; حُسن الخُلُق وأهلية الواقفين على منبر رسول الله ﷺ | مجلة المجتمع

العنوان حُسن الخُلُق وأهلية الواقفين على منبر رسول الله ﷺ

الكاتب سعد سعيد الديوه جي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012

مشاهدات 46

نشر في العدد 2013

نشر في الصفحة 26

السبت 28-يوليو-2012

للمنبر في الإسلام مكانة سامية بين المسلمين، ومكانه في صدر المسجد ، يعني أنه المكان الذي تصدر منه الهداية والنقاء وصفاء السريرة، من خلال مناشدة المسلمين لاتباع الصراط المستقيم كما رسمه الرسول محمد  ﷺ، وكذلك ينطبق على كل مكان للدعوة ولكن بدرجات أقل.

والذين يصعدون على المنابر يجب أن يتأسوا بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء، فالمهمة ليست باليسيرة على الإطلاق، ولذلك يجب على من يريد الوقوف على منبر الرسول ﷺ، ويجعل من نفسه واعظاً ومرشداً للمسلمين، أن يتفرغ للدراسة والمتابعة لعلوم التفسير والحديث والفقه واللغة وأصول الدين والتاريخ، وهذه بديهيات لا جدال حولها.

ولو سلمنا بهذه الأمور كتحصيل حاصل فإن الواقف على منبر رسول الله ﷺ، يجب أن يعمل بكل فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم وأهمها حسن الخلق، فهذه الصفة مؤثرة جداً على الناس الذين يجلسون حول المنبر وهو في علو وهم يفترشون الأرض من حوله ! فالباري عز وجل يصف الرسول ﷺ بقوله: ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ( القلم: 4) وقد روى الترمذي عن عبد الله بن مبارك في تفسير حُسن الخُلق ما نصه: «هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف»، وكف الأذى، وهذا ما يهمله بعض الصاعدين على منبر رسول الله ﷺ فنراهم متجهمين متعالين لا تعرف متى رأيته طليق الوجه آخر مرة ويسعون في الأرض فسادًا بتضليلهم للناس من حيث يدرون ولا يدرون، فالتواضع يُكمل حُسنٍ الخلق، ويترك أثرًا بالغًا عند الناس، خصوصًا بما يتعلق بالأمور الدينية، حيث يكون الإنسان مستعداً عاطفيًا أكثر من مواضع أخرى لتقبل ما يستمع إليه.

صورة سيئة

فقبل سنتين كنت في دمشق، وجلست بين صلاتي المغرب والعشاء في الجامع الأموي لأستمع لدرس من خطيب مشهور في العالم الإسلامي، والذين شاهدوا مسجد الجامع الأموي يعرفون أن مكان النساء ليس مفصولاً عن مكان الرجال وقبل المحاضرة تقدمت امرأة متوسطة العمر بملابس محتشمة جدا نحو هذا العالم بكل المعارف الإسلامية وهي تحمل ورقة بيدها فيها على ما يبدو سؤالا لهذا الشيخ الكبير العارف بعلوم الله واخترقت صفوف الرجال وكانت مخطئة في ذلك، عند ذلك لم ينبهها هذا الشيخ المشهور بعلومه بلطف وأدب على خطئها، بل راح يعنفها بقسوة واتهمها بقلة الأدب وعدم الحياء، شأنها شأن النسوة، فوقفت في مكانها كالصنم من الذهول، ثم التفتت وعادت من حيث أتت، وكان يقدر أن ينبهها بكل أدب ولياقة، وقد أصبت حينها بصدمة كبيرة من هذا العارف بكل علوم الشريعة ونسي ماذا يعني حُسن الخُلق، وماذا يعني التواضع وجعلتني أعيد كل حساباتي بما يعنيه تحصيل العلوم الشرعية، وحُسن الخُلق غائب عنها .

والمسجد بيت الله تملأه السكينة، ويحف به الوقار، ويذهب إليه الناس طواعية لحمد الله وشكره، ونيل الصفاء ونسيان الخلافات والأحقاد والحسد، ومن حُسن خُلق الخطباء تعزيز هذه الحقيقة، وعدم نقل الخلافات في الرأي بين المسلمين على المنابر أو على شاشات الفضائيات، حيث صارت منابر داخل بيوتنا. 

كيل التهم

حيث أطل علينا قبل فترة أحد الساعين نحو المنابر بكافة أنواعها ولا يفتأ عن كيل المديح لكل حاكم وأمير وهو كسابقه يحمل شهادة الدكتوراه، ويلم بالعلوم الشرعية ولكن حسن الخلق لم يعرف إلى سلوكه سبيلا في كل محاضراته وخطبه وكأنما معرفة العلوم الشرعية تعني في طياتها التعالي على الناس والإستهزاء بهم.

وفي إحدى لقاءاته التلفزيونية تكلم عن الخلافات السياسية والتاريخية بين الصحابة فراح يكيل التهم جزافاً لبعض الصحابة بكل صلافة وبدون حياء، كمن ينظر لقاعة كبيرة من ثقب الباب فأثار فتنة وصار أضحوكة حتى انطبق عليه حديث الرسول ﷺ: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»، فكان نموذجا سيئاً لا يمكن وصفه بتاتًا.

من هذين المثالين وغيرهما الكثير، يتبين لنا حالة الفصام النفسي التي تتملك بعض الخطباء -  الدعاة بين معرفة علوم  الدين المختلفة وحسن الخلق الذي يجب أن يكون سنام كل الأمور، وبذلك يظهر الإنعكاس الأخلاقي والصفاء النفسي، وحسن النية للداعية والتي يدرك بها المسلم المستمع تطابق العلم مع الأخلاق.

وعليه فإن كل داعية يقف على منبر رسول الله ﷺ يجب ألا يجعل من نفسه وعلمه مثالاً للسوء يستغله أعداء الدين للتشهير بالدين كله والله من وراء القصد.

 

الرابط المختصر :