذاته.. صارت ذات أمته هي الهم الأول والأخير، وبينما يستعد لإصدار ديوانه الأول التقته «المجتمع» في سلسلة لقاءاتها مع شعراء الأمة؛ محاولة التعرف على طبيعة العملية الإبداعية لديه ومكونات ومؤثرات الإبداع، وكان هذا الحوار:

المجتمع: ما البدايات التي صاحبت قرض الشعر، ومن الذين استمعوا إليك أولًا، وما دوافع تولد القول الشعري عند الشاعر د. محمد قطبة؟

د. قطبة: في الثامنة من العمر أتممت حفظ عشرين جزءًا من القرآن الكريم، في سنة (1970م) وبدأت قرض الشعر.. كان حب القراءة وحب العربية عندي منذ الصغر، وهذه دار الكتب القطرية تشهد إقامتي لساعات طويلة في مخازنها، وكان والدي -رحمه الله- يعمل بها حيث توجد كتب كثيرة أقرأ فيها من الأدب العالمي، والروايات والقصص والدواوين ما فتح لي آفاقًا من التصورات الكثيرة، وبدأ معي الشعور بقضايا الإنسان، كما كانت تصل دار الكتب مجلة بعنوان فلسطين، وكانت تتحدث عن التاريخ الفلسطيني وعن جهاد محمد أمين الحسيني، وتعرض كثيرًا من القضية، فأصبحت تدريجيًا أتأثر بقضية فلسطين حتى أصبحت تشكل همًّا عامًا عندي، وفي عام 1971م رأيت على غلاف المجلة صورة لامرأة عجوز بعد حرب 1967م تجلس في خيمتها وتتكاثر حولها الثلوج، وقد كتب تحت الصورة: «أنقذونا قبل قدوم الشتاء»، فتأثرت، وبعدها أحسست أني أريد أن أكتب شيئًا، وقد كان البيت الأول:

خطب عظيم أصاب الشرق قاطبة   

هوت له أمة والنار تضطرب

وانتهت القصيدة بعد ساعة من الكتابة بتسعين بيتًا من الشعر، وبعض ما كتبته كان يحتاج مني بعد ذلك إلى معجم لأتعرف معاني كلماته.

أعجب أبي بالقصيدة، وكان شاعرًا، وأعجب آخرون، ومنهم عميد المعهد الديني الذي كنت أدرس فيه د. يوسف القرضاوي، وبعدها صرت أكتب عدة قصائد خلال الأسبوع، بيد أنه أكثر من (40) قصيدة قد فقدت منه، بعدها تخصصت في اللغة الإنجليزية لحاجتي أن أتعرف على الوجه الآخر من الحقيقة، مما أثر على إنتاجي في الأدب العربي، وإن كان أفادني في الاطلاع على الأدب العالمي المكتوب بالإنجليزية مما ساعد على تنويع الصور في قصائدي.

الموهبة.. هل تصنع وحدها شاعرًا؟ 

المجتمع: ترى الموهبة هي الأساس، أم كثرة قراءة الشعر تصنع الشاعر؟

د. قطبة: أعتقد أن المسألة متلازمة فلا الحفظ الكثير وحده، ولا الموهبة وحدها تمكن المرء من كتابة الشعر الجزل، فالمسألة متلازمة، نحتاج للموهبة كأساس عند الشاعر، لكن على الشاعر أن يطلع ويحفظ كثيرًا من الشعر، وأن يطلع على صور بلاغية لكثير من الشعراء والأدباء.

كيف تنمو الفكرة عندي؟

المجتمع: حينما تريد كتابة قصيدة كيف تنمو الفكرة، وكيف يبدأ التعبير عنها أول الأمر؟

د. قطبة: عندما أتأثر بموضوع ما أكون بين أمرين: إما أن أتأثر به تأثرًا قويًا وأكتب فيه، وقد يكون ذلك في فترة وجيزة جدًا، وأحيانا أحاول الكتابة ولا أستطيع، وأظل أفكر في الموضوع أيامًا.

المجتمع: إذن أنت تهتم بالفكرة أساسًا، أم أن الشعور الداخلي والإحساس بالمشكلة هو الذي يؤثر أكثر؟

د. قطبة: في بعض القصائد يحدث عندي نوع من الشعور الداخلي، وعندها تتولد الفكرة وأفكر في الموضوع، وأحيانًا إذا عرضت عليّ فكرة وأكثرت التفكير فيها، تأخذ مني بعد ذلك فترة من الزمن ثم أكتب فيها قصيدة، في السابق حينما كنت على صلة كبيرة بقراءة الأدب كان يغلب عليّ فعلًا الجانب الثاني، أما الآن فتغلب فعلًا عليّ الفكرة.. أظل أناقشها وأفكر فيها ثم أكتب.

محركات إبداعي

المجتمع: ما محركات الإبداع لديك، وما العوامل المؤثرة في إذكاء الإبداع في نظرك كالورق ونوعه والحبر ولونه، والمكان وأثره؟

د. قطبة: أكتب على أي ورق أمامي، فهذه قصيدة أم القرى جاءتني بينما كنت أقود السيارة، وكان وقتها يزورني الشيخ الصابوني وبعض الأساتذة الأفاضل من جامعة أم القرى، وطلب مني أن أشارك في ندوة شعرية تقام بعد يوم، وجاءني شعور داخلي بالمسألة وبكلمة أم القرى، ووجدتني أكتب على صندوق المناديل بالسيارة الأبيات الأولى، وأتوقف مرات لأكتب وأكتب بأي نوع من الحبر، وأفضل الأزرق.

هدوء قطر وأثره في إبداع الشاعر 

المجتمع: تتميز قطر بهدوئها، في البر، وفي البحر.. هل كان للبيئة الخليجية التي نشأت فيها، ولقطر خاصة أثر في عملية الإبداع لديك؟

د. قطبة: معظم القصائد التي كتبتها كانت في أجواء هادئة جدًا، وممارسة الإبداع عندي أي الكتابة ترتبط بالهدوء، كما قلت، والبر في قطر، أي في الصحراء، أو على شاطئ بحرها، أي الخليج العربي، أتطلع إلى النجوم وإلى الصفاء ويكون الإبداع.

المجتمع: يبدو أن د. محمد قطبة يعشق البيئة وجمالها، ولكن يبدو أيضًا أنه حينما يفكر يكتب شعرًا.

د. قطبة: هذا صحيح إلى حد ما.

بعض الشعر يأتي في المنام!

المجتمع: هل تتولد القصيدة لديك في اليقظة، أم يأتي بعضها رؤيا في المنام كما حدث مع بعض شعراء الإنجليز كما هو معروف في تاريخ الأدب الإنجليزي؟

د. قطبة: حينما أتأثر بالفكرة أظل أفكر فيها ليل نهار، وقد تقل عندي ساعات النوم إلى حد كبير، وهناك بعض الأبيات قلتها في المنام، ثم أكملتها في اليقظة.

المجتمع: هل تذكر شيئًا من ذلك؟

د. قطبة: منها قصيدة:

من مداد الأسى سأكتب شعري   

يا أسيرًا ملكت قلبي وفكري 

فشجوني أبت لنفسي قرارًا  

واشتياقي إليك يلهب صدري

وهي قصيدة: «حنين للأقصى»، وقد قلت أربعة أبيات منها في المنام، ثم أكملتها في اليقظة.

أكتب الشعر بصوت عال

المجتمع: مارس د. محمد قطبة الخطابة فترة من الزمن: ما هو تأثير الخطابة سلبًا أو إيجابًا على إبداعك الشعري؟ 

د. قطبة: أكتب كثيرًا من شعري حينما أقول البيت بصوت عال، وأحدث نفسي به وكأنني أمام الجمهور، وقد تعودت زوجتي إذا رأتني بهذه الحالة أن تتركني وشأني حتى أنتهي من القصيدة، وأبدأ بالتحدث بصوت عال، وأكتب والأبيات التي بعدها بالطريقة نفسها.

المجتمع: يرجع بنا هذا إلى أهل الشعر العربي، وهو أنه يلقى على الجمهور وينشد ويغنى؟

د. قطبة: بالفعل فحينما تتصور قوة حادثة، وحينما تتصور أن الناس تصنع شيئًا فيها، وحينما تتصور أنك أمام الجمهور العريض، وحينما تتصور أنك في بعض المواقف التي كنت فيها أمام الجمهور، وتحس بتأثرهم بما تقول من شعر، فإن هذا يساعدك على قول الشعر.

للأدب الإسلامي السبق إذن

المجتمع: مصطلح الأدب الإسلامي جديد، وإن كان الاتجاه الإسلامي في الأدب قديمًا، ومع أن المصطلح يحتاج إلى حوار، فإني أسال: ما علاقتك ورؤيتك للأدب الإسلامي عامة؟

د. قطبة: المصطلح إذا قبلناه ولم نناقشه أصيل، ولكنه غمط حقه تمامًا، فقد أمسك بلواء الأدب وسبل النشر قوم لهم أغراض خاصة، وأصحاب اتجاهات خاصة حرموا الناس أن يسمعوا إبداعًا إسلاميًا، وما نشر منه يثبت أنه أدب جيد وأصيل، ورغم المحاربة الشديدة من وسائل الإعلام كافة لهذا النوع من الأدب ولمن يكتب به، ورغم هذا فإنه حينما نشر القليل منه، حاز إعجاب الناس، فماذا لو أطلق العنان لهؤلاء الشعراء ليبدعوا بحرية، فسوف يكون للأدب الإسلامي السبق إبداعًا، وفنًا، وتصورًا، وفكرًا.

الرابط المختصر :